* ذكر المؤلف هنا ثلاث عبادات، ونتكلم عن كل واحدة منهن:
الأولى: الرغبة: هي إرادة الشيء بالحرص عليه.
قال المناوي: «الرّغبة إرادة الشيء مع حرص عليه، فإذا قيل: رغب فيه وإليه اقتضى الحرص عليه، وإذا قيل رغب عنه، اقتضى صرف الرّغبة عنه والزّهد فيه» (^١).
والمراد: أن الرغبة محبة الوصول إلى الأمر المحبوب.
والعبد يجب عليه أن يرغب إلى الله تعالى، ويطلب ما عنده بحرص، ولا يكون بطلبه غير راغب، وفرق بين من يدعو برغبة، ومن يدعو بدونها، فالأول طامع فيما عند الله، والآخر مستغن عما عند الله.
والله تعالى كريم، إذا رأى عبده أتاه راغبًا أعطاه فوق ما يريد، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: «عَجِبَ رَبُّنَا ﷿ مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ، مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿، فَانْهَزَمُوا، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ مِنَ
_________________
(١) انظر: «التوقيف على مهمات التعاريف» للمناوي (١٧٩).
[ ٩٣ ]
الْفِرَارِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، فَيَقُولُ اللهُ ﷿ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَرَهْبَةً مِمَّا عِنْدِي، حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ» (^١).
واعلم أن الرغبة لها علاقة بالرجاء، فالذي يرجو الله تعالى هو راغب فيما عنده، إلا أن الرغبة أرفع، قال ابن القيم: «الرَّجَاءُ طَمَعٌ، وَالرَّغْبَةُ طَلَبٌ، فَهِيَ ثَمَرَةُ الرَّجَاءِ» (^٢).
خلاصة القول: أن الرغبة فيما عند الله عبادة وقربة، وبقدر ما ترغب فيما عنده، وتفتقر إليه يعطيك، والدافع للرغبة علمك بغنى ربك، وقرب إجابته لمطلوبك.
ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى … وإلى الّذي يعطي الرّغائب فارغب
وفي المقابل فكونك ترغب لغير الله، بمعنى أن تتوجه للمخلوق بكليتك، فتعتمد عليه في تلبية مطلوبك، وتعتقد أنه قادرٌ على تلبية حوائجك من دون الله، فهذا شركٌ، لأنك أشركت مع الله غيره في هذه العبادة.
والدليل على كون الرغبة عبادة قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (الشرح: ٨).
• العبادة الثانية: الرهبة: وهي ضد الرغبة، فهي: الصدق في الخوف، فالصادق في الخوف هو راهب، وهذا معنى قول الراغب: الرّهبة والرّهب مخافة مع تحرّز واضطراب.
_________________
(١) أخرجه «أحمد» (٧/ ٦٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٦/ ٢٩٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٢٧٦)، وصححه الألباني في «المشكاة» (١/ ٣٩٢).
(٢) انظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٥٥).
[ ٩٤ ]
والمراد: أن العبد ينبغي أن يكون راهبًا من ربه سبحانه، يحدوه لذلك علمه بقدرة الله، وشدة بطشه بمن تعدى أوامره، وأنه سبحانه كما أنه غفور رحيم، فكذلك هو شديد العقاب، ولذا أمر عباده برهبته وحده فقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.
وهاتان العبادتان -الرغبة، والرهبة- جمع الله بينهما في آية واحدة، فحينما ذكر الدعوات التي دعا بها الأنبياء فأجيبت دعوتهم، قال بعد ذلك ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء: ٩٠).
فالمؤمن الموحِّد هو الذي يرغب إلى ربه، ويرهب من ربه، فيجمع بين الخوف، والرجاء، ويجمع بين الرهبة والرغبة، وهذه صفة الأنبياء.
فإن قال قائل: كيف لي أن أجمع بين الخوف والرجاء؟ وبين الرغبة إلى الله والرهبة منه؟!
= الجواب: لا تنافي بينهما، فأنت -ولله المثل الأعلى- قد تخاف من مخلوق، وترجو ما عنده، والله ﷿ أعظم وأجل، وهو الذي قال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (الذاريات: ٥٠)، فأنت تفرّ من عذاب الله إلى جنته ورحمته.
لكنك ينبغي أن تُغَلِّب جانب الرغبة، وجانب الرجاء عند الطاعة؛ لكي تنشط لها، وتُؤمل في قبولها، وتُغلبها كذلك عند الموت؛ لحديث: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ ﷿» (^١).
وتُغَلِّبُ جانب الرهبة، وجانب الخوف إذا هممت بمعصية، فتتذكر ما عند الله من العقوبة، حتى ترهب من ربك سبحانه، فلا تقع في ذنب من الذنوب.
وإذا عرفت أن الرغبة والرهبة عبادة فإنها لا تكون عبادة كاملة، إلا إذا
_________________
(١) أخرجه «مسلم» (٢٨٧٧) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ.
