شرع في ذكر الأصل الثاني الذي يُسأل عنه العبد في قبره، وهو معرفة دين الإسلام، ولا شك أن مما يجب على الإنسان أن يعرف: ما هو دينه، حتى يعبد الله على بصيرة، وديننا هو الإسلام.
* والإسلام له إطلاقان:
١) إطلاق عام. ٢) وإطلاق خاص.
• فأما الإطلاق العام للإسلام فهو: الاستسلام لله بالتوحيد، قال ابن القيم مبينًا المراد بالإسلام: «والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاءَ به» (^١).
ويتحقق هذا بأمور ثلاثة:
١ - تمام الاستسلام لله بالتوحيد: وذلك يكون في الباطن والظاهر، أي بالقلب والجوارح، بأن يوحد الله في كل عباداته، ولا يقع في شيء من الشرك.
٢ - الانقياد لله بالطاعة: فتطيعه في فعل الأوامر، وترك النواهي.
٣ - البراءة من الشرك وأهله: فمقتضى الإسلام أن تتبرأ من الشرك، ومن أهل الشرك، فهما أمران لا بد منهما: أن تتبرأ من الشرك نفسه، وأن تتبرأ من أهل الشرك، فتبغضهم، وتعاديهم من قلبك، ولا يكون في قلبك مودة لهم.
_________________
(١) انظر: «طريق الهجرتين» (ص: ٤١١).
[ ١١٨ ]
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «وأنت يا مَنْ منّ اللهُ عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلا الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئا، لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل لا بد من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم، والذين معه: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦]
ولو قال رجل: أنا أتَّبِعُ النبي ﷺ وهو على الحق، لكن لا أتعرض لِلّات والعزى، ولا أتعرض لأبي جهل وأمثاله، ما عليَّ منهم؟ لم يصح إسلامه» (^١).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «فلا يتم لأهل التوحيد توحيدهم، إلا باعتزال أهل الشرك، وعداوتهم وتكفيرهم؛ فهم معتزلة بهذا الاعتبار؛ لأنهم اعتزلوا أهل الشرك، كما اعتزلهم الخليل إبراهيم ﷺ» (^٢).
وقد أنزل الله في القرآن سورة سماها بعض العلماء سورة البراءة من الشرك، وهي سورة الكافرون، حيث يعلن فيها المسلم المفاصلة بينه وبين المشركين، حين يقول: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا
_________________
(١) انظر: «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (٢/ ١٠٩).
(٢) انظر: «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (١١/ ٤٣٤).
[ ١١٩ ]
أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (الكافرون: ١ - ٦).
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «أصل الإسلام وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه.
الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتلفظ في ذلك والمعادة فيه وتكفير من فعله» (^١).
إذا تقرر هذا فاعلم أن الإسلام بهذا المعنى يدخل ضمنه كل شرائع الأمم السابقة والأنبياء السابقين؛ لأنها استسلام لله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، فالأنبياء السابقون مسلمون بهذا المعنى، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (الزمر: ٥٤)، بالمعنى العام (^٢).
وبهذا المعنى فيصح أن يسمى من اتبع موسى; أثناء دعوته من اليهود مسلمًا، وأما بعد بعثة محمد ﷺ فلا إسلام إلا باتباع دعوته.
• وأما الإسلام بالمعنى الخاص: فالمراد به إتباع دين محمد ﷺ.
_________________
(١) انظر: «تنبيه ذوي الألباب السليمة عن الوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة» للشيخ سليمان بن سحمان (ص: ٧١).
(٢) انظر: التدمرية» (ص: ١٧٢).
[ ١٢٠ ]