فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون مَا نَقله الْآحَاد كذبا وَإِن سلمت الْجَمَاعَات نقلهم بِدلَالَة إِنْكَار الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس الَّذين عاصروا مُحَمَّدًا ﷺ وجحدهم لَهَا وَقَوْلهمْ قد رَأَيْنَاهُ وعاصرناه فَمَا ظهر على يَده مِمَّا نَقله الْآحَاد من متبعيه شَيْء وَلَو كَانَ ذَلِك صَحِيحا لم يتهيأ لَهُم جَحده وإنكاره فَدلَّ ذَلِك على بُطْلَانه يُقَال لَهُم هَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن نقُول لَو دلّ على إِنْكَار من ذكرْتُمْ على كذب نقل الْآحَاد مَعَ إمْسَاك الْجَمَاعَات عَن رده لدل ذَلِك أَيْضا على كذب النَّقْل وَلَو شهِدت الْجَمَاعَات بِصِحَّتِهِ بَدَلا من سكتها عَلَيْهِ إِذْ لَا فرق بَين إِمْسَاكهَا عَن إِنْكَاره وإنكار مَا ادعِي عَلَيْهَا وَبَين تصويبها لَهُ على مَا بَيناهُ وَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لدل على إِنْكَار البراهمة وَالْمَجُوس وَأهل التَّثْنِيَة والإلحاد والتنجيم والطبائعيين لأعلام مُوسَى وَعِيسَى وَقَول من شاهدهما وعاصرهما من هَذِه الْفرق إِنَّا قد شاهدنا هذَيْن الرجلَيْن وعاصرناهما فَلم نر مِمَّا ادعِي لَهما من هَذِه الْأُمُور الَّتِي هِيَ فلق الْبَحْر وَإِخْرَاج الْيَد بَيْضَاء وإحياء ميت وإبراء أكمه وأبرص وزمن وَمن مشي على المَاء وَغير
[ ١٦٥ ]
ذَلِك على بطلَان مَا ادعِي وَنقل لَهما فَلَمَّا لم يكن هَذَا عندنَا وَعِنْدهم كَذَلِك لم يكن فِي إِنْكَار الْفرق لما قَامَ الدَّلِيل على صِحَّته وثبوته دَلِيل على بُطْلَانه وَكذب ناقليه فَإِن قَالُوا لَيْسَ يُنكر أحد مِمَّن ذكرْتُمْ ظُهُور هَذِه الْأُمُور على يَدي مُوسَى وَعِيسَى وَإِنَّمَا يُنكرُونَ كَونهَا معجزا وَيدعونَ أَنَّهَا حيل وتخييل ومخاريق فَبَطل مَا قلبتم بِهِ الِاعْتِرَاض علينا قيل لَهُم لَيْسَ الْأَمر على مَا ظننتم لِأَن أَكثر من ذَكرْنَاهُ بل الْكل مِنْهُم يجْحَد هَذِه الْأُمُور أصلا وَإِن تعاطى المتحذلق مِنْهُم أَحْيَانًا تَسْلِيمه جدلا والطعن فِيهِ بادعائه أَنه من ضروب السحر والحيل وَغير ذَلِك فَلَا معنى لإنكارهم لذَلِك
وَشَيْء آخر يبطل مَا سَأَلْتُم عَنهُ وَهُوَ أَنا لَا ننكر تكذب الْوَاحِد والاثنين وَجحد مَا شاهدوه وطيه وكتمانه من الْمُسلمين وَغَيرهم من سَائِر الْملَل وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَكُنَّا نعلم أَنه لم يحضر مَعَ النَّبِي ﷺ فِي هَذِه الْمشَاهد والغزوات من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس عدد يَنْقَطِع بهم الْعذر وَلَا يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب وطي مَا شوهد بل لَا نعلم أَيْضا أَنه حضر فِي أَكْثَرهَا أحد مِنْهُم لما كَانَ من إبعاده إيَّاهُم وإخراجهم عَن تِلْكَ الديار وتحيزهم إِلَى حَيْثُ يُمكنهُم قتال وَنصب راية حَرْب مَعَه من الْحُصُون
[ ١٦٦ ]
والنواحي كخيبر وَغَيرهَا لم يجب أَن يكون إِنْكَار من أنكر ذَلِك من الْيَهُود وَالنَّصَارَى حجَّة فِي إِبْطَاله لأَنهم إِمَّا أَلا يكون حضر مَعَه فِي أَكْثَرهَا أحد مِنْهُم أصلا أَو أَن يكون حضر مِنْهُم الْوَاحِد والاثنان والخمسة أَو الْعدَد الَّذِي يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب وعَلى مثلهم افتعاله والكتمان لما سمع وشوهد وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل هَذَا الِاعْتِرَاض بطلانا ظَاهرا
فَأَما الْعلم بِظُهُور الْقُرْآن على يَده ومجيئه من جِهَته فضرورة لَا إِشْكَال فِيهَا وَلَا جِدَال
