* قوله: (وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشيةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا. كُلُّهَا للهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. فَمَنْ صرفَ مِنْهَا شيئًا لِغَيْرِ اللهِ؛ فَهُوَ مُشركٌ كَافِرٌ؛ وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]).
* الكلام على هذه الجملة في مسألتين:
المسألة الأولى: ذكر المصنف أنواعًا من العبادة إجمالًا، وليس ذلك منه للحصر، وإنما للتمثيل، وسيتكلم على كل واحدةٍ منها بدليلها.
وهذه العبادات التي ذكرها كلها قلبية، ولم يذكر العبادات البدنية، ولعل ذلك لأمرين:
١. خفاءُ أمر العبادات القلبية، مما يجعل صرفها لغير الله أكثر من غيرها، من حيث الجهل بوجوب التوحيد فيها، ومن حيث عدم ظهورها غالبًا، فلا يتنبه لها، بخلاف العبادات البدنية، قولية أو فعلية، فإن الإشراك فيها أقل، وإذا وقع فهو ظاهر.
٢. أن مدار العبادات القلبية على القلب، فإذا تعلق القلب بغير الله توكلًا ورهبة ورغبة ورجاء وخوفًا ونحو ذلك فسد القلب، ولم تنفعه العبادات البدنية، فلأهمية العبادات القلبية ذكرها هنا.
[ ٧٤ ]
المسألة الثانية: ذكر المؤلف دليلين على أن من صرف شيئًا من العبادات لغير الله فقد وقع في الشرك، وهما:
١. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨).
وقوله: ﴿الْمَسَاجِدَ﴾، إما أن يراد بها المواضع التي بنيت لعبادة الله، وإما أن يراد بها الأعضاء التي خلقها ﷿ فليس لأحد أن يدعو مع الله غيره من خلقه.
إذن فمعنى الآية: أن المساجد كلها لله، فلا يجوز أن يقصد بها أحدٌ غير الله، وسواء أريد بالمساجد أعضاء السجود، أو المواضع التي بنيت للعبادة.
٢. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٧).
ومعنى الآية يتبين بما قبلها، وهي قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون: ١١٦)، فإنه سبحانه لما قرر أنه الملك الحق لا إله إلا هو، قال بعدها أن من ادعى إلها آخر فقد ادعى باطلًا لا برهان له فيه، وكل ما لا برهان فيه لا يجوز إثباته، ثم ذكر أن من قال بذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (المؤمنون: ١١٧)، قال بعض المفسرين (^١): «إِنَّ عِقَابَهُ بَلَغَ إِلَى حَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى حِسَابِهِ إِلَّا اللَّه تَعَالَى» (^٢).
_________________
(١) القائل هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن التيمي الرازي، الملقب بفخر الدين، ولد في الري بطبرستان، أخذ العلم عن كبار علماء عصره، ومنهم والده، حتى برع في علوم شتى واشتهر، وكان عالمًا في التفسير وعلم الكلام والفلك والفلسفة وعلم الأصول وفي غيرها، له مؤلفات عدة، غير أنه كان على مذهب المعتزلة، بل من رؤوسهم، توفي سنة (٦٠٦ هـ)، واختُلف في سبب وفاته، وقيل مات مسمومًا.
(٢) انظر: «مفاتيح الغيب» للرازي (٢٣/ ٣٠٠).
[ ٧٥ ]
واعلم أن كل من دعا غير الله فليس له برهان على ذلك، بل دلت البراهين على بطلان ما ذهب إليه.
والخلاصة: أن من دعا غير الله مع الله فقد وقع في الشرك، وقد كان أهل مكة يدعون الله ولكنهم يدعون غير الله تعالى معه، فعدّ صنيعهم شركًا.
فالمراتب ثلاث:
١ - عبدٌ يَعبد اللهَ وحده: فهذا هو الموحد.
٢ - وعبدٌ يَعبدُ غير الله مطلقًا: فهذا كافر لم يسلم ولم يتعبد لله ﷿.
٣ - وعبدٌ يَعبدُ الله ويعبدُ معه غيره: فهذا هو المشرك.
[ ٧٦ ]