يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون لله سُبْحَانَهُ علم بِهِ علم فَإِن قَالُوا لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَهُ علم لوَجَبَ أَن يكون عرضا حَادِثا وغيرا لَهُ وَحَالا فِيهِ وَغير مُتَعَلق بمعلومين على سَبِيل التَّفْصِيل وَأَن يكون وَاقعا عَن ضَرُورَة أَو اسْتِدْلَال وَأَن يكون مِمَّا لَهُ ضد يَنْفِيه لِأَن كل علم عَقَلْنَاهُ ثَبت لعالم بِهِ فِي الشَّاهِد الْمَعْقُول فَهَذِهِ سَبيله وَإِثْبَات علم على خلاف مَا ذَكرْنَاهُ قَول لَا يعقل وَخُرُوج عَن حكم الشَّاهِد والمعقول وَذَلِكَ بَاطِل بِاتِّفَاق قيل لَهُم وَلم زعمتم أَن الْقَضَاء بِخِلَاف الشَّاهِد والوجود محَال وَأَن الشَّاهِد والوجود دَلِيل على مَا وصفتم فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك مُتَعَلقا
وَيُقَال
[ ٢٣٣ ]
لَهُم مَا أنكرتم على اعتلالكم من اسْتِحَالَة وجود إِنْسَان لَا من نُطْفَة وطائر لَا من بَيْضَة وبيضة لَا من طَائِر وفاعل فعل الْأَجْسَام لِأَن ذَلِك أجمع مِمَّا لم يُوجد وَيعْقل فِي الشَّاهِد وَهَذَا لُحُوق بِأَهْل الدَّهْر
وَيُقَال لَهُم فأحيلوا حَيا عَالما قَادِرًا لنَفسِهِ لأنكم لم تَجدوا ذَلِك فِي الشَّاهِد
ثمَّ يُقَال لَهُم فَمَا أنكرتم على اعتلالكم أَلا يَصح كَون صانع الْعَالم جلّ ذكره عَالما لِأَن الْعَالم فِي الشَّاهِد والمعقول وكل منا أَثْبَتْنَاهُ عَالما فِي شاهدنا لَا يكون إِلَّا جسما مُحدثا متحيزا حَامِلا للأعراض مؤتلفا متغايرا ومتبعضا ومضطرا ومستدلا وَلَا بُد أَن يكون ذَا قلب ورطوبة وَأَن لَا يكون الله سُبْحَانَهُ شَيْئا مَوْجُودا لِأَن الشَّيْء الْمَعْقُول لَا يخرج عَن أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو عرضا فَإِن مروا على ذَلِك تجاهلوا وَتركُوا التَّوْحِيد وَإِن أَبوهُ تركُوا تعلقهم بِمُجَرَّد الشَّاهِد والوجود
فَإِن قَالُوا لَيْسَ عِلّة كَون الْعَالم عَالما مَا وصفتم وَلَا حَده وَلَا معنى كَونه عَالما أَنه جسم أَو ذُو قلب أَو مستدل أَو مُضْطَر قيل لَهُم وَكَذَلِكَ فَلَيْسَ عِلّة كَون الْعلم علما مَا وصفتم وَلَا حَده وَلَا معنى كَونه علما أَنه مُحدث عرض غير الْعَالم وَحَال فِيهِ واستحالة تعلقه بمعلومين وَأَنه ضَرُورَة أَو اسْتِدْلَال لِأَنَّهُ قد يشركهُ فِي جَمِيع هَذِه الْأَوْصَاف مَا لَيْسَ بِعلم لِأَن الْحَرَكَة لَا تتَعَلَّق بمعلومين وَتَقَع اضطرارا أَو اكتسابا وَهِي عرض مُحدث غير الْعَالم وَلَيْسَت من الْعلم بسبيل فحاز لذَلِك إِثْبَات علم على خلاف صفة مَا ذكرْتُمْ كَمَا جَازَ ذَلِك فِي الشَّيْء والعالم
