وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ: كما في الحديث: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ».
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: ١٧٧).
ودليل القدر: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩».
* بعدما انتهى الحديث عن المرتبة الأولى من مراتب الدين أشار المؤلف للمرتبة الثانية، وهي الإيمان، والكلام عنها في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الإيمان.
الإيمانُ في اللغة: التصديقُ الجازم.
وشرعًا: هو اعتقاد وقول وعمل.
اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.
ولابد من هذه الثلاث، فلا يكفي في الإيمان أن يعتقد بقلبه ولا ينطق بلسانه، ولا يكفي في الإيمان أن يعتقد بقلبه وينطق بلسانه ولا يعمل، بل لابد من الثلاثة.
وبعضهم عرّفه فقال هو: اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وهذا بمعنى الأول.
[ ١٣٦ ]
المسألة الثانية: تكلم العلماء عن الفرق بين الإيمان والإسلام.
* وخلاصة كلامهم أن يقال:
١ - الصواب أن الإيمان يختلف عن الإسلام، وأنهما ليسا بمعنى واحد، وأن الإيمان أرفع من الإسلام (^١).
بدلالة: قول الله ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤).
وبدلالة: ما ورد في قصة قوم لوط قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (الذاريات: ٣٥ - ٣٦)، والتفريق هنا لبيت لوط ﵈، فهو بيت مسلم، حتى زوجته كانت مسلمة، لكنها لم تكن من المؤمنين؛ لأنها خانت، وليست خيانتها خيانة فاحشة، فإنه لم تخن زوجة نبي زوجها في هذا الأمر، وإنما كانت خيانتها بإخبارها لقومها بوجود الملائكة، فكانت من المهلكين والله ﷿ أنجى المؤمنين فقط، فدل على أن الإيمان أرفع من الإسلام.
٢ - الإيمان والإسلام إذا اجتمعا في موضع واحد، فَذُكِرَ الإيمانُ والإسلامُ، فإن الإسلام يكون للأعمال الظاهرة، والإيمان يكون للأعمال الباطنة كما هنا، فالإيمان ذكر النبي ﷺ فيه أعمالًا قلبية باطنة، بخلاف الإسلام، وفي الآية: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، وأما الإسلام فيكون للأعمال الظاهرة.
_________________
(١) وقال بهذا جمهور أهل السنة، وفي المسألة الأولى قولان آخران: الأول: أن الإسلام والإيمان شيء واحد ولا فرق بينهما، وقال به البخاري، ومحمد بن نصر المروزي وعزاه للجمهور. القول الثاني: أن الإسلام والإيمان متغايران سواء اجتمعا أو تفرقا، وبه قال الزهري.
[ ١٣٧ ]
أما إذا افترقا فإنه قد يطلق الإيمان على الإسلام، والإسلام على الإيمان، وقد ثبت في الصحيح في حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال: «آمركم بالإيمان بالله، قالوا: وما الإيمان؟ قال: أن تشهدوا ألا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم» (^١)، فذكر لهم في الإيمان خصال الإسلام، فدل على أنهما إذا افترقا فمعناهما واحد.
المسألة الثالثة: الإيمان له أركان ستة ذكرها المؤلف ﵀ هنا:
الركن الأول: أن تؤمن بالله: ويدخل في ذلك:
١. الإيمان بوجود الله ﷿.
٢. الإيمان بألوهية الله: بأن تؤمن أنه سبحانه هو الإله المستحق للعبادة لا سواه.
٣. وتؤمن بربوبيته: بأن تؤمن أنه ﷿ هو الرب وحده لا شريك له.
٤. وتؤمن بأسمائه وصفاته: فتسميه بما سمى الله به نفسه، وتصفه بما وصف به نفسه، من غير تشبيه له بخلقه، ولا تعطيل للصفة، ولا تكييف لها.
الركن الثاني: الإيمان بملائكة الله.
والملائكة: هم خلق من خلق الله ﷿، خلقهم لعبادته، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
والإيمان بهم يكون على وجهين:
١ - على سبيل الإجمال: بأن تؤمن أنهم ملائكة خلقهم الله ﷿؛ لحكمة، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم.
