الْحَمد لله قامع الأباطيل ومدحض الأضاليل وهادي من اختصه برحمته إِلَى سَوَاء السَّبِيل ومضل الناكب عَن النهج الْمُسْتَقيم والحايد عَن واضحات الْحجَج ونيرات الْبَرَاهِين
أَحْمَده حمد معترف بِأَنَّهُ لَا شبه لَهُ يُسَاوِيه وَلَا ضد ينازعه ويناويه وَأَنه مَالك الْخلق ومنشئه ومعيده ومبديه ومفقره ومغنيه وراحمه ومبتليه لَا مَالك فَوْقه يزجره وَلَا قاهر ينهاه ويأمره وَإِن الْخلق جَمِيعًا فِي قَبضته ومتقلبون بمشيئته ومتصرفون بَين حُدُوده ومراسمه وَلَا معقب لحكمه وَلَا راد لأَمره وَلَا اعْتِرَاض لمخلوق فِي قَضَائِهِ وَقدره
وأرغب إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة على خيرته من خلقه مُحَمَّد خَاتم النبين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ كَمَا أوضح السَّبِيل وأنار الدَّلِيل وعَلى إخوانه من الْمُرْسلين وَأهل بَيته الطاهرين وَأَصْحَابه المنتخبين وَمن بعدهمْ من التَّابِعين وأسأله التَّوْفِيق لإصابة مَا بِهِ أمرنَا والاقتداء بالسلف الصَّالح من أمة نَبينَا وصرفنا عَن الْميل إِلَى الحايد عَن ديننَا والطاعن على ملتنا
أما بعد فقد عرفت إِيثَار سيدنَا الْأَمِير أَطَالَ الله فِي دوَام الْعِزّ بَقَاءَهُ وأدام بالتمسك بالتقوى وَلُزُوم الطَّرِيقَة المثلى نعماءه وَمن بإرشاده وهداه وَجعل لَهُ من وافر عقله وحزمه واعظا وَمن علو همته وسؤدده زاجرا ورقيبا وَمن استكانته لرَبه تَعَالَى والخنوع لطاعته سَامِعًا ومطيعا حَتَّى يلْحقهُ اعْتِقَاد فعل الْخَيْر وإيثاره بِأَهْل النجَاة والسلامة ويبلغه بِمَا يتيحه لَهُ من ذَلِك
[ ٢٣ ]
ويوفقه لأقصى منَازِل أهل الزلفة والكرامة لعمل كتاب جَامع مُخْتَصر مُشْتَمل على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْكَشْف عَن معنى الْعلم وأقسامه وطرقه ومراتبه وضروب المعلومات وحقائق الموجودات وَذكر الْأَدِلَّة على حدث الْعَالم وَإِثْبَات محدثه وَأَنه مُخَالف لخلقه وعَلى مَا يجب كَونه عَلَيْهِ من وحدانيته وَكَونه حَيا عَالما قَادِرًا فِي أزله وَمَا جرى مجْرى ذَلِك من صِفَات ذَاته وَأَنه عَادل حَكِيم فِيمَا أنشأه من مخترعاته من غير حَاجَة مِنْهُ إِلَيْهَا وَلَا محرك وداع وخاطر وَعلل دَعَتْهُ إِلَى إيجادها تَعَالَى عَن ذَلِك وَجَوَاز إرْسَاله رسلًا إِلَى خلقه وسفراء بَينه وَبَين عباده وَأَنه قد فعل ذَلِك وَقطع الْعذر فِي إِيجَاب تصديقهم بِمَا أبانهم بِهِ من الْآيَات وَدلّ بِهِ على صدقهم من المعجزات وجمل من الْكَلَام على سَائِر أهل الْملَل الْمُخَالفين لملة الْإِسْلَام من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَأهل التَّثْنِيَة وَأَصْحَاب الطبائع والمنجمين
ونعقب ذَلِك بِذكر أَبْوَاب الْخلاف بَين أهل الْحق وَأهل التجسيم والتشبيه وَأهل الْقدر والاعتزال والرافضة والخوارج وَذكر جمل من مَنَاقِب الصَّحَابَة وفضائل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَإِثْبَات إمامتهم وَوجه التَّأْوِيل فِيمَا شجر بَينهم وَوُجُوب مُوَالَاتهمْ وَلنْ آلو جهدا فِيمَا يمِيل إِلَيْهِ سيدنَا الْأَمِير حرس الله مهجته وَأَعْلَى كَعبه من الإختصار وتحرير الْمعَانِي والأدلة والألفاظ وسلوك طَرِيق العون على تَأمل مَا أودعهُ هَذَا الْكتاب وَإِزَالَة الشكوك فِيهِ والارتياب وَأَنا بحول الله وقوته أسارع إِلَى امْتِثَال مَا رسمه وأقف عِنْده وَإِلَى الله جلّ ذكره أَرغب فِي حسن التَّوْفِيق والإمداد بالتأييد والتسديد
[ ٢٤ ]
بَاب الْكَلَام فِي حَقِيقَة الْعلم وَمَعْنَاهُ
فَإِن قَالَ قَائِل مَا حد الْعلم عنْدكُمْ قُلْنَا حَده أَنه معرفَة الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن هَذَا الْحَد يحصره على مَعْنَاهُ وَلَا يدْخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا يخرج مِنْهُ شَيْئا هُوَ مِنْهُ وَالْحَد إِذا أحَاط بالمحدود على هَذِه السَّبِيل وَجب أَن يكون حدا ثَابتا صَحِيحا فَكل مَا حد بِهِ الْعلم وَغَيره وَكَانَت حَاله فِي حصر الْمَحْدُود وتمييزه من غَيره وإحاطته بِهِ حَال مَا حددنا بِهِ الْعلم وَجب الِاعْتِرَاف بِصِحَّتِهِ وَقد ثَبت أَن كل علم تعلق بمعلوما فَإِنَّهُ معرفَة لَهُ وكل معرفَة لمعلوم فَإِنَّهَا علم بِهِ فَوَجَبَ تَوْثِيق الْحَد الَّذِي حددنا بِهِ الْعلم وَجَعَلنَا تَفْسِيرا لِمَعْنى وَصفه بِأَنَّهُ علم
فَإِن قَالَ قَائِل فَلم رغبتم عَن القَوْل بِأَنَّهُ معرفَة الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ معرفَة الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ قيل لما قَامَ من الدَّلِيل على أَن الْمَعْلُوم يكون شَيْئا وَمَا لَيْسَ بِشَيْء وَلِأَن الْمَعْدُوم مَعْلُوم وَلَيْسَ بِشَيْء وَلَا مَوْجُود فَلَو قُلْنَا حَده أَنه معرفَة الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ لخرج الْعلم بِمَا لَيْسَ بِشَيْء من المعلومات المعدومات عَن أَن يكون علما وَذَلِكَ مُفسد لَهُ فَوَجَبَ صِحَة مَا قُلْنَاهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
