* ذكر هنا عبادة الاستغاثة، وهي نوع من العبادات، والكلام عنها في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تعريفها:
الاستغاثة: مصدر استغاث، وهي مأخوذة من الغوث والنصرة عند وقوع المكروه، ولذلك يقال الغيث يطلق على المطر؛ لأنه فيه إغاثة للناس عند الشدة.
* أما في الشرع: فقد قال ابن تيمية: «الاسْتِغَاثَةُ طَلَبُ الْغَوْثِ، وَهُوَ إزَالَةُ الشِّدَّةِ، كَالِاسْتِنْصَارِ طَلَبُ النَّصْرِ» (^١).
المسألة الثانية: ثمة استغاثة وثمة استعاذة، فما الفرق بينهما؟
= الفرق: أن الاستعاذة هي أن تطلب من الله أن يعصمك ويحميك، وأن يمنعك ويحفظك.
- أما الاستغاثة: فأنت تطلب منه أن يزيل ما فيك من شدة.
فالاستعاذة تكون قبل وقوع المكروه، أما الاستغاثة: تكون بعد وقوع المكروه.
فالغريق مثلًا: يستغيث ولا يستعيذ لأنه وقع عليه المكروه، والذي يريد أن يدخل في مكان مخوف يستعيذ، لأنه يريد أن يُحفظ قبل أن يقع فيه المكروه، هكذا قال أهل العلم في الفرق بين الاستغاثة والاستعاذة.
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ١٠٣).
[ ١١٠ ]
المسألة الثالثة: الاستغاثة بالله عبادة يتقرب بها العبد لربه، وسواء كانت الاستغاثة به سبحانه باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، كرحمته، فكله جائز، وهي نوع دعاء، يؤجر عليها كما يؤجر الداعي لله، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: ٩).
وأما الاستغاثة، أو الاستعاذة بغير الله فلها حالتان:
الأولى: تكون جائزة: إذا كانت لحي قادر، كاستغاثة غريق أو واقع في حفرة، برجل لينقذه ويسعفه، فهذا كله جائز؛ لأنه موجه لحي، في أمر يقدر عليه الحي.
ومن ذلك ما وقع لموسى ﵈، قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: ١٥).
وكذا صح خبر الذي استعاذ بالنبي ﷺ وهو حي، وهو ما ورد أن أبا مسعود ﵁ قال: كنت أضرب غلاما لي فقال: أعوذ برسول الله، وهو يرى النبي ﷺ فوقفت، فقال رسول الله: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» (^١) فهو استعاذ بالنبي ﷺ وهو موجود.
الثانية: تكون غير جائزة: إذا كانت بغير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله.
مثال ذلك: يقول يا فلان يا ولي فلان أعذني من الأعداء، وأعذني من المرض، وأغثني من المصيبة التي وقعت بي، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز، وهو شرك بالله، سواء كانت الاستعاذة أو الاستغاثة بميتٍ مقبور، أو حيٍّ غائب.
ومثال ذلك: ما قاله أحد الكتّاب، حيث قال: ركبنا في السفينة، فمالت بنا وكدنا نغرق، فبدأ بعض أصحاب السفينة يقولون: يا ولي فلان أنقذنا من
_________________
(١) أخرجه «مسلم» (١٦٥٩).
[ ١١١ ]
الغرق، فقلت لهم: في مثل هذه الحالة والشدة تستغيثون بغير الله!!، فهذه استغاثة بغير الله.
وسواء كان المستغاث به ميتٌ، أو حيٌّ بعيدٌ لا يسمعك ولا يمكن أن يصله كلامك، أو حيٌ في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله، فكل هذا شرك، وذلك لأنه صرف الاستغاثة والاستعاذة لغير الله.
قال بعضهم: استغاثه المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق!
وقال غيره: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة السجين بالسجين.
وما أحسن هذا التعبير، فالسجين لا تنفعه استغاثته بسجين مثله، إذ لو نفع لنفع نفسه.
قال ابن تيمية: «قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لَا غِيَاثَ وَلَا مُغِيثَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ كُلَّ غَوْثٍ فَمِنْ عِنْدِهِ» (^١).
* خلاصة الكلام: أن تعلم أن الاستغاثة والاستعاذة بالله عبادة، فأنت تتعبد بها لله وتؤجر عليها، وحين تصرفها لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقعت في الشرك، حيث صرفت العبادة لغير الله تعالى.
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ١١٠).
[ ١١٢ ]