* أول عبادة ذكرها المؤلف عبادة الدعاء، والكلام عليها في ست مسائل:
المسألة الأولى: الدعاء عبادة عظيمة، وهو من أشرف أنواع العبادة لله تعالى، فليس للعبد غنى عن الله ﷾، فأنت ترى المهموم يتوجه للحي القيوم سبحانه فتتفرج بإذن الله كرباته، وترى المريض يتوجه له فيشفيه، وترى العقيم يقصده بالمسألة فيرزقه، والمهموم يقصده فيزيل الله همه، والمديون يتوجه لله ﷿، فيجيبه الله ﷿ ويسدّ حاجته.
لذا على المسلم أن يتوجه بكليته إلى الدعاء، وهو في ربحٍ مع الله ﷿ مطلقًا، فهو حين يدعو لن يخرج عن أحد أحوالٍ ثلاث:
١. أن تجاب دعوته.
٢. أن يدّخر له ثوابها.
٣. أن يردّ عنه من السوء مثلها، كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا: «ما عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صرفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ» (^١).
_________________
(١) أخرجه «أحمد» (٣٧/ ٤٤٨)، و«الترمذي» (٣٥٧٣)، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٦٣٧).
[ ٧٧ ]
المسألة الثانية: ذكر أهل العلم أن للدعاء نوعان:
١ - دعاء المسألة. ٢ - ودعاء العبادة.
* فأما دعاء المسألة: فهو ما صُدِّرَ بياء النداء: مثل (يا الله، يا أرحم الراحمين)، مثل أن يقول: أعطني كذا، ارزقني كذا، يسر لي كذا، فقد طلب شيئًا ينفعه، أو طلب دفع شيء يضره.
* والنوع الثاني دعاء العبادة: هو أفعال وأفراد التعبدات التي تكون باللسان، وبالأفعال، ويدخل فيه جميع أنواع الطاعات والقربات، كالصلاة والصيام والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك، فالمتعبِّد لله بالأعمال الصالحة أعظم مطلوبة فيها أن يدخله الله ﷿ الجنة، فأنت حينما تصلي فكأنما تدعو الله ﷿ أن يدخلك الجنة بفضله سبحانه وبرحمته؛ لأن الذي يتعبد لله ﷿ بالصلاة أو الصيام أو بالحج أو بغير ذلك، لو سألته لِمَ تفعل ذلك؟ لكان قلبه ناطقًا، ولسانه ناطقًا أيضًا، بأن مقصده في ذلك أنه يبحث عن رضى الله ﷿، وعن نيل ثوابه، وعن السلامة من عقابه، فهذا دليل على أن العبادات كلها إذا فعلها الإنسان على وجه التذلل والتضرع أنها تكون عبادات لله ﷾.
وكلا الأمرين -دعاء العبادة ودعاء المسألة- لا يجوز أن يصرفا لغير الله ﷿، فالأول سؤالٌ باللسان، والثاني سؤالٌ بالحال.
المسألة الثالثة: الدعاء إنما يكون دعاءً إذا كان على وجه التذلل والخضوع، ومن الأسفل للأعلى، أما من يدعو بتكبر، أو أنه يطلب من أحدٍ دونه، كمن يطلب من ولده، فهذا لا يسمى دعاء.
المسألة الرابعة: حين يتوجه العبد لغير الله بالدعاء، فيرفع يديه ويطلب قبرًا، أو رجلًا صالحًا وليًا، أو غير ذلك، فإن هذا دليل على سوء ظنه بالله، وعلى إشراكه به، فكيف يطلب غير الله؟! وهو يعلم أن الخزائن
[ ٧٨ ]
كلها من عند الله، بل حتى المشركين يعلمون أن الخزائن من عند الله، وأن الرزق من عنده سبحانه، فوا عجبًا لأمرِئٍ يعلم أن الله بيده الرزق، وبيده الجنة، وبيده النار، وبيده كل شيء من أمور الدين والدنيا، ثم تجده يرفع يديه عند قبر، أو عند ولي، أو عند شجرة، أو غير ذلك، ويدعو غير الله ﷾.
