* ذكر المؤلف عبادة التوكل، والكلام عليها في أربع مسائل:
المسألة الأولى: التوكل هو الاعتماد:
وأما تعريفه في الشرع فهو: صدق الاعتماد واللجأ إلى الله بجلب النفع ودفع الضر مع فعل الأسباب.
فالتوكل هو أن تصدق في اعتمادك على الله، باعتقادك أنه هو الذي يجلب النفع، وهو الذي يدفع الضر، مع فعلك للأسباب.
* ويتبين في التعريف أن التوكل الصحيح يجمع ركنين:
الأول: أن تفوّض أمرك لله، فتعتقد أن التدبير من الله، فالشفاء والرزق وغير ذلك من الأمور هي من الله، فهو الذي بيده كل شيء، والخلق ما هم إلا أسباب.
الثاني: أن تفعل السبب، فلا تكتفي بقولك (إني توكلت على الله) ولا تفعل السبب! وإنما التوكل أن تفعل السبب وتعتقد أنه سبب فقط.
مثال ذلك: حينما يصاب الإنسان بمرض، فتحقيقه للركن الأول أن يعتقد أن الشفاء من الله، وتحقيقه للركن الثاني يكون بأن يفعل السبب، فيذهب إلى الطبيب ويتناول الدواء، ويعتقد أن هذا الطبيب ما هو إلا سببٌ، وأن الشافي هو الله، ليس الراقي ولا الطبيب ولا العلاج ونحو ذلك.
[ ٨٩ ]
المسألة الثانية: إذا تبين تعريف التوكل فاعلم أن الناس تجاه التوكل على الله طرفان ووسط، والتوكل الحقيقي وسط بين طرفين مذمومين:
• أما الطرفُ الأول: فهو الذي يقول: أنا معتمد على الله، وأنا متوكلٌ عليه، ومع ذلك لا يفعل شيئًا من الأسباب.
وليس يخفى أن هذا خللٌ عظيم، كحال الذي يبقى في بيته ويقول: إذا كتب الله لي رزقًا سيأتيني وهكذا.
وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: «كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: ١٩٧)» (^١)، فعوتبوا على تركهم التزود، وأمروا بالزاد، فدل على أن التوكل لابد فيه من صدق الاعتماد مع فعل السبب، فالذي يعتمد على الله ولا يفعل السبب غير متوكل، كحال المزارع: الذي يتوكل على الله ويلقي الحب في الأرض ويجمع بين الأمرين.
ولذلك أخرج البيهقي في شعبه عن معاوية بن قُرّة، أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى على قومٍ فقال: «مَا أَنْتُمْ؟» فقَالُوا: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فقَالَ: «بَلْ أَنْتُمُ الْمُتَّكِلُونَ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُتَوَكِّلِينَ؟ رَجُلٌ أَلْقَى حَبَّةً فِي بَطْنِ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَوَكَّلَ عَلَى رَبِّهِ» (^٢).
• وأما الطرف المذموم الآخر: فهو الذي يسعى ويجتهد في فعل الأسباب، ولكنه يطغى عليه ذلك حتى يعتقد أنها هي المؤثرة، وينسى أن التغيير والتدبير هو من الله، فتجد أنه يرى أن فلان هو الذي يرزقه، وإذا قطع فلان رزقه انقطع ومات.
_________________
(١) أخرجه «البخاري» (١٥٢٣).
(٢) انظر: «شعب الإيمان» (٢/ ٤٢٩).
[ ٩٠ ]
ويرى أن فلانًا هو الذي سيشفيه، وهو الذي سيسعده وهذا لا شك أنه خطأ؛ لأن فلانًا والخلق كلهم ما هم إلا أسبابٌ، فينبغي أن تعتمد على الله ﷿، وأن تتوكل عليه في تيسير أمورك الدينية، وفي تيسير أمورك الدنيوية.
المسألة الثالثة: إذا تقرر كل هذا أيها المبارك فلابد أن تعلم أن التوكل عبادة عظيمة يتقرب بها العبد لربه ﷿، ويتجلى ذلك في أمور، منها:
١. أن التوكلَ على الله بتفويضك إلى الله مع فعلك للأسباب علامة على الإيمان.
واستدل المؤلف: بقوله ﷾: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٢٣).
٢. أن تحقيق التوكل سبب لدخول الجنة بلا حساب ولا عذاب، وقد ذكر النبي ﷺ في خبر السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (^١).
٣. أن من حقق التوكل كفاه الله أمره وما أهمه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: ٣)، يعني كافيه.
المسألة الرابعة: إذا عرفت أن التوكل عبادة لله، فاعلم أن من توكل على غير الله فلا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: التوكل على الغير في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت في تحقيق المطالب الخاصة بالله، كالنصر والحفظ والرزق، فهذا شركٌ أكبر.
_________________
(١) أخرجه «البخاري» (٥٧٠٥)، و«مسلم» (٢٢٠) من حديث ابن عباس.
[ ٩١ ]
الثانية: التوكل على الغير فيما يتصرف فيه الغير مع الشعور بعلو مرتبته، وانحطاط مرتبة المتوكل عنه، مثل أن يعتمد عليه في حصول المعاش ونحوه، فهذا نوع من الشرك الأصغر لقوة تعلق القلب به، والاعتماد عليه، نسأل الله العافية (^١).
الثالثة: الوكالة الجائزة، وهي توكيل الإنسان أخاه في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه، فهي جائزة، بقيد أن يعلق قلبه بالله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه، وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها، ولا يعتمد عليه بل يعتمد على المسبِّب الذي أوجد السبب والمسبب.
_________________
(١) انظر: «شرح ثلاثة الأصول» للعثيمين (ص ٥٩).
[ ٩٢ ]