* ذكر المؤلف عبادة أخرى من العبادات، وهي الخوف، والكلام عليها في أربع مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الخوف:
الخوف: هو انفعال وانزعاج وتألم يعرض للقلب بسبب توقع مكروه أو نزول مصيبة ومكروه، وهذا الخوف عبادةٌ من أعظم العبادات التي يتعبد العبد بها لله تعالى، وقد حث الله عليها فقال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٧٥).
وما دام أن الخوف عبادة، فإن المؤمن لا ينبغي أن يخاف إلا من الله، والخوف يكون عبادة إذا كان مصحوبًا بالتعظيم لله والتذلل له واستشعار أن الله ﷿ بيده التدبير، وبيده العقاب، والنعيم.
وثمرة الخوف: القرب من الله، وترك المعصية، والرغبة في الطاعة، فأما خوفٌ مجرد من ذلك فلا ثمرة فيه.
المسألة الثانية: إذا تقرر أن الخوف المصحوب بالتعظيم لله تعالى عبادة، فالخوف من غير الله قد يكون شركًا، لكن لا بد أن تعلم أنه ليس كل خوف من غير الله يكون شركًا، فالمرء قد يخاف من عدو، وقد يخاف من الظلمة، بل إن المرء مفطور على الخوف مما يجهله، فموسى ﵈ خاف من الحية حتى قال الله ﷿ له: ﴿لَا تَخَفْ﴾ (طه: ٦٨)، وخاف من فرعون فقال الله له ولهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه: ٤٦).
[ ٨٢ ]
ولذلك فثمة خوف طبيعي قد يقع على الإنسان، كأن يخاف من عدو أو سبع أو عقرب أو غير ذلك، وهذا لا ملامة عليه فيه.
* إنما الخوف المحرم نوعان:
الأول: أن يخاف من غير الله أن يصيبه بمكروه؛ لأنه يعتقد أنه ينفع ويضر من دون الله، وهذا يسميه أهل العلم: خوف السِرّ، مثل الخوف الذي يقع من بعض الناس من الأولياء المقبورين، أو أن يخاف من صنم، أو يخاف من جِنّ ونحو ذلك، فهذا كله لا يجوز، وإذا وقع الإنسان في ذلك، واعتقد أن المخوف منه سببٌ لوقوع المكروه، فهذا شركٌ أصغر، ولكن إن خاف من الغير وكان في قرارة نفسه واعتقاده أنهم ينفعون أو يضرّون من دون، الله فهذا شرك أكبر.
ولا يقع في هذا الأمرِ الموحدُ الذي يخاف من الله تعالى، إنما قد يقع فيه من نقص تعظيمه لله، فترتب على ذلك الخلل في التوحيد، حين خاف من مخلوق خوفًا لا يليق إلا بالله تعالى، بل إنه ربما خاف من صاحب القبر أشد من خوفه من الله ﷾ (^١).
_________________
(١) وقد ذكر أحد الشيوخ حادثة يسيرة، قال: كنّا مارين في طريق في أحد البلدان، وإذا هناك في الطريق قبر رجل يقولون أنه من الصالحين، وكان هناك رجل من الناس يسأل الناس مالًا ويتكففهم، يقول: فأعطيته مبلغًا بسيطًا، فقال: وأنت بحضرة الولي فلان تعطيني كذا؟! فقلت: أعطني الذي أعطيتك، وظن أنني إذا أخذته منه سأعطيه أكثر منه، فلما أخذته قلت: لن أعطيك شيئًا، لأنك تتوسل بغير الله ﷾. وقلت لصاحب الأجرة: امشِ، وكنا ونحن في الطريق، إذا بذلك الرجل سائق السيارة يردد: استر، استر، استر، كلما مشى قال: استر، استر، قلت له لم تكرر استر استر؟! قال: لأنك أهنت الولي في حضرته، فلما وصلنا إلى مقصدنا وإذا بنا لم يصبنا مكروه قلت له: أرأيت لم يصبك شيء، وإنما خوفك هذا من غير الله لأ لا يجوز. وهذا الذي قد أوقع بعض الناس في أنه يحلف بالله كاذبًا؛ لكنه لا يحلف بغير الله من الأولياء كاذبًا، فهذا هو خوف السر، وهو شرك بالله.