[ ٢٥ ]
بَاب الْكَلَام فِي أَقسَام الْعُلُوم
فَإِن قَالَ قَائِل فعلى كم وَجه تَنْقَسِم الْعُلُوم قيل لَهُ على وَجْهَيْن فَعلم قديم وَهُوَ علم الله ﷿ وَلَيْسَ بِعلم ضَرُورَة وَلَا اسْتِدْلَال وَعلم مُحدث وَهُوَ كل مَا يعلم بِهِ المخلوقون من الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس وَغَيرهم من الْحَيَوَان
بَاب فِي أَقسَام الْعلم الْمُحدث
فَإِن قَالَ قَائِل فعلى كم وَجه تَنْقَسِم عُلُوم المخلوقين قيل لَهُ على قسمَيْنِ فقسم مِنْهَا علم ضَرُورَة وَالثَّانِي مِنْهَا علم نظر واستدلال
وَهَذِه الثَّلَاثَة الْعُلُوم الَّتِي وصفناها غير مُخْتَلفَة فِيمَا لَهُ يكون الشَّيْء علما من كَونهَا معرفَة للمعلوم على مَا هُوَ بِهِ وَقد تقدم القَوْل فِي إِيضَاح ذَلِك
بَاب الْعلم الضَّرُورِيّ
فَإِن قيل فَمَا معنى وصفكم للضروري مِنْهَا بِأَنَّهُ ضَرُورِيّ على مواضعة الْمُتَكَلِّمين قيل لَهُ معنى ذَلِك أَنه علم يلْزم نفس الْمَخْلُوق لُزُوما لَا يُمكنهُ مَعَه الْخُرُوج عَنهُ وَلَا الانفكاك مِنْهُ وَلَا يتهيأ لَهُ الشَّك فِي مُتَعَلّقه وَلَا الارتياب بِهِ وَحَقِيقَة وَصفه بذلك فِي اللُّغَة أَنه مِمَّا أكره الْعَالم بِهِ على وجوده
[ ٢٦ ]
لِأَن الِاضْطِرَار فِي اللُّغَة هُوَ الْحمل وَالْإِكْرَاه وَهُوَ الإلجاء وكل هَذِه الْأَلْفَاظ بِمَعْنى وَاحِد فَلَا فرق عِنْدهم بَين قَول الْقَائِل اضطره السُّلْطَان إِلَى تَسْلِيم مَاله وَبيع عقاره وَبَين قَوْله أكرهه على ذَلِك وَحمله عَلَيْهِ وألجأه إِلَيْهِ فَالْوَاجِب بِمَا وصفناه أَن يكون مَا قُلْنَا هُوَ معنى وصف الْعلم وَغَيره بِأَنَّهُ ضَرُورَة
وَقد يُوصف الْعلم وَغَيره من الْأَجْنَاس بِأَنَّهُ ضَرُورَة على معنى أَن الْعَالم بِهِ مُحْتَاج إِلَيْهِ لِأَن الضَّرُورَة فِي اللُّغَة تكون بِمَعْنى الْحَاجة يدل على ذَلِك قَوْلهم فلَان مُضْطَر إِلَى تكفف النَّاس وسؤالهم يعنون أَنه مُحْتَاج إِلَى ذَلِك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد﴾ وَقَوله ﴿إِلَّا مَا اضطررتم إِلَيْهِ﴾ وَهُوَ الَّذِي يُريدهُ الْمُسلمُونَ بقَوْلهمْ إِن الْمُضْطَر إِلَى أكل الْميتَة قد أُبِيح لَهُ أكلهَا يعنون بِهِ الْمُحْتَاج إِلَى ذَلِك فَكل مُحْتَاج إِلَى علم أَو غَيره من الْأَجْنَاس فَهُوَ مُضْطَر إِلَى مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ
بَاب الْعلم النظري
فَإِن قيل فَمَا معنى تسميتكم للضرب الآخر مِنْهَا علم نظر واستدلال قيل لَهُ مرادنا بذلك أَنه علم يَقع بعقب اسْتِدْلَال وتفكر فِي حَال المنظور فِيهِ أَو تذكر نظر فِيهِ فَكل مَا احْتَاجَ من الْعُلُوم إِلَى تقدم الْفِكر والروية وَتَأمل حَال الْمَعْلُوم فَهُوَ الْمَوْصُوف بقولنَا علم نَظَرِي
[ ٢٧ ]
وَقد يَجْعَل مَكَان هَذِه الْأَلْفَاظ لَام نقل الْعلم النظري هُوَ مَا بني على علم الْحس والضرورة أَو على مَا بني الْعلم بِصِحَّتِهِ عَلَيْهِمَا وَمعنى قَوْلنَا فِي هَذَا الْعلم إِنَّه كسبي أَنه مِمَّا وجد بالعالم وَله عَلَيْهِ قدرَة محدثة وَكَذَلِكَ شَيْء شركه فِي ذَلِك أَعنِي الْعلم فِي وجود الْقُدْرَة المحدثة عَلَيْهِ فَهُوَ كسب لمن وجد بِهِ
بَاب الْكَلَام فِي مدارك الْعُلُوم
فَإِن قَالَ قَائِل فَمن كم وَجه يَقع الْعلم بالمعلوم إِذا كَانَ ضَرُورَة قيل لَهُ من سِتَّة طرق فَمِنْهَا الْحَواس الْخمس وَهِي حاسة الْبَصَر وحاسة السّمع وحاسة الذَّوْق وحاسة الشم وحاسة اللَّمْس وقصدنا بِذكر الحاسة هَا هُنَا الْإِدْرَاك الْمَوْجُود بالحواس لَا الْأَجْسَام المؤتلفة على الصُّورَة الَّتِي مَا حصل عَلَيْهَا من الْأَجْسَام سميناه عينا وأنفا وأذنا وفما ويدا
فَكل علم حصل عِنْد إِدْرَاك حاسة من هَذِه الْحَواس فَهُوَ علم ضَرُورَة يلْزم النَّفس لُزُوما لَا يُمكن مَعَه الشَّك فِي الْمدْرك وَلَا الارتياب بِهِ وكل حاسة من هَذِه الْحَواس تخْتَص فِي وقتنا هَذَا على عَادَة جَارِيَة بِإِدْرَاك جنس أَو أَجنَاس
[ ٢٨ ]
فحاسة الرُّؤْيَة تدْرك بهَا الْيَوْم الألوان والأكوان والأجسام وحاسة السّمع يدْرك بهَا الْكَلَام والأصوات وحاسة الشم تدْرك بهَا الأراييح وحاسة الذَّوْق تدْرك بهَا الطعوم وحاسة اللَّمْس وكل عُضْو فِيهِ حَيَاة تدْرك بهَا الْحَرَارَة والبرودة واللين والخشونة والرخاوة والصلابة على قَول من زعم أَن الخشونة والرخاوة واللين والصلابة معَان زَائِدَة تُوجد بالجواهر كالحرارة والبرودة
وَالضَّرْب السَّادِس مِنْهَا ضَرُورَة تخترع فِي النَّفس ابْتِدَاء من غير أَن تكون
[ ٢٩ ]
