يُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ إِن الله سُبْحَانَهُ جَوْهَر وَمَا دليلكم على ذَلِك فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أننا وجدنَا الْأَشْيَاء كلهَا فِي الشَّاهِد والوجود
[ ٩٣ ]
لَا تَخْلُو من أَن تكون جَوَاهِر وأعراضا وَقد اتفقنا على أَن الْقَدِيم لَيْسَ بِعرْض فَوَجَبَ أَن يكون جوهرا أَو قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أَنا وجدنَا الْأَشْيَاء كلهَا لَا تخرج عَن قسمَيْنِ إِمَّا قَائِم بِنَفسِهِ أَو قَائِم بِغَيْرِهِ والقائم بِغَيْرِهِ هُوَ الْعرض والقائم بِنَفسِهِ هُوَ الْجَوْهَر فَلَمَّا فسد من قَوْلنَا وقولكم أَن يكون قَائِما بِغَيْرِهِ وَأَن يكون عرضا ثَبت أَنه قَائِم بِنَفسِهِ وَأَنه جَوْهَر من الْجَوَاهِر
أَو قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أَنا وجدنَا الْأَشْيَاء كلهَا على ضَرْبَيْنِ فَضرب مِنْهَا يَصح مِنْهُ الْأَفْعَال وَهُوَ الْجَوْهَر وَضرب تتعذر وتمتنع مِنْهُ الْأَفْعَال وَهُوَ الْعرض فَلَمَّا ثَبت أَن الْقَدِيم فَاعل وَمِمَّنْ تَأتي مِنْهُ الْأَفْعَال ثَبت أَنه جَوْهَر أَو قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أَنا وجدنَا الْأَشْيَاء على ضَرْبَيْنِ شرِيف وَهُوَ الْجَوْهَر الْقَائِم بِنَفسِهِ المستغني فِي الْوُجُود عَن غَيره وخسيس قَائِم بِغَيْرِهِ ومحتاج إِلَيْهِ وَهُوَ الْعرض فَلَمَّا لم يجز أَن يكون الْقَدِيم من قبيل الخسيس ثَبت أَنه شرِيف وَأَنه قَائِم بِنَفسِهِ
[ ٩٤ ]
فَيُقَال لَهُم لم زعمتم أَولا أَنكُمْ إِذا لم تَجدوا الْأَشْيَاء فِي الشَّاهِد إِلَّا على مَا وصفتم وَجب الْقَضَاء على الْغَائِب بِمُجَرَّد الشَّاهِد وَأَن الْمَوْجُود فِي الْغَائِب لَا يَنْفَكّ من أَصْنَاف الموجودات فِي الشَّاهِد وَمَا حجتكم على ذَلِك فَإِن الْخلاف فِي جِهَة استدلالكم أعظم والغلط وَالْخَطَأ فِيهِ أفحش
ثمَّ يُقَال لَهُم فَأنْتم أَيْضا لم تَجدوا حَادِثا إِلَّا وَقَبله حَادث وَلَا شَيْئا إِلَّا عَن شَيْء وَلَا جسما إِلَّا وَبعده جسم وفوقه جسم وَتَحْته جسم وَمن عَن يَمِينه وشماله وتجاهه وَخَلفه جسم وَلَا وجدْتُم فَاعِلا اخترع الْأَجْسَام وأحدث الْأَفْعَال بِغَيْر أدوات وآلات وجوارح وعلاج فاقضوا بذلك على قدم الْعَالم وَنفي النِّهَايَة عَنهُ وَأَن الْحَوَادِث لَا أول لَهَا وَأَن الْأَجْسَام لَا كل لَهَا وَلَا غَايَة وَألا إِنْسَان إِلَّا من نُطْفَة إِلَّا من إِنْسَان وَلَا طَائِر إِلَّا من بَيْضَة وَلَا بَيْضَة إِلَّا من طَائِر أبدا إِلَى غير نِهَايَة وَهَذَا لُحُوق بِأَهْل الدَّهْر
وَكَذَلِكَ فاقضوا على أَنه لَا فَاعل لأجسام الْعَالم وَأَن الْفَاعِل لأغراضه يَفْعَلهَا بآلات وأدوات وأوجبوا على من نَشأ فِي بلد الزنج فَلم يجد بهَا مَاء إِلَّا عذبا وَلَا إنْسَانا إِلَّا أسود وَلَا زرعا إِلَّا أَخْضَر أَن يقْضِي على أَنه لَا مَاء إِلَّا عذب وَلَا إِنْسَان إِلَّا كَمَا وجد وَشَاهد حَتَّى يوجبوا الْقَضَاء بِالْجَهْلِ الَّذِي يعلم بُطْلَانه اضطرارا فَإِن مروا على ذَلِك أجمع لَحِقُوا بِأَهْل الدَّهْر والجهالات وَإِن امْتَنعُوا مِنْهُ نقضوا استدلالهم
