وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشركِ إِلَى بلد الإِسْلامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦].
قَالَ الْبُغَوِيُّ ﵀: نزلت هَذِهِ الآيَةِ فِي المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»).
* بعدما ذكر المؤلف هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، أشار إلى الهجرة، والكلام على الهجرة في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام،
والهجرة بهذا المعنى باقية، لم تنسخ، قال ﷺ: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (^١)، وهذا دليل على أن الهجرة باقية لم تنقطع، وإنما الذي نُسخ في قوله ﷺ: «لَا هِجْرَةَ
_________________
(١) أخرجه «أحمد» (٢٨/ ١١١)، و«أبو داود» (٢٤٧٩) من حديث معاوية، وصححه الألباني.
[ ١٥٩ ]
بَعْدَ الفَتْحِ» (^١) الهجرة من مكة إلى غيرها من البلاد، وهذا بيان أن مكة ستظل أرض إسلام، ولن تعود أرض كفر بعد ذلك، وأما الهجرة من غيرها إلى بلاد الإسلام فهو باقٍ ولكنه يختلف حكمه.
المسألة الثانية: إذا علمت أن الهجرة تكون من بلد الكفر إلى بلد الإسلام فما الضابط في تحديد بلد الشرك، وبلد الإسلام؟
= اختلف أهل العلم في تحديد بلد الشرك من بلد الإسلام:
* فمنهم من علق الأمر بالحاكم فقال: إذا كان الحاكم مسلمًا فهي بلد إسلام، وإذا كان الحاكم كافرًا فهي بلد كفر، كذا قال بعض أهل العلم.
* والأقرب من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن يقال: أن الأمر معلق بالشعائر والأعمال، فبلد الشرك هي البلد التي يكون فيها الشرك ظاهرًا منتشرًا غالبًا، وأما بلد الإسلام فهي البلد التي تكون فيها شعائر الإسلام منتشرة ظاهرة غالبة ويتعبد الإنسان فيها بظهورٍ بلا مضايقة.
قال السعدي ﵀: «فبلاد الإسلام التي يحكمها المسلمون وتجري فيه الأحكام الإسلامية، ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارًا، وبلاد الكفر ضدها فهي التي يحكمها الكفار وتجري فيه أحكام الكفر ويكون النفوذ فيها للكفار، وهي على نوعين: بلاد كفار حربيين، وبلاد كفار مهادنين بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة، فتصبح إذا كانت الأحكام للكفار والنفوذ لهم دار كفر ولو كان بها كثير من المسلمين» (^٢).
* فإن قال قائل: أنا أحيانًا أكون في بلد، وهي بلاد ينتشر فيها الكفر، لكني أستطيع أن أتعبد فيها لله بدون مضايقة، هل هذه بلد إسلام؟
_________________
(١) أخرجه: «البخاري» (٢٧٨٣)، و«مسلم» (١٣٥٣) من حديث ابن عباس.
(٢) انظر: «فتاوى السعدي» (١/ ٩٢).
[ ١٦٠ ]
= الجواب: ليست هذه ببلد إسلام، وإنما بلد الإسلام هي التي تكون شعائر الإسلام فيها منتشرة ظاهرة، غالبة، وأما بلد الكفر، فهي التي يكون فيها الكفر ظاهرًا غالبًا، وهذه البلاد التي تذكر إنما الغلبة فيها والشيوع لشعائر الكفر.
المسألة الثالثة: ما حكم الهجرة؟
= الهجرة يختلف حكمها باختلاف الأحوال، ويمكن القول بأن الناس تجاه الهجرة أصناف
١ - صنف تكون الهجرة عليهم واجبة: وهم من يقدر عليها ولا يُمكنهم إظهار دينهم ويخشون على أنفسهم.
ودليل وجوبها في حق من لا يستطيع إظهار الدين وشعائره، ما ذكره المصنف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ (النساء: ٩٧ - ٩٨).
وأيضًا قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت: ٥٦). قال البغوي: «سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان -أي أنهم باقين على الدين- إلا أنهم أثموا حين لم يهاجروا وهم مستضعفون في الأرض».
٢ - وصنف تكون مستحبة في حقهم: وهم من يقدر عليها ويتمكن من إظهار دينه في بلده بلا مضايقة.
٣ - وصنف لا هجرة عليهم: وهم من عجز عنها، إما لمرض أو إكراه كالأسير أو الضعيف من النساء والولدان وشبههم (^١).
_________________
(١) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ١٩٠).
[ ١٦١ ]
المسألة الرابعة: قد يكون الإنسان في بلاد تنتشر فيها المعاصي، ولكنها بلاد إسلام، ويستطيع أن يقيم شعائر الدين فيها، فهل يجب على الإنسان الهجرة منها؟
اختلف العلماء في هذا، والأقرب والله أعلم أنه لا يجب، وذلك للنصوص الواردة في الأمر بالمعروف، حيث لم تلزم بترك البلاد، وهو الآن قادر على إظهار شعائر الدين، وهذا مذهب الحنابلة، قال ابن مفلح: «ولا تجب الهجرة من بين أهل المعاصي، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦] أن المعنى إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرجوا منها، وبه قال عطاء، وهذا خلاف ظاهر قوله ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» الحديث وعلى هذا العمل» (^١).
_________________
(١) انظر: «الفروع وتصحيح الفروع» (١٠/ ٢٣٨).
[ ١٦٢ ]