* قوله: (اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ، أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ (^١) إِبْرَاهِيمَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وَمَعْنَى ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾: يُوَحِّدُونِ، وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ. وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْه الشركُ، وَهُوَ: دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]).
هذه هي المقدمة الثالثة التي ذكرها الشيخ قبل كلامه عن الأصول الثلاثة.
* والكلام عليها سيتضمن خمسة أمور:
أولها: معنى الحنيفية: الحنيفية مأخوذة من الحنف وهو الميل، قال ابن منظور: «الحنيفية فِي اللُّغَةِ المَيْلُ، والمعنَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَنَفَ إِلَى دينِ اللَّهِ وَدِينِ الإِسلامِ» (^٢).
والمراد بالحنيفية: عبادة الله ﷾، وتوحيده، وإخلاص العبادة له.
وإنما سميت عبادة الله على وجه الإخلاص والتوحيد حنيفية: لأنها ميل عن الشرك إلى الإسلام والتوحيد.
قال ابن القيم: «الحنيفية تتضمن الإقبال على الله بالعبادة والإجلال والتعظيم والمحبة والذل» (^٣).
_________________
(١) (مِلَّةَ): لغة: الشريعة والدين. انظر: «لسان العرب» (١١/ ٦٣١)، وشرعًا: الطريقة والشرعَة والنِّحْلَة والدين.
(٢) انظر: «لسان العرب» (٩/ ٥٧).
(٣) انظر: «بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٦).
[ ٥٣ ]
وقد كان الناس على دين إبراهيم، ثم انحرفوا، فعبدوا غير الله تعالى، ومن هؤلاء أهل مكة، فقد كان قوم من أهل مكة قد بقوا على الحنيفية، منهم أربعةٌ ذكر ابن هشام خبرهم فقال: «اجتمع وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ، وَعُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، وَزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَلَّمُوا وَاَللَّهِ مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ! لَقَدْ أَخْطَئُوا دِينَ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ! مَا حَجَرٌ نُطِيفُ بِهِ، لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، يَا قَوْمِ الْتَمِسُوا لِأَنْفُسِكُمْ دِينًا، فَإِنَّكُمْ وَاَللَّهِ مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ. فَتَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ يَلْتَمِسُونَ الْحَنِيفِيَّةَ، دِينَ إبْرَاهِيمَ» (^١).
فلما جاء محمد ﷺ دعا الناس لهذه الحنيفية، وهي ملة الإسلام.
الأمر الثاني: قد نسب الشيخ ﵀ الحنيفية إلى إبراهيم ﵈ فقال: «أن الحنيفية ملة إبراهيم»، وإنما نسبت لإبراهيم ﵈؛ لأمرين، والله أعلم:
أولهمًا: لأنه أبو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وثانيًا: لأن إبراهيم هو المذكور في آيات القرآن التي ورد فيها الأمر بالحنيفية، قال الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (النساء: ١٢٥)، وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠)، وقال أيضًا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ (آل عمران: ٦٧).
وقد يضاف إلى هذا أنه من أولي العزم، وقد تكرر ذكر منهجه في مواضع كثيرة للاقتداء به.
_________________
(١) انظر: «السيرة» لابن هشام (١/ ٢٢٣)، و«الروض الأنف» للسهيلي (١/ ٢٥٣).
[ ٥٤ ]
ولذلك فإبراهيم ﵈ قد عُرِفَ عنه أنه وقف الوقفة الصارمة تجاه قومه وعبادتهم لغير الله ﷿، وخبره مع أبيه آزر ومع قومه مشهور، وهذا دليل على توحيده وقيامه به حق قيامه وجهاده به حق جهاده في شأن تحقيق التوحيد، والحنيفية، ونبذ الشرك ونحو ذلك.
الأمر الثالث: الحنيفية هي دين الأنبياء جميعًا، ولأجلها خلق الله الناس، ولذلك قال الشيخ ﵀: وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها -أي الحنيفية- فالله ﷿ خلق الناس ليعبدوه على وجه الإخلاص والتوحيد، والعبادة لا تصح حتى يعبد العبد ربه موحدًا له، أما من عبده وهو مشرك فلا تصح عبادته.
فهذه العبادة -التي هي الحنيفية- هي الأمر الذي لأجله خلق الله الناس.
