* ذكر المؤلف هنا عبادة الاستعاذة، والكلام عن الاستعاذة في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الاستعاذة: مصدر استعاذ، فهي تدل على الالتجاء إلى شيء، قال القرطبي: «الاستعاذة في كلام العرب الاستجارة، والتحيز إلى الشيء على معنى الامتناع به من المكروه، يقال عُذت بفلان، واستعذت به، بمعنى التجأت إليه» (^١).
وهي في الشرع: اللجوء إلى الله والاعتصام به من شر كل ذي شر أيًَا كان.
المسألة الثانية: الاستعاذة من تأملها وجد أنها تتضمن مُستعاذًا به، ومُستعاذًا منه، وصيغة، أما الصيغة فقد تكون بلفظ: أعوذ، أو التجأ، أو أعتصم، ونحو ذلك.
وأما المُستعاذ به فيسمى: المَعَاذ أو المستعاذ، وهو الله ﷾، ولا يجوز أن يستعاذ بأحد غيره في أمر لا يقدر عليه إلا هو.
ويدخل في الاستعاذة بالله أن تستعيذ باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته فتقول مثلًا: «أعوذ بعزة الله، أو أعوذ بكلمات الله».
فهذه صفات من صفات الله يجوز الاستعاذة بها، سواء باسمه بلفظ
_________________
(١) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١/ ٨٩).
[ ١٠٧ ]
الجلالة (الله)، أو اسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته سبحانه، فكل ذلك جائز.
وأما المستعاذ منه: فهو كل ما فيه شر، سواء كان انسيًا أو جنيًا، أو كان مكلفًا أو غير مكلف، ويدخل في ذلك الهوام والسباع والعقارب والحيات، ويدخل في ذلك الاستعاذة بالله من الشيطان.
ومن تأمل المعوذتين -سورة الناس والفلق- وجد أنها تضمنت الاستعاذة من جميع الشرور.
فأما سورة الناس فتضمنت الاستعاذة من الشرّ الذي هو سبب ظلم العبد لنفسه، وهي الوسوسة التي تنجم عن الشيطان، وهذا شرٌّ، فيستعيذ الإنسان منه.
وأما في سورة الفلق: فهو يستعيذ من الشرّ كله، ومن شرّ السحرة، ومن شرّ الحاسد إذا حسد، فالاستعاذة بهاتين السورتين من أشرف التعويذات، فقد قال الرسول ﷺ لعقبة بن عامر: «يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» (^١).
المسألة الثالثة: الاستعاذة عبادة لله يتقرب بها العبد لربه، وقد أمر الله عباده أن يستعيذوا به في أحوال عديدة، ولا سيما عند نزغ الشيطان، وعند تلاوة القرآن
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: ٢٠٠).
_________________
(١) أخرجه «أبو داود» (١٤٦٣)، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٣٤٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٥٥٢).
[ ١٠٨ ]
وقال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (غافر: ٥٦). وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (المؤمنون: ٩٧ - ٨٩).
فإن صرف الاستعاذة لغير الله فثمت تفصيل أذكره في الاستغاثة لتقارب الأمر بين المصطلحين.
[ ١٠٩ ]