مَوْجُودَة بِبَعْض هَذِه الْحَواس كعلم الْإِنْسَان بِنَفسِهِ وَمَا يجده فِيهَا من الصِّحَّة والسقم واللذة والألم وَالْغَم والفرح وَالْقُدْرَة وَالْعجز والإرادة وَالْكَرَاهَة والإدراك والعمى وَغير ذَلِك مِمَّا يحدث فِي النَّفس مِمَّا يُدْرِكهُ الْحَيّ إِذا وجد بِهِ وَمِنْه أَيْضا الْعلم الْوَاقِع بِقصد الْمُتَكَلّم إِلَى مَا يقْصد وَمن يَقْصِدهُ بخطابه دون غَيره وَأَنه قَاصد إِلَى اكْتِسَاب مَا يُوجد بِهِ من ضروب مقدوراته من الْكَلَام وَغَيره وَمِنْه أَيْضا الْعلم بِأَن الْأَجْسَام مَتى كَانَت مَوْجُودَة فَلَا بُد من أَن تكون مجتمعة متماسة الأبعاض أَو مفترقة متباينة وَأَن الْخَبَر عَن وجود الشَّيْء وَأَنه على بعض الْأَوْصَاف لَا بُد أَن يكون صدقا أَو كذبا وَأَن الْخَبَرَيْنِ المتضاد مخبرهما لَا يجوز أَن يَكُونَا جَمِيعًا صدقا أَو كذبا وَمَا جرى مجْرى ذَلِك من الْأُمُور المنقسمة فِي الْعقل إِلَى أَمريْن لَا وَاسِطَة بَينهمَا
وَمِنْه أَيْضا الْعلم بخجل الخجل ووجل الوجل وَالْعلم بالشجاعة والجبن وَالْبر والعقوق والتحية والاستهزاء وَالْوَاقِع عِنْد مُشَاهدَة الإمارات وَمِنْه أَيْضا الْعلم المخترع فِي النَّفس بِمَا تَوَاتر الْخَبَر عَن كَونه واستفاض عَن وجوده نَحْو الْعلم الْوَاقِع عِنْد إِخْبَار المخبرين عَن الصين وخراسان وَفَارِس وكرمان وَعَن ظُهُور مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد ﷺ وعَلى جَمِيع
[ ٣٠ ]
النَّبِيين وَالْخَبَر عَن الوقائع والفتن والممالك والدول وَغير ذَلِك من الْأُمُور الْحَاصِل الْخَبَر عَنْهَا من قوم قطع الْعذر نقلهم وَوَجَب الْعلم عِنْد خبرهم
فَكل هَذِه الْعُلُوم الْوَاقِعَة لنا بالمعلومات الَّتِي وصفناها تُوجد مخترعة فِي النَّفس وجدت هَذِه الْحَواس وَمَا يُوجد بهَا من الإدراكات أَو لم تُوجد سوى الْعلم الْوَاقِع عِنْد الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَالْعلم بخجل الخجل ووجل الوجل وَقصد القاصد إِلَى من يَقْصِدهُ وَمَا يَقْصِدهُ بِكَلَامِهِ فَإِنَّهُ وَمَا جرى مجْرَاه فِي وقتنا هَذَا مضمن بِوُجُود الْإِدْرَاك للْخَبَر عَن الْمَعْلُوم بمشاهدة الإمارات الَّتِي عِنْد مشاهدتها يَقع الْعلم بِمَا ذَكرْنَاهُ وَقد يَصح أَن يخترع الله الْعلم بِوُجُود الْمخبر عَنهُ من غير سَماع خبر عَنهُ فِي الزَّمن الَّذِي يَصح فِيهِ خرق الْعَادَات وَإِظْهَار المعجزات وَخُرُوج الْأُمُور عَمَّا هِيَ فِي الْعَادة عَلَيْهِ وتسميتهم الإدراكات الْمَوْجُودَة بالحواس لمسا وذوقا وشما إِنَّمَا جرت عَلَيْهَا على سَبِيل الْمجَاز والاتساع لما بَينه وَبَينهَا من التَّعَلُّق على طريقتهم فِي التَّجَوُّز بإجراء اسْم الشَّيْء على مَا قاربه وناسبه وَتعلق بِهِ ضربا من التَّعَلُّق والإدراك فِي الْحَقِيقَة شَيْء غير اللَّمْس واتصاف سَائِر الْحَواس بالمحسوسات وأماكنها وَغَيره من ضروب الِاتِّصَال
بَاب الْكَلَام فِي الِاسْتِدْلَال
فَإِن قَالَ قَائِل فعلى كم وَجه يَنْقَسِم الِاسْتِدْلَال قيل لَهُ على وُجُوه يكثر تعدادها فَمِنْهَا أَن يَنْقَسِم الشَّيْء فِي الْعقل على قسمَيْنِ أَو أَقسَام يَسْتَحِيل أَن تَجْتَمِع
[ ٣١ ]
كلهَا فِي الصِّحَّة وَالْفساد فَيبْطل الدَّلِيل أحد الْقسمَيْنِ فَيَقْضِي الْعقل على صِحَة ضِدّه وَكَذَلِكَ إِن أفسد الدَّلِيل سَائِر الْأَقْسَام صحّح الْعقل الْبَاقِي مِنْهَا لَا محَالة نَظِير ذَلِك علمنَا باستحالة خُرُوج الشَّيْء عَن الْقدَم وَالْحَدَث فَمَتَى قَامَ الدَّلِيل على حَدثهُ بَطل قدمه وَلَو قَامَ على قدمه لأفسد حَدثهُ
وَمِنْهَا أَن يجب الحكم وَالْوَصْف للشَّيْء فِي الشَّاهِد لعِلَّة مَا فَيجب الْقَضَاء على أَن من وصف بِتِلْكَ الصّفة فِي الْغَائِب فَحكمه فِي أَنه مُسْتَحقّ لَهَا لتِلْك الْعلَّة حكم مستحقها فِي الشَّاهِد لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل قيام دَلِيل على مُسْتَحقّ الْوَصْف بِتِلْكَ الصّفة مَعَ عدم مَا يُوجِبهَا وَذَلِكَ كعلمنا أَن الْجِسْم إِنَّمَا كَانَ جسما لتأليفه وَأَن الْعَالم إِنَّمَا كَانَ عَالما لوُجُود علمه فَوَجَبَ الْقَضَاء بِإِثْبَات علم كل من وصف بِأَنَّهُ عَالم وتأليف كل من وصف بِأَنَّهُ جسم أَو مُجْتَمع لِأَن الحكم الْعقلِيّ الْمُسْتَحق لعِلَّة لَا يجوز أَن يسْتَحق مَعَ عدمهَا وَلَا لوُجُود شَيْء يُخَالِفهَا لِأَن ذَلِك يُخرجهَا عَن أَن تكون عِلّة للْحكم
وَمن ذَلِك أَن يسْتَدلّ بِصِحَّة الشَّيْء على صِحَة مثله وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وباستحالته على اسْتِحَالَة مثله وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهُ كاستدلالنا على إِثْبَات قدرَة الْقَدِيم سُبْحَانَهُ على خلق جَوْهَر ولون مثل الَّذِي خلقه وإحياء ميت مثل الَّذِي أَحْيَاهُ وَخلق الْحَيَاة فِيهِ مرّة أُخْرَى بعد أَن أَمَاتَهُ وعَلى اسْتِحَالَة خلق شَيْء من جنس السوَاد والحركات لَا فِي مَكَان فِي الْمَاضِي كَمَا اسْتَحَالَ ذَلِك فِي جنسهما الْمَوْجُود فِي وقتنا هَذَا