[ ٩٥ ]
صحِبها تعظيم، وذل واجلال لله ﷿، فحينها يتقرب العبد إلى ربه بخوفه منه ورهبته منه، ويتقرب العبد لربه برغبته بما عنده.
وما أجمل أن يستصحب الداعي وهو يرفع يديه رغبته فيما عند ربه، ورهبته من ردّ دعواته بسبب تقصيره وعصيانه، فإن ذلك سبب لقبول دعاءه، وهو بهذا يتعبد لربه.
• العبادة الثالثة: الخشوع: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء: ٩٠).
والخشوع: قيل: هو قيام القلب بين يدي الرّبّ بالخضوع والذّلّ.
وقيل: هو الذل والتواضع لله سبحانه تعالى، ولعل هذا أقرب، فإن الخشوع في القرآن ورد على معانٍ منها:
١ - الذل، كما في قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ (طه: ١٠٨)، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ (الغاشية: ٢).
٢ - التواضع، كما في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٥).
فأنت تذل لله ﷾، وتتواضع لعظمته، وتكون خاشعًا أمام الله، خاشعًا في صلاتك، وفي دعائك، وفي حياتك كلها، ذليلًا متطامنًا، لا تترفع، ولا تتكبر؛ لأنك عبد ضعيف لله ﷾.
وهذا هدي المسلم، تجده مستكينًا لله ﷿، خاشعًا له ﷿، وهو يتقرب الى الله بخشوعه، فالخشوع لله والتواضع له والتذلل له عبادة يتقرب بها العبد لربه.
وقد عرف الشيخ العثيمين ﵀ الخشوع بأنه: «الذل والتطامن لعظمة الله، بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي» (^١).
_________________
(١) انظر: «شرح الأصول الثلاثة» للعثيمين (ص: ٥٩).
[ ٩٦ ]
قال الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (المؤمنون: ١ - ٢).
وقال أيضًا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٥).
وقال ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: ١٠٩).
وكلها آيات تدل على أن المؤمن ينبغي أن يخشع لله ﷾، وأن يرى الله منه الذل والتواضع، وإذا رأى الله منك التذلل له وعدم التكبر رفعك، قال ﷺ: «الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ» (^١).
قال ابن مسعود ﵁: «من تواضع لله تخشّعا، رفعه الله يوم القيامة، ومن تطاول تعظّما، وضعه الله يوم القيامة» (^٢).
واعلم أن الخشوع الحقيقي ليس خشوع البدن، وإنما خشوع القلب، وليس الخشوع في الصلاة فحسب، بل في سائر الأوقات، ولربما رأيت رجلًا حسن الثياب، جميل الهيئة، لكنه في قلبه من الخشوع الشيء الكثير، والعكس بالعكس، قال علي بن أبي طالب ﵁: «الخشوع في القلب أن تلين كنفك للرّجل المسلم، وأن لا تلتفت في الصّلاة» (^٣).
وقال ابن القيم ذاكرًا بعض صور الخشوع: «الخشوع هو الاستسلام للحكمين: الدّينيّ الشرعيّ، بعدم معارضته برأي أو شهوة، والقدريّ بعدم تلقّيه بالتّسخّط والكراهية والاعتراض.
والاتّضاع لنظر الحقّ، وهو اتّضاع القلب والجوارح، وانكسارها لنظر الرّبّ إليها، واطّلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح، وخوف العبد
_________________
(١) أخرجه «مسلم» (٢٦٢٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر: «الزهد» للإمام وكيع بن الجراح (٢/ ٤٦٧).
(٣) انظر: «الزهد» للإمام وكيع بن الجراح (٢/ ٥٩٩).
[ ٩٧ ]
الحاصل من هذا يوجب له خشوع القلب لا محالة، وكلّما كان أشدّ استحضارا له كان أشدّ خشوعا، وإنّما يفارق الخشوع القلب إذا غفل عن اطّلاع الله عليه ونظره إليه» (^١).
* وممّا يورث الخشوع:
١. النظر في آفات نفسك، وعملك: وهذا المعنى يجعل القلب خاشعا لا محالة، لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما: من الكبر، والعجب، والرّياء، وضعف الصّدق، وقلّة اليقين، وتشتّت النّيّة وعدم إيقاع العمل على وجه يرضاه الله تعالى وغير ذلك من عيوب النّفس.
٢. رؤية كلّ ذي فضل عليك: وهو أن تراعي حقوق النّاس فتؤدّيها، ولا ترى أنّ ما فعلوه فيك من حقوقك عليهم، فلا تعارضهم عليها؛ فإنّ هذا من رعونات النّفس وحماقاتها، ولا تطالبهم بحقوق نفسك، وتعترف بفضل ذي الفضل منهم وتنسى فضل نفسك (^٢).
أما من ذل وخشع لغير الله ﷿، باعتقاد أن هذا المخلوق يستحق التعظيم والذل والتواضع له، فإنه قد وقع بالشرك.
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٥١٨) بتصرف.
(٢) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٥٦٠ - ٥٦١) بتصرف.
[ ٩٨ ]