وَإِن قَالُوا الدَّلِيل على منع إرْسَال الرُّسُل والغنى عَنْهُم أَن الله سُبْحَانَهُ أكمل الْعُقُول وَحسن فِيهَا الْحسن وقبح فِيهَا الْقَبِيح وَجعلهَا دلَالَة
[ ١٤٤ ]
على مراشد الْخلق ومصالحهم وَمنع بهَا من التظالم وَجعلهَا دلَالَة وذريعة إِلَى علم كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ
وَلَيْسَ يجوز أَن يَأْتِي الرُّسُل بِغَيْر مَا وضع فِي الْعقل فَدلَّ ذَلِك على الْغنى عَنْهُم وَعدم حَاجَة الْخلق إِلَيْهِم
فَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم من أَنه لَا سَبِيل من نَاحيَة الْعقل إِلَى إِيجَاب شَيْء وَلَا إِلَى حظره وَلَا إِلَى إِبَاحَته وَأَن ذَلِك لَا يثبت فِي أَحْكَام الْأَشْيَاء إِلَّا من جِهَة السّمع وَأَن التَّعْرِيض للثَّواب لَا يَقع بالأفعال الْوَاقِعَة مَعَ فقد السّمع لِأَنَّهَا لَا تكون مَعَ فَقده طَاعَة لله سُبْحَانَهُ وَلَا قربَة إِلَيْهِ وَلَا يُثَاب صَاحبهَا وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَلَا بُد من سمع يَأْتِي على لِسَان رَسُول بِفعل قرر السّمع وُجُوبه فَعلم أَن الْعلم بِالْقربِ وَحُصُول الثَّوَاب عَلَيْهَا لَا يجوز أَن يثبت عقلا فقد بَطل قَوْلكُم إِن جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْعباد من المراشد والمصالح مدرك من نَاحيَة الْعُقُول فدلوا على صِحَة مَا تَدعُونَهُ من إِيجَاب الْعقل لشَيْء من الْأَفْعَال وحظر شَيْء مِنْهَا وإباحته حَتَّى يسلم لكم مَا بنيتم عَلَيْهِ
فَإِن قَالُوا أَو قَالَ إخْوَانهمْ من الْمُعْتَزلَة الدَّلِيل على ذَلِك علمنَا بِوُجُوب النّظر عِنْد قرع الخواطر لقلوبنا وتخويف بَعْضهَا من الضَّرَر بترك النّظر ونعلم أَيْضا وجوب شكر الْمُنعم وَترك الْكفْر بِهِ وَوُجُوب معرفَة الله وَحسن الْعدْل والإنصاف وقبح الظُّلم والعدوان فَوَجَبَ تَقْرِير الْفَرَائِض من نَاحيَة الْعُقُول يُقَال لَهُم أما قَوْلكُم إِنَّكُم تعلمُونَ وجوب النّظر اضطرارا عِنْد اخْتِلَاج الخواطر على الْقُلُوب فَإِنَّهُ بَاطِل لِأَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لاشترك فِي علمه جَمِيع العاقلين وَلم يسع جَحده من قوم بهم ثبتَتْ الْحجَّة
[ ١٤٥ ]
ونضطر إِلَى صدق نقلهم فِيمَا أخبروا بِهِ عَن مُشَاهدَة واضطرار
وَفِي علمنَا بِخِلَاف ذَلِك من أَنْفُسنَا وَعلمنَا أَن كثيرا من الدهرية وَأهل الْملَل يُنكر حسن النّظر جملَة وَقَول كثير من الثنوية إِنَّه بَاطِل وَإنَّهُ سفه وَشر وَإنَّهُ من تَدْبِير الظلام لِأَنَّهُ يُورث الْعَدَاوَة والأحقاد وَيخرج إِلَى الْهَرج وَالْفساد وَاسْتِحْلَال الدِّمَاء وَالْأَمْوَال دَلِيل على أَن الْعلم بِوُجُوبِهِ أبعد عَن أَن يكون اضطرارا