_________________
(١) أخرجه «البخاري» (٨٧).
[ ١٣٨ ]
٢ - على سبيل التفصيل: وينتظم ذلك معاني:
١/ أن تصدق بوجودهم.
٢/ أن تعتقد أنهم عباد الله وخلقه، لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله تعالى عليه، والموت عليهم جائز، ولكن الله تعالى جعل لهم أمدًا بعيدًا، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى، ولا يتوجه لهم بشيء من العبادات.
٣/ أن تؤمن بما ثبت من أسمائهم، مما صح في النصوص.
٤/ أن تؤمن بما ثبت من أعمالهم، وبما ورد من أوصافهم، وقد ورد في النصوص جملة من ذلك، فمنهم حملة العرش، ومنهم الصافون، ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال، ومنهم الذين يسوقون السحاب، ومنهم الذين يبحثون عن مجالس الذكر ويتنادون لها (^١).
* ثمرة الإيمان بالملائكة: الإيمان بالملائكة يقوي الإيمان، ويورث في القلب تعظيم الله، فإذا تأمل الإنسان أن هؤلاء الملائكة على عظم خلقهم، هم ممتثلون لله، فإن هذا يدله على عظمة الله، فأي نفسٍ تسمع عن عظم خلق الملائكة، كما في حديث جابر ﵁ مرفوعًا: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (^٢)، وحديث عائشة ﵂ أنه ﷺ قال عن جبريل: «رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» (^٣)، أي نفس تسمع هذا ولا تزداد تعظيمًا لله القوي الذي خلق الملائكة، وهم لهم خاضعون.
_________________
(١) انظر: «شعب الإيمان» للبيهقي (١/ ٢٩٦) بتصرف.
(٢) أخرجه «أبو داود» (٤٧٢٧)، والطبراني في «الأوسط» (٤/ ٣٥٦)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٨٥٦).
(٣) أخرجه «مسلم» (١٧٧).
[ ١٣٩ ]
الثالث: أن تؤمن بكتبه: والكتب: هي الكتب التي أنزلها الله على الأمم بواسطة الرسل.
* والإيمان بالكتب يكون على وجهين:
مجمل: بأن تؤمن بأن لله كتبًا أنزلها على رسله، وأنها حق، ولا تنكرها.
ومفصّل: ينتظمه عدة أمور:
١. الإيمان بأنها من عند الله، أنزل لكل أمة ما يناسبها، وما فيه استقامة أمورها، وتصدق بما بقي منها مما لم يحرف.
٢. أن تؤمن بأنها -ولا سيما القرآن- من عند الله ﵎، وليس من وضع محمد ﷺ، ولا من وضع جبريل ﵈.
وأنه معجز لا يستطيع الناس كلهم أن يأتوا بحرف من مثله.
٣. أن تؤمن بأن القرآن مهيمن عليها، فتصدق بأخباره، وتعمل بما لم ينسخ من أحكامه (^١).
الرابع: الإيمان بالرسل.
والرسل: جمع رسول، والرسول: هو من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه
والإيمان بالرسل يكون في أمرين:
١. الإيمان بالرسل عمومًا: بأن تؤمن بأن الله أرسل رسلًا لعباده يأمرون الناس بعبادته وحده، وينهون عن الإشراك به، ويبشرون من أطاعهم بالجنة، ويحذرون من عصاهم النار، وتصدق بنبوتهم، فهم صادقون مصدقون.
٢. الإيمان بمحمد ﷺ خصوصًا: بأن تؤمن أنه خاتم الأنبياء، وتعمل
_________________
(١) انظر: «شعب الإيمان» للبيهقي (١/ ٣٢٨).
[ ١٤٠ ]
بشريعته، إذ هو المرسل إلينا، ولا نبي بعده، فرسالته نسخت الرسالات قبلها، قال ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (^١).
الخامس: الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة، وسمي آخرًا: لأنه لا يوم بعده.
