هذه المسألة الثانية التي ذكرها المصنف، والمراد بها: أنك إذا عرفت أن الله خلقك للعبادة، فطريق تحقيقك لعبادة الله هو أن توحده سبحانه وتفرده بالعبادة، فتجعل قصدك ووجهتك في أعمالك وعباداتك وجه الله ﷿، ولا تشرك معه أحدًا، ولو كان ملكًا، وليس أي ملك، وإنما ملكٌ مقربٌ، كجبريل، وحتى ولو كان نبيًا رسولًا، جمع بين النبوة والرسالة، وإذا عرفت أنه حتى هؤلاء لا يشركون مع الله في العبادة، فغيرهم من باب أولى.
* وحقيقة العبادة:
لغة: «مأخوذة من التذلل والخضوع، والعِبَادَةُ: بالكسر الطَّاعةُ، وقال بعضُ أَئِمَّةِ الاشتقاق أَصْلُ العُبُودِيّةِ الذُّلُّ والخُضُوعُ» (^١)، يقال: طريق مُعَبّد: أي مذلّل، أي وَطَّأَتْهُ الأقدام وذَلَّلَتْهُ بكثرة المشي عليه.
قال القرطبي: «سميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى» (^٢).
وأما في الاصطلاح فلها نظران:
١) العبادة بمعنى التَّعَبُّد وهي فعل العابد: تفسر بالتذلل والخضوع لله
_________________
(١) انظر: «تاج العروس» (٨/ ٣٣٠).
(٢) انظر: «المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم» لأبي العباس القرطبي (١/ ٩٦).
[ ٤٤ ]
بفعل الأوامر وترك النواهي، يقال: هذا مُتَعَبِّدٌ لله أي أنه متذلل لله تعالى بالخضوع والذل، وقال ابن عثيمين في تعريفها: «هي التذلل لله محبة وتعظيمًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه» (^١)، وعرفها ابن القيم في نونيته فقال:
وعبادة الرحمن غاية حبه … مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر … ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله … لا بالهوى والنفس والشيطان
٢) العبادة بمعنى المُتَعَبَّدُ به من صلاة وصيام وغير ذلك من أنواع العبادة، وهذا ما يصدق عليه تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأنها: «اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة» (^٢)، قال الشيخ الحكمي ﵀:
ثُمَّ الْعِبَادَةُ هِيَ اسْمٌ جَامِعُ … لِكُلِ مَا يَرْضى الْإِلَهُ السَّامِعُ
* وتنقسم العبادات إلى:
١ عبادات محضة: وهي كل فعل لا يعلم إلا من الشارع.
٢ عبادات غير محضة: وهي الأفعال والأقوال التي ليست عبادات من أصل مشروعيتها، ولكنها تتحول بالنية الصالحة إلى عبادات (^٣).
* وللعبادة شرطان:
١) الإخلاص: فإن الله لا يقبل من العمل إلا الخالص لوجهه ﷿،
_________________
(١) انظر: «شرح الأصول الثلاثة» (ص ٣٧).
(٢) انظر: «العبودية» (ص ٤٤).
(٣) انظر: «الفتاوى الكبرى» لابن تيمية (٥/ ١٥٤).
[ ٤٥ ]
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: ٥)، وقَال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر: ٣).
٢) المتابعة للرسول ﷺ: فإن الله لا يقبل من العمل إلا الموافق لهدي الرسول ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، وقَال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥).
* وللعبادة ركنان:
الأول: كمال الخضوع والذل، والمراد أن يستكين العبد لله ويخضع ويذل وينقاد له، كلما سمع أمرًا أو نهيًا انقاد سمعًا وطاعةً
الثاني: كمال المحبة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، قال ابن تيمية: «والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم، فإن كلا من هذين ليس عبادة محضة» (^١).
* والعبادة نوعان:
١) عبادة كونية: وتسمى عبودية الربوبية، وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني وهذه عامة وشاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد، لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فهي شاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاجر.
_________________
(١) انظر: «قاعدة في المحبة» (ص ٩٨).
[ ٤٦ ]
٢) عبادة شرعية: وتسمّى عبادة الطاعة والامتثال، وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى، واتبّع ما جاءت به الرسل، مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
* والعبادة بحسب ما تقوم به من الأعضاء على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عبادات اعتقادية: كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة والخشية والرهبة والتوكل ونحو ذلك.
القسم الثاني: عبادات لفظية: كالحمد والتهليل والتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن والدعاء ونحو ذلك.
القسم الثالث: عبادات بدنية: كالصلاة والصيام والزكاة والحج والصدقة والجهاد، ونحو ذلك (^١).
بعد هذا أقول: الواجب أن تحقق العبادة لله ﷾؛ وذلك: لأن الله هو المستحق وحده للعبادة، وما سواه من الناس ومن الخلق، فهم مخلوقات له، فالشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب كلها تسجد لله، وتذل له، وتسبح له، فكيف تشرك مع الله ﷿ أحدا؟! كيف تدعو مع الله ﷿ غيره؟!، فالعبادة لا تسمى عبادة إلا إذا اقترنت بالتوحيد لله تعالى، قال المجدد ﵀ في قواعده الأربع: «فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة».
وجماع القول: أن تعلم أن العبادة لا تصح حتى توحّد الله، وبدون
_________________
(١) قال ابن القيم: «وَرَحَى الْعُبُودِيَّةِ تَدُورُ عَلَى خَمْسَ عَشْرَةَ قَاعِدَةً، مَنْ كَمَّلَهَا كَمَّلَ مَرَاتِبَ الْعُبُودِيَّةِ، وَبَيَانُهَا أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى الْقَلْبِ، وَاللِّسَانِ، وَالْجَوَارِحِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهَا عُبُودِيَّةٌ تَخُصُّهُ»، ثم ذكرها فراجع كلامه إن شئت، انظر: «مدارج السالكين» (١/ ١٢٩).
[ ٤٧ ]
التوحيد تكون العبادة لاغية، وعبادة الإنسان المشرك لا اعتبار لها؛ لأن شرط قبول العمل أن يوحّد العبدُ قصدَه ويخلصَ عمله لله ﷾.
ثم استدل على ذلك: بقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨).
وقوله: (أحدًا): نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، أي أنه لا يدعى مع الله أحدٌ أيًا كان، ملكًا، أو نبيًا، أو جبلًا، أو حجرًا، أو رجلًا صالحًا، أو غير ذلك لا تدعو مع الله أحدًا.
* والدعاء عند أهل العلم نوعان:
١) دعاء المسألة. ٢) دعاء العبادة.
ويأتي الكلام عليهما عند ذكر عبادة الدعاء.
وخلاصة المسألة: أن تعلم أن العبادة لا تعتبر صحيحة، حتى تخلصها لله، ولا تشرك معه سبحانه غيره، ولو كان أفضل الخلق.
[ ٤٨ ]