يُقَال لمن قَالَ ذَلِك مِنْهُم لم قُلْتُمْ هَذَا وَمَا دليلكم عَلَيْهِ فَإِن قَالُوا لِأَن أمره بالشَّيْء يَقْتَضِي كَونه مصلحَة وَالنَّهْي عَنهُ يَقْتَضِي كَونه مفْسدَة فَإِذا نَهَانَا عَمَّا أمرنَا بِهِ وَجب أَن يكون سَفِيها إِمَّا فِي أمره بِالْفَسَادِ أَو فِي نَهْيه عَن الصّلاح لِأَن مَا نهي عَنهُ بعد أمره بِهِ لَا بُد أَن يكون صلاحا أَو فَسَادًا فَلَمَّا لم يكن أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ سَفِيها غير حَكِيم لم يجز نَهْيه عَمَّا كَانَ أَمر بِهِ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم إِن كَانَ مَا قلتموه من ذَلِك صَحِيحا على تَسْلِيم مَا بنيتموه وَإِن كُنَّا لَا نقُول بِهِ أَن يكون ذَلِك إِنَّمَا يَقْتَضِي أَن يكون النَّهْي عَن نفس الْمَأْمُور بِهِ قبل امتثاله على وَجه أَمر بِهِ يُوجب مَا قُلْتُمْ وَأَن يكون ناهيا عَن فعل الْمصلحَة وَألا يُوجب
[ ٢١٢ ]
إِحَالَة نَهْيه عَن نفس مَا أَمر بِهِ إِحَالَة نَهْيه عَن مثله بعد فعله لِأَن مثله الَّذِي من سَبيله أَن يَقع بعده هُوَ غَيره وَالنَّهْي عَن غير الشَّيْء فِي غير وقته لَا يكون نهيا عَنهُ فِي وقته وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك
وَهَذَا الْجَواب هُوَ جوابهم على اعتلالهم فِي هَذَا الْبَاب أَن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي كَونه طَاعَة وَالنَّهْي عَنهُ يَقْتَضِي كَونه إِذا فعل مَعْصِيّة وَالطَّاعَة لَا يجوز أَن تكون مَعْصِيّة لِأَن مثل الشَّيْء إِذا نهي عَنهُ بعد فعله فَلَيْسَ بنهي عَنهُ فَلم تصر الطَّاعَة مَعْصِيّة وَهُوَ بِعَيْنِه الْجَواب عَن اعتلالهم بِأَن نسخ الشَّرِيعَة بعد الْأَمر بهَا يُوجب كَون الْحسن قبيحا وَالْحكمَة سفها لِأَن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي كَونه حِكْمَة حسنا صَوَابا وَالنَّهْي عَنهُ يَقْتَضِي كَونه قبيحا عَبَثا وَلَا يجوز أَن يكون الْحسن قبيحا لِأَن النَّهْي عَن مثل الْحسن الْمَأْمُور بِهِ نهي عَن غَيره وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يكون مثل الصّلاح فِي وَقت فَسَادًا فِي وَقت آخر وَمثل الطَّاعَة فِي وَقت مَعْصِيّة فِي وَقت آخر وَمثل الْحسن فِي وَقت قبيحا فِي غَيره
أَلا ترى أَن الْأكل وَالشرب والعلاج بالكي طَاعَة حسن صَوَاب مصلحَة عِنْد الْعَطش والجوع وحدوث الْأَمْرَاض الْمُقْتَضِيَة للعلاج وَفعل ذَلِك أجمع عِنْد الشِّبَع والري وَالصِّحَّة والغنى عَن التَّدَاوِي قَبِيح وسفه ومعصية لله ﷿ فَلَيْسَ يمْتَنع عِنْد جَمِيع الْعُقَلَاء أَن تكون هَذِه الْعِبَادَات السمعية نَحْو الصَّوْم وَالصَّلَاة والتوجه إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَترك الْعَمَل فِي السبت