ويدخل في الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما يكون في يوم القيامة من البعث والحساب، والجزاء والجنة والنار، وكل ما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه وسؤال الملكين، والصراط والميزان وغير ذلك، فالإيمان باليوم الآخر أن تصدق بكل هذا، وتعتقد وقوعه؛ لأن الذي أخبر به هو محمد ﷺ، وهو الصادق المصدوق (^٢).
السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره
والقدر هو: تقدير الله ﷿ للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته سبحانه.
فالتقدير الذي يقع للكائنات وللخلق عمومًا هو من قدر الله وقضائه، والمؤمن يجب عليه أن يؤمن بالقدر خيره وشره، ويعتقد تجاه ما يقع على العباد أربعة أمور:
أولًا: أن الله سبحانه علمه جملةً وتفصيلًا.
قال الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى
_________________
(١) أخرجه «مسلم» (١٥٣).
(٢) انظر: «العقيدة الواسطية» لابن تيمية (ص: ٩٥).
[ ١٤١ ]
ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: ٧).
وثانيًا: أن تعتقد أن الله قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩)، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ (القمر: ٥٢ - ٥٣).
وثالثًا: أن تعتقد أنه ما يحدث في الكون من شيء، إلا وهو بمشيئة الله سبحانه.
ورابعًا: أن تعتقد أن جميع المخلوقات قد خلقها الله تعالى، وخلق أعمالها: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الزمر: ٦٢).
وهذه المراتب الأربع هي مراتب الإيمان بالقدر.
والمراد: أن هذه الأركان الستة هي أركان الإيمان، كما ورد في حديث جبريل الآتي
* فإن قيل: قد ورد في الحديث أن النبي ﷺ ذكر خصال الإيمان وشعبه فقال: «الإيمان بضع وسبعون شعبه»، وهنا ذكر الأركان الستة، فكيف نجمع بينهما؟.
= الجواب أن يقال: الإيمان من ناحية الاعتقاد ستة أركان، وأما من ناحية العمل وأنواعه فإنه كما ورد في الحديث: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً» (^١).
المسألة الرابعة: ورد في الحديث شعب الإيمان، فما المراد بشعبه، وما عددها؟
- أما عددها: فقد ورد الحديث على وجهين: (بضع وستون) (بضع
_________________
(١) أخرجه «مسلم» (٣٥).
[ ١٤٢ ]
وسبعون) فعند البخاري «بِضْعٌ وَسِتُّونَ» (^١) وعند مسلم بالشك: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ -» (^٢) والبضع هو (من ٣ إلى ٩).
- وأما الشعب: فجمع شعبة، وهي الطائفة والقطعة من الشيء، وشعب الإيمان خصاله، وقد اجتهد بعض العلماء وحاول عدّ شعب الإيمان، ومنهم الحليمي، وابن حبان، فذكروا جملة من الأعمال التي ورد فيها أنها من الإيمان، سواء كانت قولية أو قلبية أو بدنية، وهذا اجتهاد ولكن كما قال ابن رجب: «وفي القطع علمًا أن ذلك هو مراد الرسول ﵈ من هذه الخصال عسر» (^٣).
* وقد ذكر النبي ﷺ من شعب الإيمان ثلاثًا:
- أرفعها: وهي كلمة لا إله إلا الله.
- وأدناها: وهي إماطة الأذى عن الطريق.
- وثالثة عدها من شعب الإيمان: وهي الحياء.
والحياء كله خير، ولا يأتي إلا بخير، وهو من الإيمان كما ثبت في الأحاديث، فقد رأى النبي ﷺ رجلًا يعظ أخاه في الحياء، فقال: «دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ» (^٤).
ووجه كون الحياء من الإيمان: أنه خلق يحمل المرء على فعل ما يزين، ويمنعه من فعل ما يدنس ويشين.
_________________
(١) أخرجه «البخاري» (٩).
(٢) أخرجه «مسلم» (٣٥).
(٣) انظر: «فتح الباري» لابن رجب (١/ ٣٣).
(٤) أخرجه «البخاري» (٢٤)، و«مسلم» (٣٦).
[ ١٤٣ ]