المسألة الخامسة: إذا عرفت أن الدعاء لله ﷿ عبادة، فدعاء غيره ﷾ شرك، ويدخل في دعاء الشرك صور ثلاث:
الصورة الأولى: أن يدعو ميتًا، فيقول مثلًا عند رجل صالح، أو عند قبر، أو غير ذلك: يا ولي فلان ارزقني ولدًا، يسّر لي وظيفة، ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله ﷿، ولو كان ناطقًا للشهادتين، لأنه خالف مقتضاها.
ويلحق بذلك كل من دعا غائبًا؛ لأنه ما دعا الغائب إلا لاعتقاده أن له تصرفًا وتدبيرًا في الكون، كمن يدعو رجلًا لكنه في أقصى الأرض، وهو لا يسمع! أو يدعو جنّيًا أو غير ذلك فهذا من الشرك الأكبر.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: «فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام، إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون: لا إله إلا الله وهم مشركون، ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا» (^١).
الصورة الثانية: دعاءُ الميت بالشفاعة، بأن يقول لرجل ميت: يا ولي فلان اشفع لي عند الله أن يعطيني كذا: فهذا أيضًا لا يجوز؛ لأنه طلبٌ
_________________
(١) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص: ١٨٦).
[ ٧٩ ]
للشفاعة بالإشراك، وقد قال الله ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سبأ: ٢٢ - ٢٣).
والمشركون لما قيل لهم لم تدعون غير الله؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، ومع ذلك فلا يجوز لأحدٍ أن يدعو الميت أن يشفع له عند الله، فإن الله صانعٌ ما شاء لا مكره له.
الصورة الثالثة: وهي ليست بشركية ولكنها محرمة: أن يدعو الله بجاه رجل صالح، فيقول: أسألك يا رب بجاه محمد ﷺ أو بجاه فلان الصالح، فإن هذا لا يجوز، ولم نقل بأنه شرك؛ لأنه دعا الله ﷾.
ولكن لم نقل بأنه يجوز؛ لأن الصحابة ما فعلوه، ولأن النبي ﷺ ما أمر الصحابة أن يفعلوه، وإنما على العبد أن يتوجه إلى الله ﷾، ويخلص قصده إليه ويرفع إليه يديه، فهو الذي قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (غافر: ٦٠)، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: ١٨٦).
المسألة السادسة: استدل المصنف لكون الدعاء عبادة بحديث أنس ﵁ مرفوعًا «الدعاء مخ العبادة» (^١).
قال الحكيم الترمذي: «إِنَّمَا صَار مخا لَهَا لِأَنَّهُ تبرؤ من الْحول وَالْقُوَّة واعتراف بِأَنْ الْأَشْيَاء كلهَا لَهُ» (^٢).
لكن الحديث ضعيف، فيه ابن لهيعة (^٣)، ولذا قال الترمذي: هذا حديث
_________________
(١) أخرجه «الترمذي» (٣٣٧١)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٢٩٣)، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٠٠٣).
(٢) انظر: «نوادر الأصول في أحاديث الرسول ﷺ» للحكيم الترمذي (٢/ ١١٣).
(٣) هوعبد الله ابن لهيعة ابن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري القاضي صدوق، خلط بعد احتراق كتبه ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما وله في مسلم بعض شيء مقرون، انظر: «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص: ٣١٩).
[ ٨٠ ]
غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
وأصح منه حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة» (^١) أخرجه الخمسة إلا النسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
* خلاصة الكلام في الدعاء: أن تعلم أنه عبادة، وصرفه لغير الله تعالى شرك، فتوجه بدعائك لمن بيده كل شيء، وأنت بدعائه تتعبد له، وتطلب الأمور ممن بيده مقاليد الأمور.
فجرب إذا أغلقت عليك الأبواب وادلهمت عليك الأمور، أن تنخلع من علائق الناس، ومن فلان وفلان، وتتوجه بصدق وإخلاص ويقين الى الله، وسترى أن الله ﷿ على كل شيء قدير، يجيب من أخلص في دعائه.
_________________
(١) أخرجه «أحمد» (٣٠/ ٢٩٨)، و«أبو داود» (١٤٧٩)، والنسائي في «الكبرى» (١٠/ ٢٤٤)، و«الترمذي» (٢٩٦٩)، و«ابن ماجه» (٣٨٢٨)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٤٠٧).
[ ٨١ ]