وَكَيف يعلم وُجُوبه اضطرارا من لَا يعلم حسنه اضطرارا أَو يعْتَقد وجوب تَركه وقبحه هَذَا غَايَة البهت مِمَّن صَار إِلَيْهِ من لبراهمة والمعتزلة
وَيُقَال لَهُم فِي قَوْلهم إِنَّا نعلم وجوب شكر الْمُنعم وَترك الْكفْر بِهِ اضطرارا مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قَالَ إِنَّكُم تعلمُونَ بطلَان ذَلِك اضطرارا فَلَا يَجدونَ لذَلِك مدفعا
وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم لَو علمْتُم حسن إلذاذ غَيْركُمْ لكم إِذا قصد نفعكم وقبح إيلامه لكم إِذا قصد الاضرار بكم لوَجَبَ أَن نعلم من حسن ذَلِك أَو قبحه مَا علمْتُم من غير سمع وتوقيف على حسن ذَلِك وقبحه اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يعنوا بالْحسنِ ميل الطباع إِلَى فعل اللَّذَّات ونفورها عَن فعل الآلام فَهَذَا لعمري مَعْلُوم حسا وَلَكِن لَيْسَ ميل الطباع إِلَى الشَّيْء يَقْتَضِي شكر فَاعله وَلَا نفورها عَنهُ يَقْتَضِي قبحه وذمه على سَبِيل مَا تَدعُونَهُ فَبَطل مَا تعلقتم بِهِ
وَإِن قَالُوا لَو كَانَ الْعلم بِوُجُوب هَذِه الْأُمُور وقبح الْقَبِيح الَّذِي
[ ١٤٦ ]
ذَكرْنَاهُ مِنْهَا وَحسن الْحسن لَا يعلم إِلَّا من طَرِيق السّمع لم يعلم قبح ذَلِك وَلَا حسنه إِلَّا من علم السّمع وعرفه فَلَمَّا كُنَّا نعلم ذَلِك ويعلمه كثير من أهل الْملَل قبل الْعلم بِصِحَّة السّمع وبلوغه إِلَيْنَا ثَبت أَن الْعلم بِمَا وَصفنَا لَيْسَ بموقوف على وُرُود السّمع يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَلا يعلم ذَلِك إِلَّا من علم السّمع وَعرف وُجُوبه وَأَن يكون من اعْتقد قبح الْقَبِيح وَحسن الْحسن من غير علم بِمَا لَهُ كَانَ حسنا وقبيحا فَإِنَّهُ مُعْتَقد للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَإِن لم يكن اعْتِقَاده ذَلِك علما بل هُوَ ظن وتقليد وعَلى سَبِيل الْمُتَابَعَة لأهل الشَّرَائِع كَمَا أَن المعتقد للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ من غير جِهَة الِاضْطِرَار وَالِاسْتِدْلَال غير عَالم بِهِ وَإِن كَانَ مُعْتَقدًا لَهُ على مَا هُوَ بِهِ وكما أَن المعتقد لكَون الْوَصْف وَالْحكم ثَابتا للشَّيْء مَعَ الْجَهْل بعلته الَّتِي كَانَ لَهَا غير عَالم بِهِ فِي الْحَقِيقَة وَهَذَا يبطل تعلقهم
فَإِن قَالَ من الْفَرِيقَيْنِ قَائِل أَعنِي البراهمة والمعتزلة لَو كَانَ قبح هَذِه الْأُمُور وحسنها غير مَعْلُوم بِالْعقلِ بل بِالسَّمْعِ لوَجَبَ أَن يكون الْعلم بقدم الْقَدِيم وحدوث الْمُحدث وَحَقِيقَة الْجَوْهَر وَالْعرض وَالْعلم بِكُل مَعْلُوم غير مدرك من نَاحيَة الْعقل بل بِحجَّة السّمع فَلَمَّا لم يجز ذَلِك بَطل مَا قُلْتُمْ قيل لَهُم لم قُلْتُمْ هَذَا فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك سوى الدَّعْوَى
