* هذه هي المسألة الثالثة، والكلام عليها في أربع مسائل:
الأولى: معنى هذه المسألة: أن من تمام تحقيق الدين أن توالي وتعادي في الله ﷾، فالإسلام يتم بأن تتعبد لله وتوحده، وأن توالي المسلمين وتعادي الكفار، ولأجل ذلك فإن تعريف الإسلام: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (الممتحنة: ٤)، فالدين فيه أن تعبد، وفيه موالاة ومعاداة.
الثانية: الموالاة أصلها من الولاية، والولاية: هي المحبة، فالمسلم يحب كل مسلم، ويواليه بقدر ما عنده من الدين، وهذا من الوسائل التي تنال بها السعادة، قال النبي ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: …، وذكر منها: وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ» (^١).
وأيضًا أن تعادي في الله، فتبغض الكفار وتبغض ما هم عليه من الكفر
_________________
(١) أخرجه «البخاري» (١٦)، و«مسلم» (٤٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٤٩ ]
وينطوي قلبك على بغضهم؛ لأنهم يبغضون دينك، ولم يطيعوا نبيك ﷺ، ولم يعبدوا ربك ﷿، فلا يجوز أن يكون في قلبك حب لهم لما هم عليه من كفر وشرك.
الثالثة: اعلم أن الموالاة للكفار قد تكون مخرجة من الدين، وقد تكون محرمة، فهي تنقسم إلى قسمين:
١) موالاةٌ كبرى، وهي ما تسمى بكفر التولي.
٢) موالاة صغرى.
النوع الأول: الموالاة الكبرى وهي ما تسمى بكفر التولي، أو الموالاة المطلقة أو مظاهرة المشركين، وهي مخرجةٌ من الملة: وهذا النوع دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وهذه الموالاة تقع بعدة أمور:
أولًا: محبة الكفار والمشركين لأجل دينهم.
ثانيًا: الرضا بكفرهم.
ثالثًا: عدم تكفيرهم سواء كانوا من اليهود أو النصارى أو المجوس أو غيرهم من الطوائف.
رابعًا: تصحيح مذهبهم.
خامسًا: الشك في كفرهم.
سادسًا: مدح دينهم.
وربما صحب ذلك بغض المسلمين، والسعي لأن يقصم ظهر الإسلام، وأن يتغلب الكفر على الإسلام فهذا لا يجوز، وهو مخرج من الدين، ويدل على كونه كفرًا عدة أدلة، منها:
١ - قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: ٥١).
[ ٥٠ ]
٢ - أن الله عدّ الولاء للكفار من صفات المنافقين فقال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ …﴾ (المائدة: ٥٢).
٣ - أن الله عدّ الموالاة للكفار لا تجتمع مع الإيمان فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (المائدة: ٨١).
٤ - أن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ حين وقع له ما وقع قال للنبي ﷺ: «وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ» (^١)، فدل على أنه قد يكون الفعل هذا كفرًا بما يحتف به.
النوع الثاني: الموالاة الصغرى، وهي صغرى باعتبار الأولى، وإلا فهي في نفسها من أكبر الكبائر، وهي محرمة غير مخرجة من الدين إذا توافر فيها أمران:
١ - إذا كانت لأجل أمر دنيوي، مثل أن تكون لأجل شيء من تعامله، أو سياسته، أو غير ذلك من الأشياء.
٢ - أن لا يترتب عليها نصرتهم على شركهم وكفرهم.
فبهذين القيدين تكون المحبة للكافر محرمة، لكنها لا تُخِرجُ من الدين.
والدليل على أنها ليست بكفر: قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (الممتحنة: ١)، فذكر في أول الآية أنهم مؤمنون، وناداهم بالمؤمنين، ونهاهم أن يقعوا في مثل هذا الأمر.
وقصة حاطب ابن أبي بلتعة ﵁، التي وقعت في فتح مكة حينما أرسل إلى قوم من المشركين يخبرهم باستعداد النبي ﷺ لغزو مكة، كان ذلك منه ليس لأجل أنه يوافقهم على كفرهم، ولذلك قال يا رسول الله: والله ما حملني
_________________
(١) أخرجه «البخاري» (٣٩٨٣)، و«مسلم» (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
[ ٥١ ]
على هذا محبة الشرك وكراهة الإسلام، ولكن ما من أحد من أصحابك إلا وله يد يحمي بها ماله وليس لي يدٌ أحمي بها مالي، فأردت أن يكون لي بذلك يدٌ أحمي بها مالي، فقال النبي ﷺ: «صَدَقَ وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا» (^١)، وذلك لأنه قد شهد بدرا، وأما فعله فكان لا يجوز كما دلت عليه النصوص.
الرابعة: استدل المصنف على هذه المسألة بقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة: ٢٢). قال ابن الجوزي: «وهذه الآية قد بينت أن مودة الكفار تقدح في صحة الإيمان وأن من كان مؤمنا لم يوال كافرًا، وإن كان أباه أو ابنه أو أحدًا من عشيرته» (^٢).
فالمؤمنون لا يوادون من حاد الله، وإنما لا يوادون إلا المؤمنين ويعادون الكفار والمشركين، هذه صفات المؤمنين، ولو كان هذا الكافر قريبًا من أقاربهم لو كان أخًا أو ابنًا أو زوجًا أو عمًا، فإن قلبه ينطوي على بغض هذا الكافر لما هو عليه من الكفر. ولذلك كان الإمام أحمد يقول: «لا أطيق أن أنظر إلى نصراني كيف أنظر إليه وهو يقول إن الله ثالث ثلاثة …؟»، فما بالك بمن يحبهم ويواليهم ويخالطهم ويمازحهم وليس في قصده دعوتهم للإسلام، وإنما حبه لهم، نسأل الله السلامة والعافية.
_________________
(١) أخرجه «البخاري» (٣٩٨٣)، و«مسلم» (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) انظر: «زاد المسير» (٨/ ١٩٩).
[ ٥٢ ]