وَقد يسْتَدلّ بتوقيف أهل اللُّغَة لنا على أَنه لَا نَار إِلَّا حارة ملتهبة وَلَا إِنْسَان إِلَّا مَا كَانَت لَهُ هَذِه البنية على أَن كل من خبرنَا من الصَّادِقين بِأَنَّهُ رأى
[ ٣٢ ]
نَارا أَو إنْسَانا وَهُوَ من أهل لغتنا يقْصد إِلَى إفهامنا أَنه مَا شَاهد إِلَّا مثل مَا سمي بحضرتنا نَارا أَو إنْسَانا لَا نحمل بعض ذَلِك على بعض لَكِن بِمُوجب الِاسْم وموضوع اللُّغَة وَوُجُوب اسْتِعْمَال الْكَلَام على مَا استعملوه وَوَضعه حَيْثُ وضعوه
وَقد يسْتَدلّ بالمعجزة على صدق من ظَهرت على يَده لِأَنَّهَا تجْرِي مجْرى الشَّهَادَة لَهُ ويستدل على صدق الْمخبر الَّذِي أخبر عَنهُ النَّبِي ﷺ أَنه لَا يكذب وَكَذَلِكَ يسْتَدلّ بِخَبَر من خبر عَن صدقه صَاحب المعجزة على صدق من أخبر عَنهُ أَنه لَا يكذب
وَقد يسْتَدلّ أَيْضا على بعض القضايا الْعَقْلِيَّة وعَلى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَالْقِيَاس الشَّرْعِيّ المنتزع من الْأُصُول الْمَنْطُوق بهَا وَمَا جرى مجْرى الْقيَاس على الْعلَّة من ضرب الِاجْتِهَاد الَّذِي يسوغ الحكم بِمثلِهِ من الشَّرْع على مَذْهَب القايسين فَكل هَذِه الْأَدِلَّة السمعية جَارِيَة فِي الْكَشْف عَن صِحَة الْقيَاس مجْرى مَا قدمنَا ذكره من الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة وَإِن كَانَ فرعا لأدلة الْعُقُول وقضاياها وَفِيمَا أومأنا إِلَيْهِ من وُجُوه الِاسْتِدْلَال كِفَايَة وتنبيه على مَا أضربنا عَن ذكره
بَاب آخر فِي معنى الدَّلِيل وَالِاسْتِدْلَال
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا معنى الدَّلِيل عنْدكُمْ قيل لَهُ هُوَ المرشد إِلَى معرفَة الْغَائِب عَن الْحَواس وَمَا لَا يعرف باضطرار وَهُوَ الَّذِي ينصب من
[ ٣٣ ]
الأمارات ويورد من الْإِيمَاء والإشارات مِمَّا يُمكن التَّوَصُّل بِهِ إِلَى معرفَة مَا غَابَ عَن الضَّرُورَة والحس وَمِنْه سمي دَلِيل الْقَوْم دَلِيلا وَصمت الْعَرَب أثر اللُّصُوص دَلِيلا عَلَيْهِم لما أمكن معرفَة مكانهم من جِهَته وَمِنْه وسمت الأميال والعلامات المنصوبة والنجوم الهادية أَدِلَّة لما أمكن أَن يتعرف بهَا مَا يلْتَمس علمه
وَإِنَّمَا سمي ناصب الْآيَات والأمارات الَّتِي يُمكن التَّوَصُّل بهَا إِلَى معرفَة الْمَعْلُوم دَلِيلا مجَازًا واتساعا لما بَينه وَبَين الدَّلِيل الَّذِي هُوَ الأمارات والتأثيرات من التَّعَلُّق وَإِنَّمَا الدَّلِيل فِي الْحَقِيقَة هُوَ مَا قدمنَا ذكره من الْأَسْبَاب المتوصل بهَا إِلَى معرفَة الْغَائِب عَن الضَّرُورَة والحواس من الأمارات والعلامات وَالْأَحْوَال الَّتِي يُمكن بهَا معرفَة المستنبطات وَهَذَا الدَّلِيل وَصفنَا حَاله هُوَ الدّلَالَة وَهُوَ الْمُسْتَدلّ بِهِ وَهُوَ الْحجَّة
وَأما الِاسْتِدْلَال وَالنَّظَر فَهُوَ تَقْسِيم الْمُسْتَدلّ وفكره فِي الْمُسْتَدلّ عَلَيْهِ وتأمله لَهُ وَقد يُسمى ذَلِك أَيْضا دَلِيلا وَدلَالَة مجَازًا واتساعا لما بَينهمَا من التَّعَلُّق وَقد تسمى الْعبارَة المسموعة الَّتِي تنبىء عَن اسْتِدْلَال الْقلب وَنَظره وتأمله نظرا واستدلالا مجَازًا واتساعا لدلالتها عَلَيْهِ وَقد ذكرنَا صُورَة الِاسْتِدْلَال بِتَغَيُّر الْأَجْسَام على إِثْبَات صانعها وتقصينا طرفا من الْكَلَام فِي الْأَبْوَاب الَّتِي قدمنَا ذكرهَا فِي كتاب كَيْفيَّة الاستشهاد فِي الرَّد على أهل الْجحْد والعناد بِمَا نستغني بِهِ عَن الترداد
بَاب الْكَلَام فِي أَقسَام المعلومات
جَمِيع المعلومات على ضَرْبَيْنِ مَعْدُوم وموجود فالموجود هُوَ الشَّيْء الثَّابِت الْكَائِن لِأَن معنى الشَّيْء عندنَا أَنه مَوْجُود يدل على ذَلِك قَول أهل
[ ٣٤ ]
اللُّغَة شَيْء إِثْبَات وَقَوْلهمْ لَيْسَ بِشَيْء نفي يبين ذَلِك أَن الْقَائِل يَقُول مَا أخذت من زيد شَيْئا وَلَا سَمِعت مِنْهُ شَيْئا وَلَا رَأَيْت شَيْئا نفي للمذكور وَقَوْلهمْ أخذت شَيْئا وَسمعت شَيْئا وَرَأَيْت شَيْئا إِثْبَات للمذكور وَرُجُوع إِلَى كَائِن مَوْجُود فَوَجَبَ أَن يكون كل مَوْجُود شَيْئا وكل شَيْء مَوْجُودا
والمعدوم مُنْتَفٍ لَيْسَ بِشَيْء فَمِنْهُ مَعْلُوم مَعْدُوم لم يُوجد قطّ يَصح أَن يُوجد وَهُوَ الْمحَال الْمُمْتَنع الَّذِي لَيْسَ بِشَيْء وَهُوَ القَوْل المتناقض نَحْو اجْتِمَاع الضدين وَكَون الْجِسْم فِي مكانين وَمَا جرى مجْرى ذَلِك مِمَّا لم يُوجد قطّ وَلَا يُوجد أبدا وَمِنْه مَعْدُوم لم يُوجد قطّ وَلَا يُوجد أبدا وَهُوَ مِمَّا يَصح وَيُمكن أَن يُوجد نَحْو مَا علم الله أَنه لَا يكون من مقدوراته وَأخْبر أَنه لَا يكون من نَحْو رده أهل الْمعَاد إِلَى الدُّنْيَا وَخلق مثل الْعَالم وأمثال ذَلِك مِمَّا علم وَأخْبر أَنه لَا يَفْعَله وَإِن كَانَ مِمَّا يَصح فعله لَهُ وَمَعْلُوم مَعْدُوم فِي وقتنا هَذَا وسيوجد فِيمَا بعد نَحْو الْحَشْر والنشر وَالْجَزَاء وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَقيام السَّاعَة وأمثال ذَلِك مِمَّا أخبر تَعَالَى أَنه سيفعله وَعلم أَنه سيوجد وَمَعْلُوم آخر هُوَ مَعْدُوم فِي وقتنا هَذَا وَقد كَانَ مَوْجُودا قبل ذَلِك نَحْو مَا كَانَ وتقضى من أحوالنا وتصرفنا من كلامنا وقيامنا وقعودنا الَّذِي كَانَ فِي أمس يَوْمنَا وتقضى وَمضى وَمَعْلُوم آخر مَعْدُوم