[ ٢٣٤ ]
ثمَّ يُقَال لَهُم فَإِن كُنْتُم على الشَّاهِد تعتمدون وَعَلِيهِ تعولون فأوجبوا إِذا كَانَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ عَالما أَن يكون ذَا علم وَهَذَا أوجب لِأَنَّهُ غير منتقض من أحد طَرفَيْهِ لِأَن كل عَالم منا فَهُوَ ذُو علم وكل ذِي علم فَهُوَ عَالم وَلَيْسَ كل مُحدث عرضا غير الْعَالم وَحَالا فِي قلب وَمِمَّا يَسْتَحِيل تعلقه بمعلومين على وَجه التَّفْصِيل فَهُوَ علم فَإِن جَازَ إِثْبَات عَالم لَيْسَ بِذِي علم وَإِن كَانَ ذَلِك خلاف الْمَعْقُول جَازَ أَيْضا إِثْبَات علم لَيْسَ بِعرْض مُحدث حَال غير الْعَالم وَإِن كَانَ ذَلِك خلاف الْمَعْرُوف فِي الشَّاهِد والوجود
وَإِن هم قَالُوا هَذِه الْأَوْصَاف هِيَ شُرُوط فِي كَون الْعلم علما وَلَيْسَت بعلة لكَونه علما وَلَا حدا لَهُ
قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك فَلَا يَجدونَ إِلَى تَصْحِيح ذَلِك سَبِيلا إِلَّا بِأَنَّهُم لم يَجدوا علما يَنْفَكّ من ذَلِك فَيُقَال لَهُم فَمَا أنكرتم أَيْضا أَن يكون جَمِيع مَا عارضناكم بِهِ فِي الْعَالم من شُرُوط كَونه عَالما وَإِن لم يكن من حَده وَلَا معنى وَصفه أَنه عَالم وَلَا من عِلّة كَونه عَالما بِدلَالَة أَنا لم نجد وَلم نعقل بَيْننَا إِلَّا كَذَلِك
وَإِن قَالُوا فَمن أَيْن نعلم أَن الصّفة شَرط فِي اسْتِحْقَاق صفة أُخْرَى وَهل طَرِيق هَذَا إِلَّا أَنا لم نجد أحد الوصفين مُسْتَحقّا إِلَّا مَعَ وجود
[ ٢٣٥ ]
الآخر وثبوته قيل لَهُ لَيْسَ الْأَمر على مَا ظننته
لِأَنَّهُ لَو كَانَ الدَّلِيل على أَن الصّفة شَرط فِي اسْتِحْقَاق صفة أُخْرَى مَا ذكرْتُمْ لوَجَبَ أَن نقضي على أَن من شَرط الْعَالم الْمَوْجُود الْقَائِم بِنَفسِهِ أَن يكون جوهرا قَابلا للأعراض ذَا حيّز فِي الْوُجُود
ثمَّ إِنَّا لم نجد عَالما فِي الشَّاهِد إِلَّا جوهرا متحيزا فِي الْوُجُود قَابلا للأعراض وَهَذَا يبطل التَّوْحِيد
وَإِنَّمَا الْمُعْتَمد فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَن يُقَال إِنَّه إِنَّمَا يعلم أَن وجود الصّفة شَرط فِي اسْتِحْقَاق صفة أُخْرَى إِذا علمنَا أَن وجود إِحْدَى الصفتين مَعَ عدم الْأُخْرَى الَّتِي جعلت شرطا فِيهَا مؤد إِلَى ضرب من الْمحَال والجهالات وقلب الْحَقَائِق والدلالات وَمَا قد دلّ الْعقل على فَسَاده وَأَن الضَّرُورَة تقضي بإبطاله
وَذَلِكَ كوصف المتحرك بِأَنَّهُ متحرك بِكَوْنِهِ مَوْجُودا وَوصف الْعَالم بِأَنَّهُ عَالم بِكَوْنِهِ حَيا من حَيْثُ علم أَنه لَو جَازَ أَن يكون المتحرك بالحركة مَعْلُوما والعالم غير شَيْء