المسألة الأولى التي يجب على الإنسان تعلمها هي العلم، والكلام عليها في خمسة مسائل:
١/ تعريف العلم: العلم هو معرفة الحق والهدى بالدليل، قال ابن القيم:
الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ الهُدَى بِدَلِيْلِهِ … مَا ذَاكَ وَالتَّقْلِيْدُ يَسْتَوِيَانِ (^١)
وإذا أطلق العلم فإن المراد به العلم الشرعي، واعلم أن أول واجب على الإنسان أن يتعلم أحكام دينه فكان لزامًا على المسلم أن يتعلم ليتعبد لربه ﷾ على بصيرة، فلا يصح إسلام وتعبّدٌ حتى تتعلم التوحيد لله؛ لتعبده بلا إشراك وبعد هذا يتعلم بقية الشرائع والواجبات.
٢/ العلماء يذكرون أن أول واجب على المكلفين هو: أن يتعلم توحيد الله تعالى، وهذا يكون بمعرفة معنى لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يصح أن يقلد في اعتقاده فيقول: أنا أعتقد كما يعتقد فلان، بل يجب عليه أن يعرف ماذا يعتقد في دينه.
ولكن ذهب الجماهير من أهل العلم إلى جواز التقليد في العقائد لمن لا يعرف، ونُقِلَ عن الأئمة الأربعة، ونسبه شيخ الإسلام ﵀ إلى جمهور الأمة، قال ﵀: «أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على
_________________
(١) انظر: «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية».
[ ٢٥ ]
تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يكلف العلم بها؟ (^١).
وهذا هو الأقرب، أنه يجوز التقليد في العقائد للعامي الذي لا يستطيع النظر والاستدلال، كما أنه يجوز له التقليد في الأحكام ولا فرق، وقد كان الصحابة يسلمون، فكان النبي ﷺ يكتفي منهم بالنطق بالشهادتين، وأما من يستطيع الاستدلال فلا يجوز له التقليد في العقائد أو الأحكام (^٢).
٣/ العلم نوعان:
أ. نوع تعلّمه فرض على الكفاية.
ب. ونوع تعلمه فرض عين.
* أما العلم الذي تعلمه فرض على الكفاية، فهو علوم الوسائل كعلم الفرائض وعلم اللغة وعلم المصطلح وعلم أصول الفقه وعلم أبواب من أبواب الفقه، وقد لا يحتاجها كل الناس كالبيوع والنكاح والقضاء والطلاق ونحو ذلك من الأبواب، فهذه من العلوم التي هي فرض على الكفاية، إذا وجد من يعرفها أسقط الوجوب عن البقية.
* وأما النوع الثاني هو العلم الذي يكون فرضًا على الأعيان، ويجب على الإنسان تعلمه، وهو نوعان:
أ- العقيدة: بأن يتعلم كيف يوحد الله، وطريقة ذلك، وأن يتعلم ضد ذلك وهو الشرك حتى لا يقع فيه.
ب- العبادات التي تجب على المكلف: كصلاته، وطهارته، وصيامه،
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى لابن تيمية» (٢٠/ ٢٠٢).
(٢) تكلم عن هذه المسألة عدد من أهل العلم، ومنهم السفاريني في «لوامع الأنوار البهية» (١/ ٢٧٦).
[ ٢٦ ]
وحجه وزكاته، فهذه واجبات على الإنسان يجب عليه أن يتعلمها، ولا يجوز له أن يجهل هذه الأشياء؛ لأنه لا يستطيع أن يحقق العبادة إلا بها.
٤/ ذكر المصنف أن العلم يشمل ثلاثة أشياء:
١. معرفة الله: بأن تتعرف على الله ﷿ في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.
٢ معرفة النبي ﷺ؛ لأنه هو الواسطة بيننا وبين الله عز وجل في تبليغ الرسالة.
٣. معرفة دين الإسلام بالأدلة، وما سيأتي في الأصول الثلاثة هو لبيان هذه المسألة، مسألة العلم بهذه الثلاث.
