* هذه العبادة الثالثة التي ذكرها المؤلف، وهي الرجاء، والكلام عليها في أربع مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الرجاء:
الرجاء: هو الأمل والتوقع، وحقيقته: أن تؤمل في الحصول على شيء مرجو، فترغب أن تحصل على شيء تريد أن تناله.
والرجاء بالله ﷾ عبادة يتقرب العبد بها إلى الله ﷿، بل إنها من العبادات العظيمة التي تنشِّط الإنسان على الطاعة، وتحدوه إليها، فإنه لولا أن الإنسان يرجو الرحمن، ويرجو الجنة، والمغفرة، وثواب الله ورضاه، ورؤية وجهه سبحانه، وإلا لما نشط بالعبادة.
ولذلك فأنت ترى مثلًا: المسافر إذا كان قد أقدم على بلدةٍ وهو لا يرجو فيها شيئًا، فلا يرجو أن يرى أحدًا من الناس، وليس في قلبه أملٌ ولا رغبة، ولا توقعٌ لشيء من الأشياء المحبوبة إليه، فإنه لا ينشط أن يستعجل، لكنه إذا كان يؤمل أن يلقى حبيبه، أو أن يلقى أمرًا من أمور الدنيا يحبه، فإنه ينشط ويبادر، وكذلك السائر إلى الله ﷿ يحدوه رجاؤه في ثواب الله ﷿ وحسن ظنه به، ولذلك فإن الرجاء ناشئ من حسن ظنه بالله ﷿.
المسألة الثانية: قد يكون الرجاء مذمومًا؛ وذلك إذا كان العبدُ مستمرًا على العصيان، مداومًا على التقصير وعلى المعاصي، والإعراض عن
[ ٨٦ ]
طاعة الله، والغًا في الكبائر ولم يتب، وهو مع ذلك يرجو الثواب، ويرجو أعلى درجات الجنة، فهذا غرور، حتى قال قائلهم:
وأكثِر ما استطعت من الذنوب … إذا كان القدوم على كريم
وهذا لا شك أنه باطل، بل إن الغفور الرحيم، هو شديد العقاب، وهو المنتقم، وهو الجبار.
قال ابن القيم ﵀: «أَجْمَعَ الْعَارِفُونَ عَلَى أَنَّ الرَّجَاءَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْعَمَلِ» (^١)، ومعنى ذلك: أن رجاء عبدٍ يرجو ثواب الله، وربما قال: إن شاء الله سيجعلنا في الفردوس، وهو والغ في الكبائر وفي الذنوب والتقصير فهذا لا شك أنه رجاء مذموم، فإذا كان العبد متماديًا في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والرجاء الكاذب.
المسألة الثالثة: الرجاء والخوف أمران هما كجناحي الطائر، فالطائر يطير بجناحين، والسائر إلى الله لا بد له من جناحين يسير بهما إلى الله وإلى جنته، جناح خوف وجناح رجاء، فلا بد للمؤمن أن يجمع بين الخوف وبين الرجاء.
وقد نقل ابن القيم عن أبي علي الرُّوذْبَارِيِّ قوله: «الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ كَجَنَاحَيِ الطَّائِرِ إِذَا اسْتَوَيَا اسْتَوَى الطَّيْرُ وَتَمَّ طَيَرَانُهُ، وَإِذَا نَقَصَ أَحَدَهُمَا وَقَعَ فِيهِ النَّقْصُ، وَإِذَا ذَهَبَا صَارَ الطَّائِرُ فِي حَدِّ الْمَوْتِ» (^٢).
والذي يُغلّب هذا على هذا قد يقع في الخلل والمحظور، فأسماء الله حينما تتأملها قد تملأ قلبك برجائه، أو تملؤُه بخوفه، فحينما تتأمل القوي، القهار، الجبار، المنتقم تخاف الله، وحينما تتأمل اسم الله الحليم، الكريم، العفو، التواب، تملأ قلبك رجاء به ﷾.
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٣٧).
(٢) انظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٣٧).
[ ٨٧ ]
فينبغي على المؤمن أن يكون قلبه جامعًا بين الخوف من الله وبين رجاء الله، وتأمُلِ ثوابه، وتأمُلِ مغفرته ورحمته وجنته ﷾.
المسألة الرابعة: إذا تقرر أن رجاء الله عبادة، فإن رجاء غير الله ﷿ له أحوال، فليس كل رجاء من غير الله ﷿ يكون محرمًا أو يكون شركًا، وإنما رجاء غير الله له أحوال:
١. الرجاء الطبيعي: كأن ترجو أحدًا يَملك، فتقول مثلًا: أرجو منك أن تفعل كذا، فهذا رجاء لا بأس به؛ لأنه رجاء طبيعي في أمر يقدر عليه الإنسان.
٢. أن ترجو نفع الأسباب مع تعلق قلبك بالله: كأن تذهب إلى طبيب وقلبك متعلق بالله أنه هو الشافي، فيعطك دواء، فترجو أن ينفع هذا الدواء بإذن الله، فأنت ترجو أن ينفع السبب، مع تعلقك بالله ﷾، فهذا لا إشكال فيه، كمن يذهب من المرضى لطبيب، مع علمه واعتقاده أن الشفاء بيد الله ﷿، ولذلك فهو قد ذهب لطبيبٍ معين دون غيره لا باعتقاده أن الشفاء منه، إنما من الله، لكنه يرجو أن ينفع السبب والتداوي بإذن الله.
٣. الرجاء المحرّم: وهو أن ترجو مخلوقًا أن ينفع، أو أن يدفع، أو أن تتوقع الأمل والتيسير والخير والفرج من قبرٍ أو من رجل صالح من الأولياء، ولا يقدر أن ينفع نفسه، فضلًا عن أن ينفع غيره فإن ذلك شرك أكبر.
وذلك: لأنك ما رجوت غير الله بمثل هذه الأمور إلا وقد وقع في قلبك تعظيمه، واعتقاد أنه ينفع ويدبر مع الله ﷾، فأنت صرفت عبادة الرجاء لغير الله، وهذا هو الشرك.
وجماع القول: أن رجاء الله تعالى عبادة وقربة، وما خاب من رجى ربه، فعلق القلب به فهو الذي بيده تدبير الأمور كلها، وارج خير الدنيا والآخرة بتعلقك به، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ١١٠).
[ ٨٨ ]