ثمَّ يُقَال لَهُم مَا الْفَصْل بَيْنكُم وَبَين من زعم أَنه لَو جَازَ أَو وَجب أَن يعلم بعض المعلومات اضطرارا لَا اسْتِدْلَالا لجَاز أَو وَجب أَن يعلم سَائِر المعلومات اضطرارا لَا اسْتِدْلَالا وَكَذَلِكَ لَو جَازَ أَن يعلم بعض المعلومات نظرا
[ ١٤٧ ]
واستدلالا لَا اضطرارا لوَجَبَ أَن يعلم سَائِر المعلومات نظرا واستدلالا وَكَانَ يجب أَن يكون الْعلم بِسَائِر المشاهدات والمحسوسات علما وَاقعا عَن نظر واستدلال وَهَذَا جهل من رَاكِبه
وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم لَو جَازَ أَو وَجب الْعلم بِبَعْض هَذِه الْأُمُور من نَاحيَة الْخَبَر كَالْعلمِ بالصين وخراسان وَالسير والممالك لجَاز أَن يكون سَائِر الْأُمُور مَعْلُومَة خَبرا وَإِذا جَازَ أَو وَجب أَن يعلم بعض الْأُمُور بِغَيْر خبر اسْتَحَالَ الْعلم بِشَيْء من جِهَة الْخَبَر أصلا فَإِن لم يجب هَذَا أجمع لم يجب إِذا علم بعض الْأُمُور عقلا أَن يعلم سائرها من هَذِه الْجِهَة وَلَا إِذا علم بعض الْأُمُور اضطرارا وَجب الْعلم بسائرها من هَذِه الطَّرِيقَة
ويخص حَشْو أَصْحَاب هَذِه الْمقَالة من أَتبَاع الْمَجُوس البراهمة وهم الْمُعْتَزلَة إِن استدلوا بِهَذِهِ الدّلَالَة بِأَن يُقَال لَهُم لَو كَانَ مَا قلتموه صَحِيحا لوَجَبَ إِذا كَانَ الْعلم بِوُجُوب بعض الْوَاجِبَات وَحسن بعض المحسنات وقبح بعض المقبحات لَا يدْرك وينال إِلَّا سمعا نَحْو وجوب الصَّلَاة وتقديرها والزكوات ونصابها وَحسن إِيجَاب الدِّيَة على الْعَاقِلَة وتقبيل الْحجر وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وقبح شرب الْخمر وَالْوَطْء بِغَيْر عقد وَلَا ملك يَمِين وقبح ترك الصَّلَوَات وَمَا جرى مجْرى ذَلِك مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى علم وُجُوبه وقبحه وَحسنه من نَاحيَة الْعقل أَن يكون الْعلم بِوُجُوب النّظر عِنْد الخاطر وَوُجُوب الْمعرفَة وَحسن الْعدْل والإنصاف وقبح الظُّلم والعدوان وَوُجُوب شكر الْمُنعم وَترك الْكفْر بِهِ مدْركا كَالْعلمِ بسائره من جِهَة السّمع دون الْعقل فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا قَوْلهم وَأَن أَبوهُ أبطلوا استدلالهم
[ ١٤٨ ]
وَإِن قَالَ الْفَرِيقَانِ وَمن تَابعهمْ الدَّلِيل على أَن قضايا الْعُقُول تحسن وتقبح علمنَا بِأَن من أمكنه التَّوَصُّل إِلَى غَرَضه بِالصّدقِ وَالْكذب وَجب عَلَيْهِ أَن يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِالصّدقِ دون الْكَذِب وَأَنه لَا يَقع مِنْهُ إِلَّا ذَلِك وَلَيْسَ يتْرك إِلَى الْغَرَض فِي هَذِه الْأُمُور بِالْكَذِبِ إِلَى الصدْق إِلَّا لحسن الصدْق وقبح الْكَذِب فَوَجَبَ قَضَاء الْعقل على حسن الْحسن وقبح