يُقَال لَهُم لم زعمتم أَن الْبَارِي سُبْحَانَهُ ثَلَاثَة أقانيم دون أَن تَقولُوا إِنَّه أَرْبَعَة وَعشرَة وَأكْثر من ذَلِك فَإِن قَالُوا من قبل أَنه قد ثَبت أَن الْبَارِي سُبْحَانَهُ مَوْجُود جَوْهَر وَثَبت أَنه حَيّ وَأَنه عَالم فَوَجَبَ أَنه جَوْهَر وَاحِد ثَلَاثَة أقانيم مِنْهَا الْجَوْهَر الْمَوْجُود وَمِنْهَا الْعلم والحياة لِأَن الْحَيّ الْعَالم لَا يكون حَيا عَالما حَتَّى يكون ذَا حَيَاة وَعلم فَوَجَبَ أَن الأقانيم ثَلَاثَة فَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم من أَن تكون الأقانيم أَرْبَعَة لأننا نقُول إِن الْقَدِيم مَوْجُود حَيّ عَالم قَادر والقادر لَا بُد لَهُ من قدرَة فَوَجَبَ أَن تكون الأقانيم أَرْبَعَة
فَإِن قَالُوا الْقُدْرَة هِيَ الْحَيَاة فهما أقنوم وَاحِد قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون الْعلم هُوَ الْحَيَاة فَوَجَبَ أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ أقنومين
فَإِن قَالُوا قد ينقص الْعلم وَيزِيد وَيُوجد ويعدم والحياة بَاقِيَة بِحَالِهَا فَوَجَبَ أَن يكون الْعلم لَيْسَ من معنى الْحَيَاة فِي شَيْء قيل لَهُم فَكَذَلِك قد تنقص الْقُدْرَة وتزيد وتعدم جملَة ثمَّ تُوجد والحياة بِحَالِهَا فَوَجَبَ أَن تكون الْقُدْرَة غير الْحَيَاة وَبِخِلَاف مَعْنَاهُ
[ ٩٨ ]
فَإِن قَالُوا قد يبطل الْعلم جملَة فِي حَالَة النّوم والغشي وَالْإِنْسَان حَيّ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ قد تبطل الْقُدْرَة جملَة حَتَّى لَا يقدر الْإِنْسَان على تَحْرِيك يَده أَو لِسَانه أَو إِيمَاء بعض جوارحه وَهُوَ حَيّ فِي تِلْكَ الْحَال فَوَجَبَ أَن تكون الْقُدْرَة غير الْحَيَاة وَأَن الأقانيم أَرْبَعَة
فَإِن قَالُوا دُخُول حرف الْمُبَالغَة فِي صفة الْعَالم فِي قَوْلنَا عَالم وَأعلم مِنْهُ واستحالة الْمُبَالغَة فِي صفة الْحَيّ والتفضيل بَين الْحَيَّيْنِ دَلِيل على أَن الْعلم لَيْسَ من الْحَيَاة فِي شَيْء قيل لَهُم فَقولُوا لأجل هَذَا بِعَيْنِه إِن الْقُدْرَة غير الْحَيَاة لأننا قد نبالغ فِي صفة الْقَادِر ونقول قَادر وأقدر مِنْهُ وَلَا نقُول حَيّ وَأَحْيَا مِنْهُ فَوَجَبَ أَن تكون الْقُدْرَة غير الْحَيَاة
وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن تكون الأقانيم خَمْسَة وَعشرَة لأننا نقُول إِن الْبَارِي مَوْجُود حَيّ عَالم قَادر ونقول إِنَّه مُرِيد وباق وَسميع وبصير ومتكلم وَالْبَاقِي السَّمِيع الْبَصِير الْمُتَكَلّم المريد لَا يكون كَذَلِك إِلَّا لوُجُود بَقَاء وَإِرَادَة وَسمع وبصر وَكَلَام
فَإِن قَالُوا الْبَقَاء هُوَ هُوَ قيل لَهُم والحياة وَالْعلم هما هُوَ فَقولُوا إِنَّه أقنوم وَاحِد
فَإِن قَالُوا الْكَلَام والإرادة فعل من أَفعَال الْمُتَكَلّم المريد قيل لَهُم وَكَذَلِكَ الْعلم فعل من أَفعَال الْعَالم فَقولُوا إِنَّه أقنومان
فَإِن قَالُوا قد يعلم بِالْعلمِ من لم يَفْعَله قيل لَهُم وَقد يُرِيد بالإرادة وَيتَكَلَّم بالْكلَام من لَا يَفْعَله وَكَذَلِكَ إِن قَالُوا سمع الْبَارِي سُبْحَانَهُ وبصره هُوَ نفس علمه فَوَجَبَ أَنَّهُمَا لَيْسَ
[ ٩٩ ]
بأقنومين غير الْعلم قيل لَهُم وَكَذَلِكَ علم الْبَارِي سُبْحَانَهُ هُوَ حَيَاته فَوَجَبَ أَن يكون أقنومين وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء من ذَلِك
فَإِن قَالَ مِنْهُم قَائِل الأقنومية إِنَّمَا ثَبت للباري بِصفة ترجع إِلَى نَفسه لَا تعلق لَهَا بِغَيْرِهِ وَهِي كَونه مَوْجُودا وجوهرا يرجع إِلَى نَفسه وَكَونه حَيا يرجع إِلَيْهِ وَلَا تعلق لَهُ بِغَيْرِهِ وَكَونه عَالما بِنَفسِهِ صفة يرجع بهَا إِلَى نَفسه وَإِنَّمَا لَهُ أقنوم بِكَوْنِهِ عَالما بِنَفسِهِ لَا بِغَيْرِهِ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ هُوَ قديم بِنَفسِهِ وَلَيْسَ كل مَوْجُود جوهرا قَدِيما بِنَفسِهِ فَوَجَبَ أَن يكون كَونه قَدِيما أقنوما رَابِعا وَكَذَلِكَ كَونه بَاقِيا صفة هُوَ شَيْء مَوْجُود بِنَفسِهِ وجوهر بِنَفسِهِ فَيجب أَن يكون كَونه شَيْئا مَوْجُودا أقنوما وَكَونه جوهرا أقنوما لِأَنَّهُ لَيْسَ كل مَوْجُود جوهرا يرجع إِلَى نَفسه لَا تعلق لَهُ بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ كل مَوْجُود بَاقِيا فَيجب أَن يكون كَونه بَاقِيا أقنوما خَامِسًا وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك وَفِيه ترك التَّثْلِيث