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا وَجه دلَالَة ظُهُور الْقُرْآن على يَده مِمَّا يدل على صدقه قيل لَهُ وَجه ذَلِك من طَرِيقين أَحدهمَا نظمه وبراعته وَالثَّانِي مَا انطوى عَلَيْهِ من أَخْبَار الغيوب وَعلمهَا فَأَما وَجه الدّلَالَة من جِهَة نظمه فَهُوَ أَنا نعلم أَنه ﷺ تحدى الْعَرَب بِأَن تَأتي بِمثلِهِ فِي براعته وفصاحته وَحسن تأليفه ونظمه وجزالته ورصانته وإيجازه واختصاره واشتمال اللَّفْظ الْيَسِير مِنْهُ على الْمعَانِي الْكَثِيرَة ودعاهم إِلَى ذَلِك وطالبهم بِهِ فِي أَيَّام المواسم وَغَيرهَا مُجْتَمعين وَمُتَفَرِّقِينَ فَقَالَ لَهُم فِي نَص التِّلَاوَة ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ يَقُول مواليا معينا وَقَالَ ﴿فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات﴾ وَقَالَ ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ مُبَالغَة فِي تقريعهم بِالْعَجزِ عَنهُ مَعَ
[ ١٦٧ ]
أَن اللِّسَان الَّذِي نزل بِهِ لسانهم وَمَعَ الْعلم بِمَا هم عَلَيْهِ من عزة الْأَنْفس وَعظم الأنفة وَشدَّة الحمية والحرص على تَكْذِيبه وتشتيت جمعه وتفريق النَّاس من حوله والتوفر على إكذابه وَمَا عره وغض مِنْهُ وخروجهم إِلَى مَا خَرجُوا إِلَيْهِ مَعَه من الْحَرْب والمسايفة وَحمل الْأَنْفس على إِرَاقَة الدِّمَاء وَالْخُرُوج عَن الديار ومفارقة الأوطان
فَلَو كَانُوا مَعَ ذَلِك قَادِرين على معارضته أَو مُعَارضَة سُورَة مِنْهُ لسارعوا إِلَى ذَلِك ولكان أَهْون عَلَيْهِم وأخف من نصب الْحَرْب مَعَه والجلاء عَن الأوطان وَتحمل الْأَهْوَال وَالصَّبْر على الْقَتْل وألم الْجراح وَاحْتِمَال الذل والعار لِأَنَّهُ قد كَانَ ﷺ مكنهم من تَكْذِيبه من وَجْهَيْن أَحدهمَا قَوْله لن تَأْتُوا بِمثلِهِ وَالْآخر قَوْله إِن أتيتم فلجتم وَكنت مُبْطلًا وكنتم المحقين هَذَا مَعَ تِلَاوَته عَلَيْهِم فِي نَص التَّنْزِيل قَوْله ﴿وَمَا كنت تتلو من قبله من كتاب وَلَا تخطه بيمينك إِذا لارتاب المبطلون﴾
وَلَو عرفوه بذلك أَو بِصُحْبَة أهل الْكتب ونقلة السّير ومداخلة أهل الْأَخْبَار ومجالسة أهل هَذَا الشَّأْن لم يَلْبَثُوا أَن يَقُولُوا لَهُ هَذَا كذب لِأَنَّك مَا زلت مَعْرُوفا بِصُحْبَة أهل الْكتب ومجالستهم وقصدهم إِلَى مواضعهم ومواطنهم ومجاراتهم وَالْأَخْذ عَنْهُم والاستفادة مِنْهُم
[ ١٦٨ ]
وَفِي صدفهم عَن هَذَا أجمع وَعَن تكلّف مُعَارضَة سُورَة مِنْهُ أَو إِيرَاد مَا قل وَكثر من ذَلِك مَعَ علمهمْ بِخُرُوج نظم الْقُرْآن عَن سَائِر أوزان كَلَامهم ونظومهم أعظم دَلِيل على صدقه ﷺ وَأَن ظُهُور الْقُرْآن مِنْهُ وَهُوَ نَشأ مَعَهم وَبَين أظهرهم وَلم يعرفوه بِقصد أهل الْكتاب ومجالسة غير من لقوه وعرفوه والاقتباس مِنْهُ وَلَا انْفَرد بمداخلة فصيح مِنْهُم ومتقدم فِي البراعة واللسن عَلَيْهِم آيَة عَظِيمَة وَأمر خارق للْعَادَة لِأَن مثل ذَلِك لَا يكْتَسب بتَعَلُّم وتدقيق ذكاء وفطنة ولطيف حس وحيلة
وَلَا فرق بَين ذَلِك وَبَين أَن يبيت ﷺ وَهُوَ غير عَالم بلغَة الزنج وَالتّرْك وَغَيرهمَا من اللُّغَات ثمَّ يصبح أفْصح النَّاس بِكُل لُغَة مِنْهَا وأجرأهم فِيهَا مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لم يَأْخُذ ذَلِك عَن أَهلهَا لِأَن خلق الْعلم فِيهِ بذلك وإقدراه عَلَيْهِ فِي يسير الْوَقْت خرق للْعَادَة وخارج عَمَّا عَلَيْهِ بِنَاء الطبيعة وَكَذَلِكَ تعلم هَذِه اللُّغَات واكتساب مَعْرفَتهَا والتمكن من علمهَا وتحصيلها فِي يسير الْوَقْت الَّذِي لَا يكْتَسب فِي مثله الْعلم بعظيم مَا جَاءَ بِهِ آيَة عَظِيمَة وخرق للْعَادَة
فإنزال هَذَا الْكَلَام عَلَيْهِ واضطراره إِلَى إِجْرَاء لِسَانه أَو خلق لطبيعة يتَمَكَّن بهَا من إِدْرَاك هَذَا النّظم ورصفه وَبَيَانه من أظهر الْآيَات وَأبين الدلالات لِأَن التَّمَكُّن من تعلم ذَلِك بِكُل لَطِيفَة فِي يسير الْوَقْت مِمَّا لم تجر الْعَادة بِمثلِهِ نقض لَهَا وَالله سُبْحَانَهُ لَا يظْهر الْآيَات إِلَّا لما ذكرنَا من الْقَصْد إِلَى الدّلَالَة على صدق الرُّسُل ﵈
[ ١٦٩ ]