[ ٣٥ ]
هُوَ مَقْدُور وَيُمكن أَن يكون وَيُمكن أَن لَا يكون وَلَا يدرى هَل يكون أم لَا يكون نَحْو مَا يقدر الله تَعَالَى عَلَيْهِ مِمَّا لَا نعلم أيفعله أم لَا يَفْعَله نَحْو تَحْرِيك السَّاكِن من الْأَجْسَام وتسكين المتحرك مِنْهَا وأمثال ذَلِك
بَاب الْكَلَام فِي الموجودات
والموجودات كلهَا على ضَرْبَيْنِ قديم وَلم يزل ومحدث لوُجُوده أول
فالقديم هُوَ الْمُتَقَدّم فِي الْوُجُود على غَيره وَقد يكون لم يزل وَقد يكون مستفتح الْوُجُود دَلِيل ذَلِك قَوْلهم بِنَاء قديم يعنون أَنه الْمَوْجُود قبل الْحَادِث بعده وَقد يكون الْمُتَقَدّم بِوُجُودِهِ على مَا حدث بعده مُتَقَدما إِلَى غَايَة وَهُوَ الْمُحدث الْمُؤَقت الْمَوْجُود
وَقد يكون مُتَقَدما إِلَى غير غَايَة وَهُوَ الْقَدِيم جلّ ذكره وصفات ذَاته لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُتَقَدما إِلَى غَايَة يؤقت بهَا فَقَالَ إِنَّه قبل الْعَالم بعام أَو مائَة ألف عَام لأفاد تَوْقِيت وجوده أَنه مَعْدُوم قبل ذَلِك الْوَقْت وَالله يتعالى عَن ذَلِك
[ ٣٦ ]
والمحدث هُوَ الْمَوْجُود من عدم يدل على ذَلِك قَوْلهم حدث بفلان حَادث من مرض أَو صداع إِذا وجد بِهِ بعد أَن لم يكن وَحدث بِهِ حدث الْمَوْت وأحدث فلَان فِي هَذِه الْعَرَصَة بِنَاء أَي فعل مَا لم يكن قبل
بَاب أَقسَام المحدثات
والمحدثات كلهَا تَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام فجسم مؤلف وجوهر مُنْفَرد وَعرض مَوْجُود بالأجسام والجواهر
فالجسم هُوَ الْمُؤلف يدل على ذَلِك قَوْلهم رجل جسيم وَزيد أجسم من عَمْرو إِذا كثر ذَهَابه فِي الْجِهَات وَلَيْسَ يعنون بالمبالغة فِي قَوْلهم أجسم وجسيم إِلَّا كَثْرَة الْأَجْزَاء المنضمة والتأليف لأَنهم لَا يَقُولُونَ أجسم فِيمَن كثرت علومه وَقدره وَسَائِر تصرفه وَصِفَاته غير الِاجْتِمَاع حَتَّى إِذا كثر الِاجْتِمَاع فِيهِ يتزايد أَجْزَائِهِ قيل أجسم وَرجل جسيم فَدلَّ بذلك على أَن قَوْلهم جسم مُفِيد للتأليف
والجوهر هُوَ الَّذِي يقبل من كل جنس من أَجنَاس الْأَعْرَاض عرضا وَاحِدًا لِأَنَّهُ مَتى كَانَ كَذَلِك كَانَ جوهرا
وَمَتى خرج عَن ذَلِك خرج عَن أَن يكون جوهرا
وَالدَّلِيل على إثْبَاته علمنَا بِأَن الْفِيل أكبر من الذّرة فَلَو كَانَ لَا غَايَة لمقادير الْفِيل وَلَا لمقادير الذّرة لم يكن أَحدهمَا أَكثر مقادير من الآخر وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يكن أَحدهمَا أكبر من الآخر كَمَا أمه لَيْسَ بِأَكْثَرَ مقادير مِنْهُ
[ ٣٧ ]
بَاب الْكَلَام فِي الْأَعْرَاض
والأعراض هِيَ الَّتِي لَا يَصح بَقَاؤُهَا وَهِي الَّتِي تعرض فِي الْجَوَاهِر والأجسام وَتبطل فِي ثَانِي حَال وجودهَا وَالدَّلِيل على أَن هَذَا فَائِدَة وصفهَا بِأَنَّهَا أَعْرَاض قَوْله تَعَالَى ﴿تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾ فَسمى الْأَمْوَال أعراضا إِذْ كَانَ آخرهَا إِلَى الزَّوَال والبطلان وَقَول أهل اللُّغَة عرض بفلان عَارض من حمى أَو جُنُون إِذا لم يدم بِهِ ذَلِك وَمِنْه أَيْضا قَول الله تَعَالَى إِخْبَارًا عَن الْكفَّار فِي اعْتِقَادهم فِيمَا أظلهم من الْعَذَاب أَنه عَارض لما اعتقدوا أَنه مِمَّا لَا دوَام لَهُ ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾
بَاب الْكَلَام فِي إِثْبَات الْأَعْرَاض
وَالدَّلِيل على إِثْبَات الْأَعْرَاض تحرّك الْجِسْم بعد سكونه وسكونه بعد حركته وَلَا بُد أَن يكون ذَلِك كَذَلِك لنَفسِهِ أَو لَعَلَّه فَلَو كَانَ متحركا لنَفسِهِ مَا جَازَ سكونه وَفِي صِحَة سكونه بعد تحركه دَلِيل على أَنه متحرك لعِلَّة هِيَ الْحَرَكَة
وَهَذَا الدَّلِيل هُوَ الدَّلِيل على إِثْبَات الألوان والطعوم والأراييح والتأليف والحياة وَالْمَوْت وَالْعلم وَالْجهل وَالْقُدْرَة وَالْعجز وَغير ذَلِك من ضروبها
وَيدل على ذَلِك أَن الْجِسْم لَا يَخْلُو من أَن يكون متحركا لنَفسِهِ أَو لِمَعْنى ويستحيل أَن يكون متحركا لنَفسِهِ لِأَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن
[ ٣٨ ]
لَا يُوجد من جنسه فِي ذَلِك الْوَقْت إِلَّا مَا كَانَ متحركا أَلا ترى أَن السوَاد إِذا كَانَ سوادا لنَفسِهِ لم يجز أَن يُوجد من جنسه مَا لَيْسَ بسواد وَفِي الْعلم بِأَنَّهُ قد يُوجد من جنس الْجَوَاهِر والأجسام المتحركة مَا لَيْسَ بمتحرك دَلِيل على أَن المتحرك فِيهَا لَيْسَ بمتحرك لنَفسِهِ وَأَنه للحركة كَانَ متحركا