[ ٢١٣ ]
مصلحَة فِي وَقت مفْسدَة فِي وَقت طَاعَة وصوابا فِي وَقت وَمثلهَا مَعْصِيّة وسفها فِي وَقت آخر وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل جَمِيع مَا يتعلقون بِهِ من هَذِه الْأُمُور
وَإِن هم قَالُوا الدَّلِيل على منع النّسخ من جِهَة الْعقل أَن الْأَمر بالشَّيْء يدل على أَنه مُرَاد لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي عَنهُ يدل على كَرَاهَته ومحال أَن يكون المُرَاد كَونه لله سُبْحَانَهُ مَكْرُوها مَعَ كَونه لَهُ مرَادا أجِيبُوا بِمثل مَا تقدم لِأَن المُرَاد فِي وَقت هُوَ غير مثله الَّذِي يكره فِي وَقت آخر كَمَا أَن المُرَاد من الْأكل مَعَ لَهب الْجُوع غير الْمَكْرُوه مِنْهُ مَعَ البطنة والامتلاء والشبع التَّام وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك
وَإِن قَالُوا الدَّلِيل على إِحَالَة النّسخ من جِهَة الْعقل أَنه يُوجب البداء لِأَن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي كَونه مصلحَة واعتقاد الْأَمر بِهِ كَونه كَذَلِك وَالنَّهْي عَنهُ بعد الْأَمر بِهِ يدل على أَنه قد بدا للْآمِر وانكشف لَهُ أَن مَا كَانَ أَمر بِهِ مفْسدَة لَيْسَ بمصلحة على مَا توهمه وَذَلِكَ مُنْتَفٍ عَن الله جلّ ذكره كَانَ الْجَواب عَنهُ أَيْضا مَا تقدم وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا نهى لما نسخ شَرِيعَة مُوسَى عَن مثل مَا كَانَ أَمر بِهِ وَأَن يفعل ذَلِك فِي وَقت غير وَقت ذَلِك الْمَفْعُول الأول وَالنَّهْي عَن مثل الشَّيْء فِي وقته لَيْسَ بنهي عَنهُ
[ ٢١٤ ]
كَمَا أَن النَّهْي عَن الْعَمَل فِي السبت لَيْسَ بنهي عَن الْعَمَل فِي الْجُمُعَة والأحد وَالْأَمر بِالْعَمَلِ فِي الْجُمُعَة لَيْسَ بِأَمْر بِالْعَمَلِ فِي السبت
وَأَيْضًا فَإنَّا نَحن نجوز نسخ الشَّيْء قبل وَقت فعله وَقبل امتثاله وَلَا يُوجب ذَلِك البداء إِذا علم الْآمِر بِهِ أَن تبقية الْأَمر مشقة دَاعِيَة إِلَى ترك الْمُكَلف كل الْوَاجِبَات وَأَن تَخْفيف المحنة بِهِ بِالنَّهْي عَنهُ مصلحَة ولطف فِي فعل الْمُكَلف لما نفي الْأَمر بِهِ فَيكون الْأَمر بِهِ مصلحَة وإزالته قبل امتثاله مصلحَة غير أَن النَّهْي عَنهُ يتَنَاوَلهُ على غير الْوَجْه الَّذِي يتَنَاوَلهُ الْأَمر لِأَن الْأَمر بِالْفِعْلِ كَانَ أمرا بِأَن يفعل إِن بَقِي الْأَمر بِهِ وَالنَّهْي عَنهُ يرد مَعَ زَوَال الْأَمر بِهِ وَلَيْسَ ذَلِك بنهي عَنهُ مَعَ بَقَاء الْأَمر بِهِ وَالْأَمر بِفِعْلِهِ كَانَ أمرا بِهِ مَعَ بَقَائِهِ دون إِزَالَته وَقد شرحنا هَذَا الْكَلَام فِي أصُول الْفِقْه بِمَا يُغني النَّاظر فِيهِ إِن شَاءَ الله