[ ٩٥ ]
ثمَّ يُقَال لَهُم أفليس قد اتفقنا على أَنه لَا مَوْجُود مَعْلُوم فِي الشَّاهِد والمعقول إِلَّا مُحدث مَوْجُود عَن عدم فَإِذا قَالُوا أجل قيل لَهُم فَيجب أَن يكون صانع الْعَالم جلّ ذكره مَوْجُودا مُحدثا قِيَاسا على الشَّاهِد فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا مَذْهَبهم وَإِن أَبوهُ نقضوا دليلهم
ثمَّ يُقَال لَهُم فَهَل وجدْتُم جوهرا فِي الشَّاهِد إِلَّا متحيزا قَابلا للأعراض من جنس هَذِه الْجَوَاهِر المعقولة فَإِذا قَالُوا بلَى قيل لَهُم فَيجب عَلَيْكُم إِذا كَانَ الْقَدِيم تَعَالَى جوهرا أَن يكون كالجواهر المعقولة وَمن جِنْسهَا وقابلا للأعراض كقبولها فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ مَوْجُودا لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وَلَا كالموجودات فِي الشَّاهِد كَمَا أَنه لَيْسَ كالجواهر وَلَا فصل فِي ذَلِك أبدا
ثمَّ يُقَال لَهُم على سَائِر أدلتهم الَّتِي قدمنَا ذكرهَا مَا أنكرتم أَن يكون الْقَدِيم حَامِلا للأعراض بِمثل كل دَلِيل ذكرتموه وَذَلِكَ أَنا وجدنَا الْأَشْيَاء كلهَا على ضَرْبَيْنِ فَضرب فعال شرِيف قَائِم بِنَفسِهِ لَيْسَ بِعرْض وَهُوَ الْحَامِل للأعراض وَضرب آخر لَيْسَ قَائِما بِنَفسِهِ وَلَا فعالا وَلَا شريفا وَهُوَ الْعرض فَلَمَّا ثَبت أَن الْقَدِيم فعال قَائِم بِنَفسِهِ شرِيف لَيْسَ بخسيس ثَبت أَنه حَامِل للأعراض ذُو حيّز وشغل فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ أبطلوا استدلالهم إبطالا ظَاهرا
ثمَّ يُقَال لَهُم إِنَّكُم قد أخطأتم فِي قسْمَة الْأَشْيَاء المعقولة الْمَوْجُودَة
[ ٩٦ ]
لِأَن مِنْهَا الفعال الشريف الْقَائِم بِنَفسِهِ الَّذِي هُوَ الْجِسْم الْمُؤلف وَلَيْسَ بِشَيْء وَاحِد وَمِنْهَا الشريف الْقَائِم بِنَفسِهِ الَّذِي هُوَ الْجَوْهَر الَّذِي لَيْسَ بمؤلف فَمَا أنكرتم أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ جسما فَإِن قَالُوا لأننا لم نعقل جسما إِلَّا متغايرا مؤتلفا مصورا وَهَذِه الْأُمُور من صِفَات الْحَدث والباري سُبْحَانَهُ لَا يجوز عَلَيْهِ ذَلِك فَبَطل أَن يكون جسما يُقَال لَهُم أَيْضا فَمَا أنكرتم من اسْتِحَالَة كَونه جوهرا لأننا لم نعقل جوهرا إِلَّا شاغلا متحيزا قَابلا للحوادث من جنس هَذِه الْجَوَاهِر وَهَذِه الْأُمُور دَالَّة على حدث من جَازَت عَلَيْهِ فَلَمَّا لم يجز أَن يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ مُحدثا لم يجز أَن يكون جوهرا
فَإِن قَالُوا الْجَوَاهِر ضَرْبَان شرِيف وخسيس فالخسيس هُوَ الْقَابِل مِنْهَا للأعراض الَّذِي يتَمَيَّز ويشغل الْمَكَان والشريف هُوَ مَا لَا يجوز ذَلِك عَلَيْهِ مِنْهَا فَوَجَبَ أَن يكون غير متميز وَلَا قَابل للأعراض قيل لَهُم مَا أنكرتم أَيْضا أَن تكون الْأَجْسَام على ضَرْبَيْنِ جسم خسيس وَهُوَ المتميز الْقَابِل لصورة والتأليف والحوادث وَضرب شرِيف لَا يقبل شَيْئا من ذَلِك وَلَا يجوز عَلَيْهِ وَالْقَدِيم سُبْحَانَهُ شرِيف فَوَجَبَ أَنه جسم لَيْسَ بِذِي صُورَة وَلَا مَكَان وَلَا قَابلا للأعراض وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء من ذَلِك
[ ٩٧ ]