[ ٨٣ ]
النوع الثاني: أن يخاف من الناس فيترك ما أمر الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشيةً من مخلوق، وهنا ينبغي أن يتذكر الإنسان ألا يخاف إلا الله، قال الله ﷿: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٧٥)، ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: ١٣).
فلا تخف من هؤلاء الناس فإنهم لا يقدمون ولا يأخرون.
وهذا النوع ليس بشرك، وإنما هو محرم، إلا إذا كان الذي يخافه قادرًا على إيصال المكروه إليه، فإنه قد يكون له أن يترك هذا الواجب لأجل المضرّة التي قد تلحقه فيتركه مكرهًا.
المسألة الثالثة: الخوف يكون محمودًا، ويكون مذمومًا.
فالخوف المحمود الصادق: هو ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، وبين الوقوع في الذنوب، إذ إن ثمرة الخوف: أن يثمر فيك فعل الطاعات وترك الذنوب والمعاصي.
وأما الخوف المذموم: فأن يزيد عليك ذلك حتى يورثك القنوط واليأس من رحمة الله ﷿، نسأل الله السلامة والعافية، ولذلك فإن من الكبائر كما في الأثر عن ابن عباس: اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله.
وإنما كان ذلك من الكبائر لأن فيه سوء ظن بالله، الذي تسمى بالرحيم والتواب ونحو ذلك، فمن زاد خوفه حتى قنط من رحمته فقد ارتكب المحرم.
المسألة الرابعة: السلف -رحمهم الله تعالى- كانوا برغم حسن عملهم وطاعتهم لله ﷾ عندهم الخوف منه ﷿، وقبل ذلك كان النبي ﷺ يخاف من الله تعالى، بل إنه مكث ليلةً يردد آية واحدة، ويبكي، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة: ١١٨).
[ ٨٤ ]
وعمر ﵁ خاف أن يَعُدّه النبيُ ﷺ من المنافقين.
وكان من السلف مَنْ إذا مرّ على الخباز بكى وخشي من عذاب الله ﷿.
وكان منهم من إذا مَرّ بالرؤوس المشوية عند أصحاب الطبخ خشي وتذكر عقوبة الله وتذكر النار، وتذكر قوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠٤).
تجد أن قلوبهم خائفة وجلة متعلقة بالله ﷿، والإنسان إذا كان صاحب عمل صالح ويخاف من الله ﷿ فإنه يُرجى له الخير، وإنما المصيبة أنك ترى من عنده تقصير ومع ذلك لا يخاف من الله ﷿!.
ولذلك قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون: ٦٠)، قالت عائشة ﵂: «أَهُمُ الَّذِينَ يَشربُونَ الخَمْرَ وَيَسرقُونَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ» (^١).
هل مرّ عليك يوم من الأيام وضعت في قرارة نفسك أن الله قد لا يقبل طاعتك؟ وأنه قد لا يقبل توبتك؟ هل وقر في قلبك يومًا من الأيام أن الله ربما سخط عليك؟ هل وقع في نفسك ذلك؟
إنها أسئلةٌ لا بد أن يتصورها المسلم، وأن يخاف من الله تعالى.
نعم هذا الخوف لا ينبغي أن يزيد عن حدّه فيصير قنوطًا، وإنما يكون خوفًا يدعوك ويحدوك إلى أن تترك الذنب وتفارقه، وتبادر بالتوبة إلى الله ﷿، ويدعوك إلى أن تتعبد لله، وتحافظ على الطاعات؛ لأنك تخاف من الله الذي توعد من عصاه بالعقوبة والعذاب.
_________________
(١) أخرجه «أحمد» (٤٣/ ١٥٦)، و«الترمذي» (٣١٧٥)، و«ابن ماجه» (٤١٩٨)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٦٢).
[ ٨٥ ]