* هذه المسألة الأولى التي ذكرها المؤلف ﵀، والكلام عليها في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: قد بين المؤلف ﵀ في هذه المسألة الحكمة والمقصد من خلق الله عزو جل للناس، وبين فيها طريق تحقيق هذا المقصد.
فأما الحكمة والمقصد والغاية التي أوجد الله ﷿ لأجلها العباد، فهي أنه أوجدهم لكي يعبدوه سبحانه، فالله ما خلق الخلق عبثًا، ولم يوجدهم سدىً، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٥) كلا، بل حاشا الله سبحانه أنه يصنع شيئًا لغير حكمة، وإنما أوجدهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، ولأجل هذه الحكمة خلق الأرض، والجبال، وسخر الأشياء لابن آدم، ليتفرغ هو لعبادة ربه سبحانه، ولأجل هذا تأتي في القرآن آيات عديدة فيها أن الله خلق الأشياء، وذرأها، وسواها، وسخرها، لبني آدم، أما ابن آدم فما خلق إلا لشيء واحد، وأمر عظيم، ومقصد شريف، وهو أن يتعبد لله سبحانه.
وإذا عرفت أن هذا المقصد -وهو عبادة الله تعالى- فما هو الطريق لتحقيق هذا المقصد وهذه الغاية؟
الطريق لتحقيق العبادة: هو أن تتبع الرسول ﷺ في أوامره، وتجتنب نواهيه، فهو الطريق الذي به نعرف أحكام ربنا، ونتعبد لربنا على بصيرة كما
[ ٤٢ ]
أراد سبحانه، والرسل إنما كانت مهمتهم توضيح الطريق للعباد، كي يتعبدوا لرب العباد، فلا طريق إلى الوصول إلى الله وإلى تحقيق دين الله، إلا بأن تتبع محمدًا ﷺ وأن تعلم أن من عصاه دخل النار، ومن أطاعه دخل الجنة.
وهذه الحكمة، وهذا المقصد تتابع الرسل على الأمر به وتبيينه للناس، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦).
المسألة الثانية: استدل المصنف على هذه المسألة بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ (المزمل: ١٥ - ١٦).
وقوله: (وبيلًا): أي شديدًا مهلكًا، وذلك لأن الله أغرق فرعون وجنوده في البحر حينما كفروا بموسى الذي أرسله الله لهم رسولًا، وفي هذا تحذير لأهل مكة وغيرهم، أن عاقبة معارضي الأنبياء، والذين يقفون في وجه دعوتهم، أن الله يهلكهم في الدنيا، وفي الآخرة مآلهم إلى النار، كما فعل بفرعون وقومه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: ٤٦). نسأل الله السلامة والعافية.
ولأجل هذا فالواجب تجاه الأنبياءِ اتّباعهم، وعبادة الله على مقتضى ما بينه الأنبياء، ومآل من فعل ذلك الجنة بإذن الله ﷿ وبرحمته وفضله.
المسألة الثالثة: ذكر المؤلف في هذه المسألة ما يتعلق بالربوبية، وبالألوهية، حيث قال في الربوبية: أن الله خلقنا ورزقنا، فإفراد الله بالخلق والرزق هو توحيد الربوبية، وهو أمر لم يخالف فيه الناس، ولأجل هذا لم يعرج عليه، فلم يقل: فمن اعتقد أنه لا خالق ولا رازق إلا هو دخل النار، وإنما قال: فمن أطاعه …، وهذه هي المحك، وهي ما يتعلق بالألوهية.
[ ٤٣ ]