ثم استدل الشيخ ﵀ بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، ومعنى يعبدون -أي يوحدون- وقد نقل عن ابن عباسٍ أنه قال: «كل موضعٍ في القرآن، اعبدوا الله، فمعناه: وَحِّدوا الله» (^١).
واللام في قوله (ليعبدون) للتعليل، ففيها بيان سبب خلق الله تعالى للجن والإنس.
والآية جاءت بأسلوب الحصر، فإن الاستثناء بعد النفي يفيد الحصر -وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه- والمعنى: خلقت الجن والإنس لغاية واحدة هي العبادة لله وحده دون ما سواه.
وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦).
_________________
(١) انظر: «معالم التنزيل» للبغوي (١/ ٧١).
[ ٥٥ ]
وهذا في العموم، أما في خصوص دعوات الأنبياء فقد تبين في القرآن أن دعوتهم كان مدارها على التوحيد.
قال تعالى حكاية عن نوح ﵈: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (المؤمنون: ٢٣).
وقال حكاية عن هود ﵈: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: ٦٥).
وقال حكاية عن صالح ﵈: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٧٣).
وقال حكاية عن شعيب ﵈: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٨٥).
فالتوحيد هو أساس دعوات الرسل جميعًا، والداعي إلى التوحيد مقتدٍ بهؤلاء الأنبياء.
الأمر الرابع: مما ذكره الشيخ ﵀ في هذه المقدمة، أنه أشار فيها إلى أعظم الأوامر وإلى أعظم النواهي، فنبينا ﷺ أمر بأوامر مبلغًا عن الله، ونهى عن نواهي، وليست هذه الأوامر على درجة واحدة، وكذا النواهي ليست على درجة واحدة، والإنسان يميز بين الأوامر، فيقدم بعضها على بعض، وأعظم أمرٍ أمر الله ﷿ به هو التوحيد.
والتوحيد الذي أمر الله ﷿ به هو: إفراد الله بألوهيته وربوبيته وبأسمائه وصفاته، وهذا يشمل أنواع التوحيد الثلاثة، الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.
فإفراد الله بالربوبية: أن تعتقد أن الله وحده هو الربّ الخالق الرازق المدبر.
[ ٥٦ ]
وإفراده بالألوهية: بأن تعتقد بأنه وحده الإله المستحق للعبادة، فلا تصرف شيئًا من العبادة إلا له ﷾.
وتوحيد الأسماء والصفات هو: أن تصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ.
وأما النواهي فأعظمها: الشرك، وهو دعوة غيره معه، أيًا كان هذا الغير، فإن قيل: فما حقيقة الشرك؟
الشرك له في الشرع معنيان: عام وخاص.
١ - المعنى العام: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه، ويندرج تحته ثلاثة أنواع:
الأول: الشرك في الربوبية: وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الربوبية، أو نسبة شيء منها إلى غيره، كالخلق والرزق والإيجاد والإماتة والتدبير لهذا الكون ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (فاطر: ٣).
الثاني: الشرك في الأسماء والصفات: وهو تسوية غير الله بالله في شيء منها، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصيرُ﴾ (الشورى: ١١).
الثالث: الشرك في الألوهية: وهو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الألوهية، كالصلاة والصيام والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٦٥).
٢ - المعنى الخاص: وهو أن يتخذ للهِ ندًا يدعوه كما يدعو الله ويسأله الشفاعة كما يسأل الله ويرجوه كما يرجو الله، ويحبه كما يحب الله، وهذا
[ ٥٧ ]
هو المعنى المتبادر من كلمة «الشرك» إذا أطلقت في القرآن أو السنة.
* وينقسم الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر.
أ) الشرك الأكبر هو: اتخاذ ند مع الله يعبد كما يعبد الله، وهو ناقل من ملة الإسلام محبط للأعمال، فمثاله في الاعتقادات: اعتقاد أن غير الله يستحق العبادة، ومثاله في الأعمال: الذبح لغير الله، ومثاله في الأقوال: دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله (^١).
