فصل
وأما توحيد الألوهية فهو: إفراد الله تعالى بالعبادة بأن يعبد وحده ولا يعبد غيره من ملك، أو رسول، أو نبي، أو ولي، أو شجر، أو حجر، أو شمس، أو قمر، أو غير ذلك كائنًا من كان.
ومن أدلته قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] . وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . وقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] . وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو
[ ١١١ ]
الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] .
* وهذا النوع قد أنكره المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كما قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥-٣٦] . وقال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [صّ: ٤-٦] .
ومن أجل إنكارهم إياه قاتلهم النبي ﷺ واستباح دماءهم وأموالهم وسبي نسائهم وذرياتهم بإذن الله تعالى وأمره، ولم يكن إقرارهم بتوحيد الربوبية مخرجًا لهم عن الشرك، ولا عاصمًا لدمائهم وأموالهم.
* وتحقيق هذا النوع أن يعبد الله وحده لا شريك له بشرعه الذي جاءت به رسله كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] . فمن لم يعبد الله تعالى فهو مستكبر غير موحد، ومن عبده وعبد غيره فهو مشرك غير موحد، ومن عبده بما لم يشرعه فهو مبتدع ناقص التوحيد حيث جعل لله تعالى شريكًا في التشريع.
* والعبادة تطلق على معنيين:
أحدهما: التعبد، وهو فعل العابد فتكون بمعنى التذلل للمعبود حبًا وتعظيمًا. وهذان – أعني الحب والتعظيم – أساس العبادة؛ فبالحب يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود بفعل ما أمر به، وبالتعظيم يكون الهرب من أسباب غضبه بترك ما نهى عنه.
[ ١١٢ ]
الثاني: المتعبد به، فتكون اسمًا جامعًا لكل ما يتعبد به لله تعالى كالطهارة، والصلاة، والصدقة، والصوم، والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام وغير ذلك من أنواع العبادة.
* وللعبادة شرطان:
أحدهما: الإخلاص لله ﷿ بألا يريد بها سوى وجه الله والوصول إلى دار كرامته، وهذا من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.
الثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله بألا يتعبد لله تعالى بغير ما شرعه، وهذا من تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله.
فالمشرك في العبادة لا تقبل عبادته، ولا تصح لفقد الشرط الأول.
والمبتدع فيها لا تقبل ولا تصح لفقد الشرط الثاني.
* وقد دل على هذين الشرطين كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ:
- فمن أدلة اشتراط الإخلاص من كتاب الله: قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ* أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ [الزمر: ٢-٣] . وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] . وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المتنوعة الدلالة.
- ومن أدلته من السنة: ما أخرجه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يا أيها الناس! إنما الأعمال بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". هذا أحد ألفاظ البخاري.
[ ١١٣ ]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".
- ومن أدلة اشتراط المتابعة لرسول الله ﷺ من كتاب الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] . وقوله في وصف النبي ﷺ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المتنوعة الدلالة.
- ومن أدلته من السنة: ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". أي: مردود.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول إذا خطب الناس يوم الجمعة: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". وصح عنه ﷺ أنه قال: "إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". رواه أحمد وأبو داود.
ولا تتحقق المتابعة إلا بموافقة العبادة للشرع في سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.
[ ١١٤ ]
* والعبادة أنواع كثيرة:
فمنها الصلاة والذبح، لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] . وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] . فمن صلى لغير الله فهو مشرك، ومن ذبح لغير الله تقربًا وتعظيمًا فهو مشرك.
- ومنها التوكل لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] . وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] .
ولهذا لما كان التوكل خاصًا به كان وحده هو الحسب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] .
فأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] . فمعناه أن الله هو حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين فقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوف على الكاف في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ وليس معطوفًا على ﴿اللَّهُ﴾ كما ظنه بعض الغالطين، فإن هذا يفسد به المعنى إذ يكون المعنى على هذا التقدير: أن الله والمؤمنين حسب النبي ﷺ وهذا باطل، فإن مقام النبي ﷺ أعلى وأقوى من مقام من اتبعه، فكيف يكون الأدنى حسبًا للأعلى والأقوى؟!
- ومنها الخشية والخوف تعبدًا وتقربًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . وقوله: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْن﴾ [المائدة: ٣] . وقوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] . فجعل الرهبة له وحده كما جعل العبادة له
[ ١١٥ ]
وحده في قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] .
- ومنها التقوى تعبدًا وتقربًا لقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] . وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢] . وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] .
[ ١١٦ ]