وَيُقَال لَهُم فِي اعتلالهم فِي البداء مَا أنكرتم أَن يكون الله سُبْحَانَهُ إِذا أمات الْجِسْم بعد حَيَاته وأسقمه بعد صِحَّته وآلمه بعد إلذاذه وَغَيره عَن حَالَته فَهَذَا بدا لَهُ وَعلم أَن مَا كَانَ فعله مفْسدَة لَيْسَ
[ ٢١٥ ]
بمصلحة فَإِن قَالُوا الآلام وَالْعِقَاب إِنَّمَا توقع بهم بعد التفضل باللذات على سَبِيل الْجَزَاء الانتقام وَكَانَ ذَلِك هُوَ الصّلاح لَهُم لِأَنَّهُ أزْجر لَهُم عَن الْمعْصِيَة وأدعى إِلَى الطَّاعَة قيل لَهُم اعْمَلُوا على أَن ذَلِك كَمَا ادعيتم أَلَيْسَ قد كَانَ الله تَعَالَى ابتدأهم بالتفضل باللذة فَلَمَّا عصوه أبدلهم بهَا ألما وسقما على سَبِيل النقمَة فَهَل بدا لَهُ من فعل اللَّذَّة وَمثلهَا فَإِن قَالُوا أجل تركُوا دينهم وَإِن قَالُوا لَا وَلَكِن التفضل فِي وَقت باللذات أصلح لَهُم والانتقام بعد ذَلِك بالآلام على الإجرام أصلح لَهُم من اللَّذَّات قيل لَهُم فَمَا أنكرتم من مثل ذَلِك فِي الْأَمر لَهُم بالشَّيْء فِي وَقت النَّهْي عَن مثله فَيكون كَفعل الشَّيْء فِي وَقت وَترك مثله بعده
ثمَّ يُقَال لَهُم مَا تَقولُونَ أَيْضا فِي إيلام الْأَطْفَال والبهائم والمجانين بعد إلذاذهم وَنقض بنيتهم بعد صِحَّتهَا وتقطع جوارحهم بعد سلامتهم والذهاب بأسماعهم وأبصارهم أتقولون إِن ذَلِك على سَبِيل الانتقام مِنْهُم فَإِن قَالُوا أجل تركُوا قَوْلهم وَلَحِقُوا بِأَهْل التناسخ الَّذين يَقُولُونَ إِن هَذِه الْأَرْوَاح المحبوسة فِي الْبَهَائِم والأطفال قد غضب الله عَلَيْهِم ونقلهم فِي الأكوان والأدوار وَذَلِكَ ترك قَوْلهم وَإِن قَالُوا لَيْسَ تغير حالات الْأَطْفَال فِي هَذِه الْأُمُور انتقاما وَلَكِن ذَلِك على سَبِيل الْمصَالح فَقَط قيل لَهُم مثله فِي الْأَمر بالشَّيْء فِي وَقت وَالنَّهْي عَن مثله بعده
وَكَذَلِكَ يسْأَلُون عَن نقض الجماد بعد تأليفه وتربيعه بعد تسديسه وترطيبه بعد تيبيسه وتحريكه بعد تسكينه وتسويده بعد تبييضه وَغير ذَلِك من تغير
[ ٢١٦ ]
أَحْوَاله وأوصافه فَيُقَال لَهُم ألبداء من الله تَعَالَى واستدراك علم غير مَا فعله وَنقض مَا أَلفه وَفرق مَا جمعه وحرك مَا سكنه وَأَحْيَا مَا أَمَاتَهُ أم لَيْسَ لبداء فَإِن قَالُوا لبداء تركُوا دينهم واعتلالهم وَإِن قَالُوا لَيْسَ لبداء وَلَكِن لِأَن النَّقْض فِي وَقت مصلحَة للمكلفين والتأليف مصلحَة فِي غَيره وَكَذَلِكَ التحريك والتسكين قيل لَهُم مثله فِي الْأَمر بالشَّيْء فِي وَقت وَالنَّهْي عَن مثله فِي غَيره وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء من ذَلِك