وَمِمَّا يدل على ذَلِك علمنَا بِأَن الْإِنْسَان تَارَة يقدر على التحرك ويعجز عَنهُ أُخْرَى وَقد ثَبت أَنه لَا بُد لقدرته من تعلق بمقدور وَكَذَلِكَ الْقَدِيم تَعَالَى يقدر عِنْد الْمُوَحِّدين وَعند من أثْبته من الْمُلْحِدِينَ النافين للأعراض على تَحْرِيك الْجِسْم تَارَة وعَلى تسكينه أُخْرَى فَلَا يَخْلُو أَن يكون مَقْدُور الْقُدْرَة على تَحْرِيك الْجِسْم هُوَ إِحْدَاث الْجِسْم وإيجاده أَو إِحْدَاث معنى فِيهِ أَو إعدامه أَو إعدام معنى مِنْهُ أَو لَا لنَفسِهِ أَو لِمَعْنى تعلق بِنَفسِهِ
ويستحيل أَن تكون الْقُدْرَة على ذَلِك لَا تعلق لَهَا بمقدور كَمَا يَسْتَحِيل وجود علم لَا تعلق لَهُ بِمَعْلُوم وَذكر لَا تعلق لَهُ بمذكور
ويستحيل أَن يكون مَقْدُور الْقُدْرَة هُوَ إِيجَاد الْجِسْم وإحداثه لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَحَرَّك فِي الثَّانِي من حَال وجوده مَعَ اسْتِحَالَة حُدُوثه وتجدده فِي ذَلِك الْوَقْت وَلِأَن ذَلِك إِن كَانَ كَذَلِك فقد صَحَّ وَثَبت حُدُوث الْجِسْم وَهَذَا هُوَ الَّذِي نبتغيه بِإِثْبَات الْأَعْرَاض
وَإِن قيل يَسْتَحِيل أَن يكون مَقْدُور الْقُدْرَة إعدام معنى من الْجِسْم لِأَن ذَلِك الْمَعْنى لَا يَخْلُو أَن يكون جسما أَو عرضا فَإِن كَانَ جسما أقرُّوا بِجَوَاز عدم الْجِسْم وَصَحَّ بذلك حُدُوثه لِاسْتِحَالَة عدم الْقَدِيم عندنَا وَعِنْدهم وَذَلِكَ
[ ٣٩ ]
مَا أردناه وَإِن كَانَ عرضا فقد أقرُّوا بِوُجُود الْأَعْرَاض وَعدمهَا بعد الْوُجُود وَهَذَا مَا رمنا إثْبَاته وَلِأَن عدم معنى من الْجِسْم لَيْسَ بِشَيْء يحدث وَلَا يكْتَسب فمحال تعلق الْقُدْرَة بِمَا لَيْسَ بِمَعْنى يحدث ويكتسب فَبَطل هَذَا القَوْل
وَلِأَن الْجِسْم لَو تحرّك فِي جِهَة بِعَينهَا وَإِلَى محاذاة بِعَينهَا لعدم معنى مِنْهُ مَعَ صِحَة تحركه مَعَ عدم ذَلِك الْمَعْنى إِلَى غير تِلْكَ الْجِهَة والمحاذاة لم يكن بِأَن يَتَحَرَّك إِلَى الْجِهَة والمحاذاة الَّتِي تحرّك إِلَيْهَا أولى من تحركه إِلَى غَيرهَا وَفِي الْعلم بِكَوْنِهِ أولى بالتحرك إِلَى مَا تحرّك إِلَيْهِ وأحق بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت دَلِيل على بطلَان هَذَا القَوْل
وَلِأَن الْجِسْم أَيْضا لَو تحرّك لعدم معنى مِنْهُ لم يكن هُوَ بالتحرك أولى من غَيره من الْأَجْسَام لِأَن ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي عدم مِنْهُ لَيْسَ هُوَ فِيهِ وَلَا فِي غَيره فَيجب لذَلِك تحرّك كل مَا لَيْسَ فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى وَفِي الْعلم بِبُطْلَان هَذَا دَلِيل على فَسَاد هَذَا القَوْل
ويستحيل أَيْضا أَن يكون مَقْدُور الْقُدْرَة على تَحْرِيك الْجِسْم مَا لَيْسَ هُوَ نفس الْجِسْم وَلَا معنى سواهُ لِأَن مَا لَيْسَ هُوَ نَفسه وَلَا معنى غَيره لَيْسَ بِشَيْء يَصح أَن يكون حَادِثا أَو مكتسبا فَبَطل أَيْضا هَذَا الْوَجْه وَصَحَّ بذلك أَن قدرَة الْقَادِر على تَحْرِيك الْجِسْم قدرَة على فعل معنى فِيهِ أَو اكتسابه وَهَذَا هُوَ معنى قَوْلنَا إِن المتحرك كَانَ متحركا بالفاعل
وَيدل على أَن قدرَة الْإِنْسَان على المتحرك لَا يجوز أَن تكون قدرَة على نَفسه علمنَا وهم باستحالة كَون الْإِنْسَان فَاعِلا للأجسام وَأَنه لَو صَحَّ ذَلِك وَأَن يقدر على نَفسه لصَحَّ أَن يقدر على مثله وَمِمَّا يدل أَيْضا على أَنه لَا يجوز أَن يكون المتحرك متحركا لَا لنَفسِهِ وَلَا لعِلَّة أَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لصار قَوْلنَا فِيهِ إِنَّه متحرك لقبا لَا فَائِدَة تَحْتَهُ ولجرى مجْرى تسميتنا زيدا زيدا وَذَلِكَ بَاطِل وَلِأَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لم يكن هُوَ بالتحرك أولى من غَيره ولخرج قَوْلنَا متحرك عَن أَن يكون لَهُ مثبتا
[ ٤٠ ]
ومخبرا عَنهُ وَإِن كَانَ إِثْبَاتًا وخبرا لِأَنَّهُ غير رَاجع إِلَى نفس الْجِسْم وَلَا إِلَى معنى سواهُ وَذَلِكَ بَاطِل بِاتِّفَاق وَهَذَا يحِيل أَن يكون شَيْء من الْأَوْصَاف مُسْتَحقّا لَا لنَفس وَلَا لعِلَّة وَفِي بعض مَا أومأنا إِلَيْهِ دَلِيل على إِثْبَات الْأَعْرَاض
بَاب الْكَلَام فِي إِثْبَات حدث الْعَالم
جَمِيع الْعَالم الْعلوِي والسفلي لَا يخرج عَن هذَيْن الجنسين أَعنِي الْجَوَاهِر والأعراض وَهُوَ مُحدث بأسره وَالدَّلِيل على حَدثهُ مَا قدمْنَاهُ من إِثْبَات الْأَعْرَاض
والأعراض حوادث وَالدَّلِيل على حدوثها بطلَان الْحَرَكَة عِنْد مَجِيء السّكُون لِأَنَّهَا لَو لم تبطل عِنْد مَجِيء السّكُون لكانا موجودين فِي الْجِسْم مَعًا ولوجب لذَلِك أَن يكون متحركا سَاكِنا مَعًا وَذَلِكَ مِمَّا يعلم فَسَاده ضَرُورَة
وَالدَّلِيل على حُدُوث الْأَجْسَام أَنَّهَا لم تسبق الْحَوَادِث وَلم تُوجد قبلهَا وَمَا لم يسْبق الْمُحدث مُحدث كَهُوَ إِذْ كَانَ لَا يَخْلُو أَن يكون مَوْجُودا مَعَه أَو
[ ٤١ ]
بعده وكلا الْأَمريْنِ يُوجب حُدُوثه
