الأمر الرابع: معرفة بلده التي ولد فيها، والبلد الذي هاجر إليه.
أما بلده فهي مكة، فيها عاش وترعرع، وكان يحبها حبًا شديدًا، حتى ورد في حديث عبد الله بن عدي بن حمراء، قال: «رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحَزوَّرة فقال: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (^٢)، ومع كون مكة أحب البلاد إلى الله، وأحب أرض له ﷺ، حيث فيها نشأ وعاش، إلا أنه ضحى بكل هذا لما وقف
_________________
(١) أخرجه: «مسلم» (١٦١).
(٢) أخرجه «الترمذي» (٣٩٢٥)، «ابن ماجه» (٣١٠٨)، وصححه الألباني في «المشكاة» (٢/ ١١٥).
[ ١٥١ ]
أهل مكة في وجه دعوته، فالإنسان يعيش لله، ولأجل الله يضحى بكل ما يحبه إذا خالف مراد الله، وهذا ما فعله النبي ﷺ، وما ينبغي أن يعنى به كل مسلم، فلربما لم تستطع أن تعبد الله في بلدك، أو لم تستطع أن تدعو إلى الله في أرضٍ، فالواجب حينها أن تخرج حيث تستطيع أن تنشر دين الله، ولك بالنبي ﷺ أسوة.
خرج النبي ﷺ بعد ذلك إلى المدينة، وكان قد رأى رؤيا أنه يخرج إلى أرضٍ كثيرة النخل، فقد روى الشيخان من حديث أبي موسى ﵁ أنه ﷺ قال: «رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي (^١) إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ، أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ» (^٢).
وكان ﷺ قد بقي في مكة ثلاثة عشر سنة، ثم بعد ذلك هاجر إلى المدينة وكان خروجه إليها بأمر الله، فقد كانت ناقته مأمورة، وقد اختار الله له هذه البقعة التي امتن على أهلها بأن يكونوا أنصار نبيه، ولله في ذلك حكمة، فكما أن اختيار الأنبياء من الله بحكمة، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، فكذلك اختيار أصحاب نبيه كان بحكمة، قال ابن مسعود: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ اطَّلَعَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، ثُمَّ اطَّلَعَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاخْتَارِهُمْ لِدِينِهِ» (^٣).
وبقي في المدينة عشر سنين، ثم توفي ﷺ فيها، في سنة إحدى عشرة من هجرته في شهر ربيع الأول.
_________________
(١) وَهَلِي: أي وهمي.
(٢) أخرجه «البخاري» (٣٦٢٢)، و«مسلم» (٢٢٧٢).
(٣) أخرجه «أحمد» (٦/ ٨٤)، والطبراني في «الكبير» (٩/ ١١٢)، وإسناده حسن.
[ ١٥٢ ]