الأمر الثالث: أن تعرف بأي شيء أرسل النبي ﷺ؟ وبأي شيء نُبئ،
وقد قال المصنف: (نبئ بِإقْرَأْ). أي أنه صار نبيًا حينما أنزل الله عليه صدر سورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: ١) في قصة شهيرة ثبتت في الصحيح من حديث عائشة ﵂ قالت «كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ»، قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: «ما أنا بقارئ»، قال: فأخذني، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارئ»، فأخذني، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (العلق: ١ - ٥)، فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: «زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع» (^١).
وأُرسل بالمدثر -أي أنه أُمر بالتبليغ والإنذار للناس- حينما أنزل الله عليه سورة المدثر: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ (المدثر: ١ - ٢)، وكان بينهما
_________________
(١) أخرجه: «البخاري» (٣)، و«مسلم» (١٦٠) من حديث عائشة.
[ ١٥٠ ]
فترة ليست بالطويلة، وقد أُمر حينما نزلت عليه المدثر بالتبليغ للدين، ولهذه الرسالة التي أرسله الله ﷿ بها.
* والصواب من أقوال أهل العلم أن أول ما نزل من القرآن هو: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: ١)، وليس المدثر، خلافًا لمن قال أنه المدثر.
وقد ورد في صحيح مسلم، قال أبو سلمة لجابر ﵁: «أي القرآن نزل أول؟ قال: يا أيها المدثر، قال: فقلت: أو اقرأ؟ قال: أخبرك ما أخبرني النبي ﷺ، ثم ذكر له أن الله ﷿ أنزل عليه ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (المدثر: ١ - ٢)» (^١).
ولكن هذا يجاب عنه بأن يقال: أن نزول سورة المدثر كان هو أول ما أمر به من التبليغ والإنذار، وكان نزول (يا أيها المدثر) بعدما توقف الوحي فترة بنزول: ﴿اقْرَأْ﴾ (العلق: ١).