_________________
(١) وينقسم الشرك الأكبر إلى أربعة أنواع: ١) شرك الدعوة -الدعاء-: قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٥). ٢) شرك النية والإرادة والقصد: وذلك أن ينوي بأعماله الدنيا أو الرياء أو السمعة، إرادة كلية كأهل النفاق الخلص، ولم يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، فهو مشرك الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٥ - ١٦). ٣) شرك الطاعة: وهو مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم، فالتشريع والحكم حق جعله الله لنفسه قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ [يُوسُف ٤٠]، وقال سبحانه في هذا النوع من الشرك: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشّورى: ٢١]، فمن ادعى أن لأحدٍ من الناس سواءً -علماء أو حكامًا أو غيرهم- حق التشريع من دون الله أو مع الله فقد أشرك مع الله إلهًا آخر في حق الله وحده، وكفر بما أنزل من عند الله قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣١). وروى ابن جرير في «تفسيره» من طريق أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ؟ قَالَ: «لَا، كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شيئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شيئًا حَرَّمُوهُ» وقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَابن عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُمَا فِي تَفْسيرِها: «إِنَّهُمُ اتَّبَعُوهُمْ فِيمَا حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا» (). ٤) شرك المحبة: والمراد محبة العبودية المستلزمة للإجلال والتعظيم والذل والخضوع التي لا تنبغي إلا لله وحده لا شريك له، ومتى صرف العبد هذه المحبة لغير الله فقد أشرك به الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ (البقرة: ١٦٥).
[ ٥٨ ]
ب) الشرك الأصغر هو: كل ما كان ذريعة إلى الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، ونهى عنه الشرع وسماه شركًا، ولا يخرج من الملة.
وهو قد يكون في الأعمال، ومن ذلك يسير الرياء كما قال ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشركُ الْأَصْغَرُ. قَالُوا: وَمَا الشركُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ» (^١).
وقد يكون في الأقوال: ومنه الحلف بغير الله كما ثبت عن النبي ﷺ قوله: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشركَ» (^٢).
وقد يصير الشرك الأصغر شركًا أكبر بحسب ما يقوم بقلب صاحبه (^٣).
* والفرق بين الشرك الأكبر والأصغر من وجوه:
١ - أن الشرك الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فاختلف
_________________
(١) أخرجه «أحمد» (٣٩/ ٣٩) من حديث محمود بن لبيد، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٩٥١).
(٢) أخرجه «أبو داود» (٣٢٥١)، و«الترمذي» (١٥٣٥) من حديث ابن عمر، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٤٥٨).
(٣) والشرك الأصغر على نوعين: النوع الأول: الشرك الظاهر: وهو ما يقع في الأقوال والأفعال، فشرك الألفاظ كالحلف بغير الله تعالى فقد سمع ابنُ عُمر رجلًا يحلفُ: لا والكعبة، فقال له ابنُ عمر: إني سمعتُ رسولَ الله هـ يقول: «مَنْ حلَفَ بغيرِ الله فقد أشركَ»، وشرك الأفعال كلبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، فمن اعتقد أن هذه أسباب لرفع البلاءِ ودفعه فهو شرك أصغر، وأما إن اعتقد أنها تدفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر. النوع الثاني: الشرك الخفي: هو الشرك في النيات والمقاصد والإرادات، كالرياءِ والسمعة كمن يعمل عملًا مما يتقرب به إلى الله فيُحسن عمله من صلاةٍ أو قراءةٍ لأجل أن يمدح ويثنى عليه.
[ ٥٩ ]
فيه العلماء، فمنهم من جعله تحت المشيئة، ومنهم من قال لا يغفر إلا بتوبة.
٢ - أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.
٣ - أن الشرك الأكبر مخرج لصاحبه من ملة الإسلام، وأما الأصغر فلا يخرجه منها.
٤ - أن الشرك الأكبر صاحبه خالد في النار ومحرمة عليه الجنة، وأما الأصغر فكغيره من الذنوب.
واعلم أن الوعيد على الشرك يشمل النوعين، وإنما كان الشرك أعظم أمر نهى الله عنه؛ لأن فيه هضما لربوبية الله وتنقصا لألوهيته، ولأن فيه تسوية للخالق بالمخلوق.
* فإن قيل: ما الدليل على أن أعظم الأوامر التوحيد، وأعظم النواهي الشرك؟
= دل على ذلك نصوص عديدة.
منها: أن الله حين أوصى العباد بالوصايا العشر ابتدأها بالتوحيد والتحذير من الشرك فقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (الأنعام: ١٥١).
وأيضًا فإن الله ذكر أن الشرك هو محبط الأعمال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥).
