المسألة الثالثة التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها: الدعوة إلى ما تعلمه، والمراد أن الإنسان إذا تعلم وعرف الحق وميز، ثم عمل بما علم فإنه يبقى عليه أمر ثالث وهو أن يدعو إلى هذا العلم الذي حصله، وإلى هذا الخير الذي ناله، وذلك لأن العلم خير ونور، فلا ينبغي أن تحبسه على نفسك ولا توصله إلى غيرك؛ لأن العلم لم يصل لك إلا بالدعوة إليه، فالعلم الذي وصل إليك، وصل بعدما بلّغه الصحابة عن النبي ﷺ، وبلّغه التابعون عن الصحابة، وتابعوهم كذلك حتى وصل إليك، ولأجل ذلك فاشكر الله على تعليمه إياك، وواجب العلم الذي نلته أن تسعى إلى الدعوة إلى هذا العلم، وإلى هذا الدين، وإلى هذا الاعتقاد الذي نلته.
ومن المصيبة أن ترى الإنسان قد وهبه الله علمًا، وجعل في صدره فهمًا وإدراكًا وعملًا، ووفّقه بعد ذلك لأن يعمل بهذا العلم، لكنك تجده ليس له أثر فيمن حوله، فمِنْ حولِهِ أناسٌ مشركون، أو مفرّطون، فلا يدعو أحدًا، وليس هذا هديُ النبي ﷺ بل هديه أنه إذا تعلم الإنسان فعليه أن يسعى لأن يعلم وينقذ الناس من الضلالة إلى الهداية، ومن الغواية إلى الرشد، ولذلك قال النبي ﷺ: «نَضر اللَّهُ (^١) امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شيئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ،
_________________
(١) «نَضر اللَّهُ»: دعاءٌ له بالنظارة، وهي في الأصل حُسن الوجه، والمعنى: جمّله الله، وزيّنه، وأوصله إلى نضرة الجنة ونعيمها.
[ ٣١ ]
فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (^١).
مقالةٌ سمعها من النبي ﷺ، فيدعو النبي ﷺ لمن بلّغها بعدما سمعها بالرحمة، فكيف بمن عنده من المعلومات، ومن الأحاديث، ومن الاعتقاد، ومن المعرفة الشيء الكثير، ثم هو لا ينفع أحدًا، ولا يُعلِّمُ أحدًا ممن حوله، وأحسنُ الناس قولًا وهديًا هو ذلك الرجل الذي علم، ثم عمل، ثم دعا، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣).
• واعلم أن الدعوة إلى هذا العلم الذي تعلمته تكون بأمرين:
* بالقول: سواء كان باللسان، أو بما تؤلفه وتصنفه أو بغير ذلك.
* وبالفعل: بأن تدعو الناس إلى الله بفعلك، بأن تكون قدوة، فتسعى إلى أن تزيل مظاهر الشرك ومظاهر المعاصي قدر استطاعتك، ما لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم، ونحو ذلك من طرائق الدعوة إلى الله ﷾.
• وأمرٌ آخرُ ينبغي على طالب العلم أن يعتني به في الدعوة: وهو أن يبدأ بالأهم فالأهم، فلا يليق بطالب علم يرى أناسًا مِنْ حوله قد وقعوا في الشرك، وعندهم بعض المعاصي، ثم هو ينكر عليهم المعصية، ويترك إنكار الشرك، إذ من الخطأ أن تقدم المفضول على الفاضل، وإنما الواجب أن تدعو الناس إلى ما هو أهم، وهو توحيد الله ﷾، ومن تأمل دعوة النبي ﷺ، وجد أن جلّ تركيزه في دعوته إنما كانت دعوةً إلى التوحيد وإلى نبذ الشرك، حتى تحقق ذلك منهم، ثم دعاهم بعد ذلك إلى ما هو دون ذلك.
_________________
(١) أخرجه «أحمد» (٧/ ٢٢١)، و«الترمذي» (٢٦٥٧)، وابن حبان في «صحيحه» (١/ ٢٦٨)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ٧٨) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٧٦٤).
[ ٣٢ ]