[ ٢١٧ ]
بَاب الْكَلَام على العيسوية مِنْهُم الَّذين يَزْعمُونَ أَن مُحَمَّدًا وَعِيسَى ﵉ إِنَّمَا بعثا إِلَى قومهما وَلم يبعثا بنسخ شَرِيعَة مُوسَى ﵇
يُقَال لَهُم إِذا أوجبتم تَصْدِيق مُحَمَّد وَعِيسَى ﵉ فِي قَوْلهمَا إنَّهُمَا نبيان من عِنْد الله فَمَا أنكرتم من وجوب تصديقهما فِي قولتهما إنَّهُمَا قد بعثا إِلَى كل أسود وأبيض وَأُنْثَى وَذكر وبنسخ شَرِيعَة مُوسَى وكل صَاحب شرع قبلهمَا فَإِن كَانَ قد كذبا فِي هَذَا القَوْل مَعَ ظُهُور المعجزات على أَيْدِيهِمَا فَمَا أنكرتم أَن يَكُونَا كاذبين فِي سَائِر أخبارهما وَهَذَا يبطل النُّبُوَّة جملَة فَإِن قَالُوا نَحن لَا نكذب مُحَمَّدًا وَعِيسَى ﵉ فِي هَذَا القَوْل لَو قَالَاه لِأَنَّهُمَا لَو كذبا فِي بعض مَا يخبران بِهِ عَن الله سُبْحَانَهُ لم يَكُونَا نبيين ولكننا نكذب النَّصَارَى وَالْمُسْلِمين فِي ادعائهم ذَلِك عَلَيْهِمَا فالكذب وَاقع من نَاحيَة أمتيهما وَلم يَقع من جهتهما يُقَال لَهُم إِذا جَازَ الْكَذِب على النَّصَارَى وَالْمُسْلِمين فِي هَذَا الْخَبَر الَّذِي يَدعُونَهُ على مُحَمَّد وَعِيسَى ﵉ فَلم لَا يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب فِي جَمِيع مَا نقلوه عَنْهُمَا وَفِي نقلهم أعلامهما وَلم لَا يجوز مثل ذَلِك على الْيَهُود أَيْضا وَنَقله الْبلدَانِ وَالسير وَهَذَا يعود إِلَى إبِْطَال القَوْل بالأخبار جملَة وَفِي إطباقنا
[ ٢١٨ ]
وإياهم على فَسَاد مَا أدّى إِلَى ذَلِك دَلِيل على فَسَاد قَوْلهم وَصِحَّة قَول الْمُسلمين وَالنَّصَارَى فِي هَذَا الْبَاب
وَكَذَلِكَ أَيْضا يُقَال للخرمذانية الَّذين يَقُولُونَ بتواتر الرُّسُل أَلَيْسَ قد نقل من خالفكم من كَافَّة الْمُسلمين عَن نَبِيّهم أَنه قَالَ (لَا نَبِي بعدِي) وَأَنه أكد ذَلِك وقرنه بِمَا علمُوا بِهِ ضَرُورَة قَصده إِلَى نفي كل نَبِي على التَّأْبِيد وعَلى كل حَال فَإِذا قَالُوا أجل قيل لَهُم فَهَل هم عنْدكُمْ صَادِقُونَ فِي نقلهم ذَلِك أم كاذبون فَإِن قَالُوا هم صَادِقُونَ أبطلوا إِثْبَات نبوة أحد بعد مُحَمَّد ﷺ وَإِن قَالُوا قد كذبُوا فِي هَذِه الدَّعْوَى عَلَيْهِ قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَيْضا من أَن تَكُونُوا كاذبين فِي نقل أَعْلَامه وَمَا أنكرتم من جَوَاز الْكَذِب على الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر نقلة الْأَعْلَام وَإِن جَازَ هَذَا جَازَ أَيْضا عَلَيْكُم الْكَذِب فِي نقلكم أَعْلَام كل نَبِي أثبتم نبوته وَبَطل أصل دينكُمْ وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء من ذَلِك
[ ٢١٩ ]