وَالدَّلِيل على أَن الْجِسْم لَا يجوز أَن يسْبق الْحَوَادِث أَنا نعلم باضطرار أَنه مَتى كَانَ مَوْجُودا فَلَا يَخْلُو أَن يكون متماس الأبعاض مجتمعا أَو متباينا مفترقا لِأَنَّهُ لَيْسَ بَين أَن تكون أجزاؤه متماسة أَو متباينة منزلَة ثَالِثَة فَوَجَبَ أَلا يَصح أَن يسْبق الْحَوَادِث وَمَا لم يسْبق الْحَوَادِث فَوَاجِب كَونه مُحدثا إِذْ كَانَ لَا بُد أَن يكون إِنَّمَا وجد مَعَ وجودهَا أَو بعْدهَا
[ ٤٢ ]
فَأَي الْأَمريْنِ ثَبت وَجب بِهِ الْقَضَاء على حُدُوث الْأَجْسَام
بَاب الْكَلَام فِي إِثْبَات الصَّانِع
وَلَا بُد لهَذَا الْعَالم الْمُحدث المصور من مُحدث مُصَور وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْكِتَابَة لَا بُد لَهَا من كَاتب وَلَا بُد للصورة من مُصَور وللبناء من بَان وَأَنا لَا نشك فِي جهل من خبرنَا بِكِتَابَة حصلت لَا من كَاتب وصياغة لَا من صائغ فَوَجَبَ أَن تكون صور الْعَالم وحركات الْفلك مُتَعَلقَة بصانع صنعها إِذْ كَانَت ألطف وأعجب صنعا من سَائِر مَا يتَعَذَّر وجوده لَا من صانع من الحركات والتصويرات
وَيدل على ذَلِك علمنَا بتقدم بعض الْحَوَادِث على بعض وَتَأَخر بَعْضهَا عَن بعض مَعَ الْعلم بتجانسها وَلَا يجوز أَن يكون الْمُتَقَدّم مِنْهَا مُتَقَدما لنَفسِهِ وجنسه لِأَنَّهُ لَو تقدم لنَفسِهِ لوَجَبَ تقدم كل مَا هُوَ من جنسه وَكَذَلِكَ لَو تَأَخّر الْمُتَأَخر مِنْهَا لنَفسِهِ وجنسه لم يكن الْمُتَقَدّم مِنْهَا بالتقدم أولى مِنْهُ بالتأخر وَفِي الْعلم بِأَن الْمُتَقَدّم من المتماثلات لم يكن بالتقدم أولى مِنْهُ بالتأخر دَلِيل على أَن لَهُ مقدما قدمه وَجعله فِي الْوُجُود مَقْصُورا على مَشِيئَته
وَيدل على ذَلِك أَيْضا علمنَا بِصِحَّة قبُول كل جسم من أجسام الْعَالم لغير مَا حصل عَلَيْهِ من التَّرْكِيب وَصِحَّة كَون المربع مِنْهَا مدورا وَكَون المدور مربعًا وَكَون مَا هُوَ بِصُورَة بعض الْحَيَوَان بِصُورَة غَيره وانتقال كل جسم عَن شكله إِلَى غَيره من الأشكال فَلَا يجوز أَن يكون مَا اخْتصَّ مِنْهَا بشكل معِين مَخْصُوص إِنَّمَا اخْتصَّ بِهِ لنَفسِهِ أَو لصِحَّة قبُوله لَهُ لِأَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ قبُوله لكل شكل يَصح قبُوله لَهُ فِي وَقت وَاحِد حَتَّى يجْتَمع فِيهِ
[ ٤٣ ]
جَمِيع الأشكال المتضادة وَفِي فَسَاد ذَلِك دَلِيل على بطلَان هَذَا القَوْل وَوُجُوب الْعلم بِأَن كل ذِي شكل مِنْهَا إِنَّمَا حصل كَذَلِك بمؤلف أَلفه وقاصد قصد كَونه كَذَلِك
بَاب فِي أَن الْمُحدث لَيْسَ فَاعِلا لنَفسِهِ
وَالدَّلِيل على أَنه لَيْسَ بفاعل لنَفسِهِ أَن مِنْهُ الْموَات والأعراض الَّتِي لَا يَصح أَن تحيا وَالْفَاعِل لَا يكون إِلَّا حَيا قَادِرًا وَلِأَن الْحَيّ مِنْهُ كَانَ مواتا فِي بَدْء أمره وجاهلا بِنَفسِهِ وَكَيْفِيَّة تركيبه وَلنْ يجوز أَن يصنع المحكمات إِلَّا حَيّ عَالم قَادر وَلَيْسَ يجوز أَن يكون كل شَيْء مِنْهُ فعل غَيره لِأَن الْمَخْلُوق لَا يفعل فِي غَيره شَيْئا وسنبين ذَلِك فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو صَحَّ أَن يفعل الْمُحدث غَيره وَمَا هُوَ مثل لَهُ لصَحَّ أَن يفعل نَفسه إِذْ كَانَت بِمَعْنى مَا هُوَ فعل لَهُ وَمن جنسه وَلما اسْتَحَالَ ذَلِك بِمَا قدمنَا أَولا صَحَّ أَن لجَمِيع الْعَالم خَالِقًا غَيره لَيْسَ مِنْهُ
بَاب فِي أَنه لَا يجوز أَن يكون صانع المحدثات مشبها لَهَا
وَلَا يجوز أَن يكون صانع المحدثات مشبها لَهَا لِأَنَّهُ لَو أشبههَا لَكَانَ لَا يَخْلُو أَن يشبهها فِي الْجِنْس أَو فِي الصُّورَة وَلَو أشبههَا فِي الْجِنْس لَكَانَ مُحدثا كهي ولكانت قديمَة كَمَا أَنه قديم لِأَن المشتبهين هما مَا سد أَحدهمَا مسد صَاحبه وناب مَنَابه وَدَلِيل ذَلِك أَن السوادين المشتبهين يسدان فِي المنظر مسدا وَاحِدًا وَكَذَلِكَ البياضان والتأليفان وَلَو أشبههَا فِي الصُّورَة والتأليف لم يكن شَيْئا وَاحِد ولوجب أَن يكون لَهُ مُصَور جَامع لِأَن الصُّورَة لَا تقع إِلَّا من مُصَور لما قدمْنَاهُ من قبل ولوجب أَن يكون من جنس الْجَوَاهِر المتماسة وَأَن يكون مُحدثا كهي وَذَلِكَ محَال
[ ٤٤ ]
بَاب فِي أَنه لَا يجوز أَن يكون فَاعل المحدثات مُحدثا
وَلَا يجوز أَن يكون فَاعل المحدثات مُحدثا بل يجب أَن يكون قَدِيما وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه لَو كَانَ مُحدثا لاحتاج إِلَى مُحدث لِأَن غَيره من الْحَوَادِث إِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى مُحدث من حَيْثُ كَانَ مُحدثا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي محدثه إِن كَانَ مُحدثا فِي وجوب حَاجته إِلَى مُحدث آخر وَذَلِكَ محَال لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِيل وجود شَيْء من الْحَوَادِث إِذا كَانَ وجوده مَشْرُوطًا بِوُجُود لَا غَايَة لَهُ من الْحَوَادِث شَيْئا قبل شَيْء وَهَذَا هُوَ الدَّلِيل على إبِْطَال قَول من زعم من أهل الدَّهْر أَن الْحَوَادِث لَا أول لوجودها
