فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي، وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. وَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ).
* الكلام على هذه الجملة في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أول أمرٍ ينبغي أن يعرفه الإنسان هو أن يعرف ربه سبحانه، وذلك لأنه سبحانه الخالق، المدبر، الذي بيده كل شيء، فأهم أمرٍ تعرفه أن تعرف ربك، ولو علم الإنسان كل شيء وجهل ربه فهو الجاهل حقًا، وإذا عرف العبد ربه حق المعرفة فلا يضره لو جهل علوم الدنيا.
* فإن قيل: وما المراد بمعرفة الله سبحانه؟
هذا أصلٌ يدخل تحته ثلاثة أمور:
١/ أن يعرف العبدُ ربه بربوبيته، فتفرده بما يختص به من معاني الربوبية من الخلق والملك والتدبير.
٢/ أن يعرف العبدُ ربه بألوهيته، بأن يعرف أنه هو الذي ينبغي أن يفرد بكل العبادات القلبية والبدنية والقولية.
٣/ أن يعرفه بأسمائه وصفاته، بأن يعرف ما يختص الله به من الأسماء والصفات، وما يجب على الإنسان تجاه هذه الأسماء والصفات
المسألة الثانية: قال المؤلف: إذا قيل لك من ربك.
السائل هنا مبهم، ولا يحتاج إلى أن تعرفه، وإنما إذا قال لك أي قائل، مسلم، أو كافر، مَلَك، أو غيرُ ملَكٍ، في القبر، أو في الدنيا، من ربك؟
[ ٦٤ ]
= فليكن جوابك: ربي الله، ثم زاد المؤلف ذلك إيضاحًا بقوله: الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه، أي أنه سبحانه هو الذي أجزل علي النعمة، وربى جميع العالمين بنعمه، وجميع الخلق هم داخلون تحت نعم الله ﷾، لا يستغني أحد عن إنعامه، فمن الناس من يرزقه الله النعم الدينية والدنيوية، ومن الناس من يرزقه النعم الدنيوية فقط، لكن الجميع يتنعم بنعم الله ﷾، قال الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: ٥٣).
ثم قرر أن هذا المعبود سبحانه هو معبودي وليس لي معبود سواه، فكونك تعرف أن الله هو الذي أجزل لك النعم، هذا لا يكفي، بل لابد أن تعلم أنه هو المعبود الذي ليس لك معبود سواه، وتقرّ بذلك بلسانك وأفعالك فلا تتوجه لغيره بشيء من العبادات.
المسألة الثالثة: استدل المؤلف على هذا الكلام الذي قرره بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: ٢)، ثم قال: وكل ما سوى الله ﷾ عالم.
والمعنى: أن الله خلق في الأرض أنواعًا متعددة من العوالم، أو العالمين (^١)، فالجن عالم، والإنس عالم، والحيوانات كل واحدة منها عالم، عالم الطير، وعالم الزواحف، وهكذا، من أنواع أعلمها وأخرى لا أعلمها، وأنواعٍ يعلمها الناس، وأنواع لا يعلمها أحد من الناس، لكن أنا واحد من واحد من أنواع هذه العوالم، وهذا يدلك على أمرين:
١. أنه ضعيف، فهو لا شيء أمام عظم وكثرة مخلوقات الله تعالى.
٢. أنه داخل تحت قول الله ﷿: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: ٢)، وحينها فهو عبد مربوب لله ﷿.
_________________
(١) كلا الكلمتين تصح جمعًا لكلمة عالم.
[ ٦٥ ]