ومنها أن الله حين ذكر الشرك بيّن أنه لا يغفر، فدل على عظمه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ١١٦)، وذكر أنه أعظم الظلم فقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣).
[ ٦٠ ]
قال السعدي: «فكان أعظم مقامات دعوته ﷺ دعوته إلى التوحيد الخالص والنهي عن ضده، دعا الناس لهذا، وقرره الله في كتابه، وصرفه بطرق كثيرة واضحة تبين وجوب التوحيد وحُسنه، وتعينه طريقًا إلى الله وإلى دار كرامته، وقرر إبطال الشرك والمذاهب الضارة بطرق كثيرة احتوى عليها القرآن، وهي أغلب السور المكية» (^١).
وقال الشيخ حافظ الحكمي في منظومته (^٢):
أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ … مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ بِالتَّوْحِيدِ
إِذْ هُوَ مِنْ كُلِ الْأَوَامِرِ أَعْظَمُ … وَهْوَ نَوْعَانِ أَيَا مَنْ يَفْهَمُ
إذا علمت هذا فالواجب عليك يا طالب العلم أن تعنى غاية العناية بالدعوة إلى توحيد الله، ونبذ الشرك كبيره وصغيره، فالأرض في زماننا قد كثر فيها الإشراك، والداعية إلى الله هو الطبيب الذي يداوي هؤلاء المرضى، واعلم أن هدي النبي ﷺ الأمر بالتوحيد، والبداءة به قبل كل شيء، فلم يقل إن دعوتي للتوحيد ستهيج الناس علي، وتجعلهم يعرضون عني، بل ابتدأ به، فصارت المفاصلة بينه وبين قومه، وكذا إبراهيم ﵈، فإن الله تعالى قال عنه في القرآن: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة: ٤).
وإذا علمت أن الدعوة للتوحيد هي طريق الأنبياء، فاعلم أن من سلك طريقهم فلربما ناله بعض ما نالهم من أذى، فليستعد لذلك، فالأنبياء نالهم من الأذى في سبيل ذلك الكثير، قال ابن القيم: «وَالطَّرِيق طَرِيق تَعب فِيهِ آدم
_________________
(١) انظر: «تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن» للسعدي (ص ٢٩٢).
(٢) انظر: «سلم الوصول إلى علم الأصول» (ص ٣).
[ ٦١ ]
وناح لأَجله نوح وَرمي فِي النَّار الْخَلِيل وأضجع للذبح إِسْمَاعِيل وَبيع يُوسُف بِثمن بخس ولبث فِي السجْن بضع سِنِين وَنشر بِالْمِنْشَارِ زَكَرِيَّا وَذبح السَّيِّد الحصور يحيى وقاسى الضّر أَيُّوب وَزَاد على الْمِقْدَار بكاء دَاوُد وَسَار مَعَ الْوَحْش عِيسَى وعالج الْفقر وأنواع الْأَذَى مُحَمَّد ﷺ» (^١).
الأمر الخامس: قد يتبادر سؤال، وهو إذا عرفنا أن التوحيد يشمل أنواعًا ثلاثة فهنا ذكر المصنف إفراد الله بالعبادة، فلِمَ لم يذكر إلا توحيد الألوهية؟ وكذا في الشرك؟!
والجواب: أن المصنف ﵀ لا يخفى عليه أن التوحيد يشمل الأنواع الثلاثة، وإنما نبه على واحد؛ لأن الاختلاف قد وقع عليه، وهو توحيد الألوهية، ولذلك قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦)، فدعوة الأنبياء ودعوة الرسل غالبها يدور على توحيد الألوهية.
* أما توحيد الربوبية فكثير من الناس، حتى كفار قريش يؤمنون به ويصدقون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (الزخرف: ٨٧)، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (المؤمنون: ٨٤ - ٨٥)، إنما الإشكال والخلل وقع في توحيد الألوهية فنبه الشيخ على ذلك، وهذا من باب ذكر بعض أفراد العام، وإلا فالتوحيد يشمل توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، كلها داخلة في توحيد الله ﷾.
* خلاصة الكلام: أن الحنيفية هي أن تعبد الله ﷿ مخلصًا له وموحدًا، ولا تقع في شيء من الشرك.
_________________
(١) انظر: «الفوائد» لابن القيم (ص: ٤٢).
[ ٦٢ ]