واعلم أيها المبارك أن طلب العلم من أشرف ما قضيت به الأوقات، وعمرت به الساعات، فبه يعبد المسلم ربه على بصيرة، وبه يدحض الشبهات التي تطرأ عليه، وينقذ الناس من الغواية إلى الرشد، ومن الضلالة إلى الهدى، وهو عبادة لله، ولو لم يكن منه إلا أنه يشغله بالخير، وفوق ذلك كله هو طريق إلى الجنة، لكفى.
قال الزهري: «ما عُبِدَ الله بمثل العلم» (^١)، وقال سفيان الثوري: «لَا أَعْلَمُ مِنَ الْعِبَادَةِ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ تُعَلِّمَ النَّاسَ الْعِلْمَ» (^٢)، وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ: «يَا إِسْحَاقُ عَلَيْكَ بِالْعِلْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْدِمُكَ مِنْهُ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى هُدًى أَوْ أُخْرَى تَنْهَى عَنْ رَدًى» (^٣)، وقال الحسن: «لأن يتعلم الرجل بابًا من العلم فيعبد به ربه فهو خير له من أن لو كانت الدنيا من أولها إلى آخرها له فوضعها في الآخرة» (^٤).
_________________
(١) انظر: البيهقي في «الشعب» (٦/ ٣٨٠)، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (١/ ٢٢٥).
(٢) انظر: «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (١/ ٢١١).
(٣) انظر: «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (١/ ٢٢٦).
(٤) انظر: «روضة العقلاء» لأبي حاتم البستي (ص ٤٠).
[ ٢٧ ]
قال محمد بن الربيع الموصلي ﵀:
الناس في صورة التّشبيه أكفاءُ … أبوهُمُ آدمٌ والأُمُّ حوَّاءُ
فإن يكن لهُم في أصلها شَرَفٌ … يفاخرون به فالطِّين والماءُ
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ … على الهُدَى لمن استهدَى أَدلاّءُ
ووَزْنُ كل امرئ ما كان يُحسنه … والجاهلون لأهل العلم أعداءُ (^١)
فاحرص على طلبه، لا سيما في أزمان الفراغ، وأوقات صفاء البال، وفراغ الإنسان من الشغل، واعلم أن الجهل من رديء الخصال، فكم يقبح بالإنسان جهله بأمور من العلم يعرفها الصغار.
فَإِنِّي رَأَيْت الْجَهْل يزري بأَهْله … وَذُو الْعلم فِي الأقوام يرفعهُ الْعلم
يُعدُّ كَبِير الْقَوْم وَهُوَ صَغِيرهمْ … وَينفذ مِنْهُ فيهم القَوْل وَالْحكم (^٢)
وقد كان السلف يفرحون بمجالسة العلماء، ويحرصون على مجالسهم، قال مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: «بِنَفْسِي الْعُلَمَاءُ هُمْ ضَالَّتِي فِي كُلِّ بَلْدَةٍ وَهُمْ بُغْيَتِي إِذَا لَمْ أَجِدْهُمْ، وَجَدْتُ صَلَاحَ قَلْبِي فِي مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ»، وقال أيضًا: «إِنَّ مَثَلَ الْعَالِمِ فِي الْبَلَدِ كَمَثَلِ عَيْنٍ عَذْبَةٍ فِي الْبَلَدِ» (^٣).
وقال الحسن البصري: «الدُّنْيَا كُلُّهَا ظُلْمَةٌ إِلَّا مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ» (^٤).
وما من شك أنهم لا يعنون بهذا من حصّل المعلومات، وهو عريٌ عن العمل، وإنما يعنون به من كان عالمًا عاملًا، والله المستعان.
_________________
(١) انظر: «أسرار البلاغة» للجرجاني (ص ٢٦٥).
(٢) انظر: «نشر طيّ التعريف في فضل حملة العلم الشريف والرد على ماقتهم السخيف» للوصابي الشافعي (ص ١٨١).
(٣) انظر: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (١/ ٢٢١).
(٤) انظر: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (١/ ٢٣٦).
[ ٢٨ ]