بَاب الْكَلَام فِي أَن صانع الْعَالم وَاحِد
وَلَيْسَ يجوز أَن يكون صانع الْعَالم اثْنَيْنِ وَلَا أَكثر من ذَلِك وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الِاثْنَيْنِ يَصح أَن يختلفا وَيُوجد أَحدهمَا ضد مُرَاد الآخر فَلَو اخْتلفَا وَأَرَادَ أَحدهمَا إحْيَاء جسم وَأَرَادَ الآخر إماتته لوَجَبَ أَن يلحقهما الْعَجز أَو وَاحِدًا مِنْهُمَا لِأَنَّهُ محَال أَن يتم مَا يُريدَان جَمِيعًا لتضاد مراديهما فَوَجَبَ أَن لَا يتما أَو يتم مُرَاد أَحدهمَا فَيلْحق من لم يتم مُرَاده الْعَجز أَو لَا يتم مرادهما فيلحقهما الْعَجز وَالْعجز من سمات الْحَدث وَالْقَدِيم الْإِلَه لَا يجوز أَن يكون عَاجِزا
بَاب فِي أَن صانع الْعَالم حَيّ
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا الدَّلِيل على أَن صانع الْأَشْيَاء حَيّ قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنه فَاعل عَالم قَادر وَالْفَاعِل الْعَالم الْقَادِر لَا يكون إِلَّا حَيا
يبين ذَلِك أَنه لَو جَازَ أَن تظهر الْأَفْعَال المحكمات مِمَّن لَيْسَ بحي وَلَا عَالم وَلَا
[ ٤٥ ]
قَادر لم ندر لَعَلَّ مَا يظْهر من النَّاس من الْكِتَابَة والصياغة وَسَائِر التَّصَرُّف يظْهر مِنْهُم وهم موتى جماد عَجزه وَلم نذر لَعَلَّ السَّائِل لنا عَن هَذَا السُّؤَال المناظر لنا على تَصْحِيح مذْهبه وَإِبْطَال قَوْلنَا ميت أَو موَات وَهَذَا تجاهل من رَاكِبه وَجحد لما نَحن إِلَى إثْبَاته مضطرون فَوَجَبَ أَن يكون الصَّانِع عَالما قَادِرًا حَيا
بَاب فِي أَن الصَّانِع عَالم
فَإِن قَالَ قَائِل وَمَا الدَّلِيل على صِحَة مَا تذهبون إِلَيْهِ فِي أَنه عَالم قيل لَهُ يدل على ذَلِك وجود الْأَفْعَال المحكمات مِنْهُ لِأَن الْأَفْعَال المحكمات لَا تقع منا على تَرْتِيب ونظام كالصياغة وَالتِّجَارَة وَالْكِتَابَة والنساجة إِلَّا من عَالم وأفعال الله تَعَالَى أدق وَأحكم فَكَانَت أولى بِأَن تدل على أَنه حَيّ عَالم
بَاب فِي أَن الصَّانِع سميع بَصِير مُتَكَلم
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا الدَّلِيل على أَنه سميع بَصِير مُتَكَلم قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنه قد ثَبت أَنه حَيّ بِمَا وصفناه والحي يَصح أَن يكون متكلما سميعا بَصيرًا وَمَتى عري من هَذِه الْأَوْصَاف مَعَ صِحَة وَصفه بهَا فَلَا بُد من أَن يكون مَوْصُوفا بأضدادها من الخرس وَالسُّكُوت والعمى والصمم وكل هَذِه الْأُمُور آفَات قد اتّفق على أَنَّهَا تدل على حدث الْمَوْصُوف بهَا فَلم يجز وصف الْقَدِيم بِشَيْء مِنْهَا فَوَجَبَ أَن يكون سميعا بَصيرًا متكلما
[ ٤٦ ]
بَاب فِي أَنه مُرِيد
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا الدَّلِيل على أَنه مُرِيد قيل لَهُ وجود الْأَفْعَال مِنْهُ وَتقدم بَعْضهَا على بعض فِي الْوُجُود وَتَأَخر بَعْضهَا عَن بعض فِي الْوُجُود فلولا أَنه قصد إِلَى إِيجَاد مَا أوجد مِنْهَا لما وجد وَلَا تقدم من ذَلِك مَا تقدم وَلَا تَأَخّر مِنْهُ مَا تَأَخّر مَعَ صِحَة تقدمه بَدَلا من تَأَخره وتأخره بَدَلا من تقدمه
بَاب فِي الرِّضَا وَالْغَضَب وأنهما من الْإِرَادَة
فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِنَّه تَعَالَى غَضْبَان رَاض وَإنَّهُ مَوْصُوف بذلك قيل لَهُ أجل وغضبه على من غضب عَلَيْهِ وَرضَاهُ عَمَّن رَضِي عَنهُ هما إِرَادَته لإثابة المرضي عَنهُ وعقوبة المغضوب عَلَيْهِ لَا غير ذَلِك
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا الدَّلِيل على أَن غضب الْبَارِي جلّ وَعز وَرضَاهُ وَرَحمته وَسخطه هُوَ إِرَادَته لإثابة المرضي عَنهُ ولمنفعة من رَضِي عَنهُ وعقاب من غضب عَلَيْهِ وإيلامه وضرره قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَن الْغَضَب وَالرِّضَا إِمَّا أَن يَكُونَا إِرَادَة للنفع والضر أَو يكون الْغَضَب تغير الطَّبْع ونفور النَّفس والرضى السّكُون بعد تغير الطَّبْع وَلَا يجوز أَن يكون الْبَارِي جلّ وَعز ذَا طبع يتَغَيَّر وينفر ويسكن وَلَا مِمَّن يألم ويرق من حَيْثُ ثَبت قدمه وغناه عَن اللَّذَّة وَامْتِنَاع تألمه بِشَيْء ينفر عَنهُ ويتألم لإدراكه إِذْ لَيست هَذِه الْأَشْيَاء من جنسه وشكله أَو مضادة لَهُ أَو منافرة
[ ٤٧ ]
لصفاته لما قَامَ من الدَّلِيل على أَنه لَيْسَ بِذِي جنس وَلَا نوع وَلَا شكل وَلَا ملتذ وَلَا متألم وَلَا منتفع وَلَا مستضر فَثَبت بذلك أَن رِضَاهُ وغضبه وَسخطه إِنَّمَا هِيَ إِرَادَته وقصده إِلَى نفع من الْمَعْلُوم أَنه يَنْفَعهُ وضرر من سبق علمه وَخَبره أَنه يضرّهُ لَا غير ذَلِك وَكَذَلِكَ الْحبّ والبغض وَالْولَايَة والعداوة هُوَ نفس الْإِرَادَة للنفع والأضرار فَقَط