الْقَبِيح فَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم من أَنه إِن كَانَ القاصد إِلَى التَّوَصُّل إِلَى غَرَضه مِمَّن لَا يعْتَقد تَفْضِيل الصدْق على الْكَذِب وَلَا هُوَ بَين قوم يَعْتَقِدُونَ ذَلِك وَلَا يرَوْنَ فِي الْكَذِب عارا وَلَا فِي الصدْق مدحا وَلَا تَعْظِيمًا وَلَا يفرقون فِي التَّفْضِيل بَين الْكَذِب والصدق وَبَين الْكَذِب والصدق وَلَا يدينون بذلك أَنه مُخَيّر فِي التَّوَصُّل إِلَى غَرَضه بَين الصدْق وَالْكذب كَمَا أَن المعتقد للتوصل إِلَى غَرَضه بِكُل وَاحِد من الدرهمين اللَّذين مَعَه على وَجه وَاحِد وبالكلام وَالسُّكُوت على حد غير مُخْتَلف وبحركة يَمِينه وشماله وَالدَّفْع بهما من غير مزية تحصل فِي الدّفع بِإِحْدَاهُمَا مُخَيّر بَين إِنْفَاق أَي الدرهمين شَاءَ وَبَين السُّكُوت وَالْكَلَام والتحريك بِالْيَمِينِ وَالشمَال إِذْ اسْتَوَت هَذِه الْحَال عِنْده فِي ذَلِك واعتدلت فِي نَفسه وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك سقط مَا اعتللتم بِهِ
فَإِن قَالُوا بعد هَذَا يجب على هَذَا الْإِنْسَان أَن يخْتَار الصدْق على الْكَذِب لحسنه قيل لَهُم ذَلِك جهل من الْكَلَام وعدول عَن النّظر وَذَلِكَ أَنهم جعلُوا وجوب التَّوَصُّل إِلَى الْغَرَض بِفعل الصدْق دون الْكَذِب دلَالَة
[ ١٤٩ ]
على حسن الصدْق فَلَمَّا أبطلنا ذَلِك عَلَيْهِم رجعُوا يجْعَلُونَ الدّلَالَة على وجوب فعل الصدْق دون الْكَذِب حسنه وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يثبت حسن الصدْق وَلَا وجوب فعله وَذَلِكَ أَنا إِذا لم نعلم وجوب فعل الصدْق إِلَّا إِذا علمنَا حسنه وَلم نعلم حسنه إِلَّا إِذا علمنَا وُجُوبه لم يكن لنا طَرِيق إِلَى الْعلم بِوُجُوبِهِ وَلَا بحسنه كَمَا أَن قَائِلا لَو قَالَ إِنِّي لَا أعلم أَن زيدا فِي الدَّار حَتَّى أعلم أَن عمرا فِيهَا وَلَا أعلم أَن عمرا فِيهَا حَتَّى أعلم أَن زيدا فِيهَا لم يجز أَن يعلم ان زيدا فِي الدَّار وَلَا عمرا لِأَنَّهُ قد جعل شَرط علمه بالشَّيْء شرطا لما هُوَ شَرط لَهُ وَذَلِكَ مَا يحِيل وُقُوع كل وَاحِد من المشروطين وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك ثَبت بِهَذِهِ الْجُمْلَة أَن الْعلم بِوُجُوب الْأَفْعَال وحظرها وإباحتها غير مدرك بقضايا الْعُقُول وَثَبت أَنه لَا بُد من سمع يكْشف عَمَّا ينَال بِهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب ويحظر الله تَعَالَى بِهِ الْجَهْل بِوُجُودِهِ وَترك النّظر فِيمَا يُؤَدِّي إِلَى مَعْرفَته على من كلفه ذَلِك من خلقه وَهَذَا أعظم الْأُمُور وأجسمها خطرا وَهَذَا غير مدرك علمه من جِهَة الْعُقُول فَبَطل قَول البراهمة إِن الْعقل يسْتَغْنى بِهِ فِي إِدْرَاك جَمِيع المراشد والمصالح
