* الكلام على هذه الجملة في أربع مسائل:
الأولى: الشافعي: هو محمد بن إدريس الشافعي، الإمام العلم المعروف، صاحب المذهب، قال: «لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم».
وإنما قال ذلك لأجل عظم شأن هذه السورة، فمع أنها مختصرة وقليلة الآيات، إلا أنها حوت معانٍ جليلة عظيمة، ولو لم ينزل الله ﷿ إلا هذه السورة تكون طريقًا لهم ونبراسًا يستنيرون به في حياتهم لكانت كافية؛ لأنها تضمنت هذه المراتب الأربع.
قال ابن القيم ﵀: «وبيان ذلك -يعني كلام الشافعي-: أن المراتب أربعة، وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله، إحداها معرفة الحق، الثانية عمله به، الثالثة تعليمه من لا يحسنه، الرابعة صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه.
فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة، وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر إن كل أحد في خسر، الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة، وعملوا الصالحات وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة أخرى، وتواصوا بالحق، وصى به بعضهم بعضًا تعليمًا وإرشادًا فهذه مرتبة ثالثة، وتواصوا بالصبر، صبروا على الحق، ووصى بعضهم بعضا بالصبر عليه والثبات، فهذه مرتبة رابعة، وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملًا في نفسه،
[ ٣٧ ]
مكملًا لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره بتعليمه اياه وصبره عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل فهذه السورة على اختصارها هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره، والحمد لله الذي جعل كتابه كافيًا عن كل ما سواه، شافيًا من كل داء، هاديًا الى كل خير» (^١).
الثانية: قال العلماء: في هذه السورة وعيد شديد، وذلك لأنه تعالى حكم بالخسار على جميع الناس، إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والنجاة معلقة بمجموع هذه الأمور.
وقد كرر التواصي في الآية، للتأكيد والاهتمام، فتضمن الإيصاء الأول (وتواصوا بالحق) الدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ، والثاني (وتواصوا بالصبر) الثباتَ عليه، فالأول: أمرٌ بالمعروف، والثاني: نهيٌ عن المنكر.
الثالثة: إن قيل: كيف يقول الشافعي أن الناس تكفيهم هذه السورة، والله سبحانه أنزل القرآن فيه الأحكام والمواعظ والأخبار مما لا يغني بعضه عن بعض؟
فالجواب: أراد ﵀ أن هذه السورة تكفيهم في الوعظ، قال العثيمين ﵀: «فكل إنسان عاقل يعرف أنه في خُسر إلا إذا اتصف بهذه الصفات الأربع، فإنه سوف يحاول بقدر ما يستطيع أن يتصف بهذه الصفات الأربع، وإلى تخليص نفسه من الخسران» (^٢)، وقال أيضًا: «وليس مراده أن هذه السورة كافية للخلق في جميع الشريعة» (^٣).
_________________
(١) انظر: «مفتاح دار السعادة» (١/ ٥٧).
(٢) انظر: «تفسير جزء عم» للعثيمين (ص ٣١٣).
(٣) انظر: «شرح ثلاثة الأصول» للعثيمين (ص ٢٧).
[ ٣٨ ]
الرابعة: قال الشافعي أيضًا عن هذه السورة: «النَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عن هذه السورة ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾» (^١)، فما أحرى طالب العلم خصوصًا، وكل مسلم عمومًا أن يتأملوا في هذه السورة، وأن يعملوا بها، ويحققوا معناها، كي يربح المسلم في زمن الخسران، وما أكثر الذين سيخسرون، وتتفاوت أسباب الخسارة، فمنهم من سيخسر لأنه لم يؤمن، ومنهم من سبب خسرانه عدم العلم، ومنهم من سببه عدم العمل، ومنهم من يخسر لأنه لم يصبر على ما ناله من أذى، والموفق حقًا من طبّق الأربع، جعلنا الله منهم.
_________________
(١) انظر: «المجموع شرح المهذب» للنووي (١/ ١٢).
[ ٣٩ ]