ثمَّ يُقَال لَهُم خبرونا من أَيْن عرفت الْعُقَلَاء الأغذية من الْأَدْوِيَة والسموم القاتلة الوحية مِنْهَا وَغير الوحية وَإِنَّمَا هجموا على الْعَالم بَغْتَة وَلَيْسَ فِي دَلَائِل عُقُولهمْ مَا يعْرفُونَ بِهِ الأغذية والأدوية والسموم القاتلة وَلَا
[ ١٥٠ ]
فِي مشاهداتهم وَسَائِر حواسهم مَا يدل على ذَلِك أَو يحس بِهِ معرفَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من هَذَا الْبَاب وَلَا هُوَ مِمَّا يعرف باضطرار
فَإِن قَالُوا إِنَّمَا أدْرك النَّاس ذَلِك قَدِيما وعرفوه بالامتحان والتجربة على أجسامهم وأجسام أمثالهم من نسل آدم ﵇ قيل لَهُم فَهَذَا مخرج للقديم سُبْحَانَهُ عَن الْحِكْمَة لِأَنَّهُ قد كَانَ قَادِرًا عنْدكُمْ وَعِنْدنَا أَن يعرفهُمْ السمومات ويوقفهم على الاغتذاء بِمَا فِيهِ صَلَاح أجسامهم والأدوية الَّتِي عِنْد تنَاولهَا تَزُول أمراضهم وأسقامهم فيغنيهم ذَلِك عَن إِتْلَاف أنفسهم وأمثالهم وَذَهَاب كثير مِنْهُم بالامتحان وَطول التجربة وَلَيْسَ بِحَكِيم عنْدكُمْ من قدر أَن يُوقف أَوْلَاده وضعفته وَمن يحب مصْلحَته على تجنب مَا فِيهِ هَلَكته وَتَنَاول مَا فِيهِ سَلَامَته وَبَقَاء مهجته فَلم يفعل وأحالهم على التجربة والامتحان الَّذِي فِيهِ عطب الْبَعْض مِنْهُم والبوار وَهَذَا مَا لَا حِيلَة لَهُم فِيهِ
فَإِن قَالُوا إِنَّمَا أدْرك علم ذَلِك بالامتحان على أجسام غير النَّاس من الْحَيَوَان نَحْو الذئاب وَالْكلاب وأجناس الطير وَغَيرهم من الْحَيَوَان قيل لَهُم فَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا لِأَن إِتْلَاف جَمِيع الْحَيَوَان عنْدكُمْ قَبِيح فَإِذا أباحكم الله إِتْلَاف بعضه بالتجربة والمحنة وَهُوَ قَادر على توقيفكم على مَا يُغني عَن إِتْلَاف الْحَيَوَان فقد سفه على أوضاعكم وَخرج
[ ١٥١ ]
على زعمكم عَن الْحِكْمَة وَلَا فرق بَين النَّاس فِي ذَلِك وَبَين كل حَيَوَان يلذ ويألم
وَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم من أَن لَا يحصل أَيْضا لبني آدم علم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب بالتجربة على أجسام الْحَيَوَان سوى الْإِنْسَان وَذَلِكَ أَن الْحَيَوَان مُخْتَلف الطباع والأغذية والأدوية وَأَن مِنْهُ مَا يعالج مَرضه بِمَا لَو عولج بِهِ الْإِنْسَان لتلف وَمِنْه مَا يغتذي بِمَا لَو اغتذى بِهِ الْإِنْسَان أَو أكل يسيره لتلف كالوعل الَّذِي يَأْكُل الْحَيَّات والظبي الَّذِي يرْعَى الحنظل والوحش الَّذِي لَا يعْمل فِي جسده شَيْء من خشَاش الأَرْض وكالنعم الَّذِي يقتات التِّبْن والقت والسمك الَّتِي ترعى الطين وَغَيره وَلَو أكل الْإِنْسَان بعض هَذِه الْأَشْيَاء لَأَدَّى إِلَى تلفه فَمن أَيْن لِابْنِ آدم بِالْحَيَوَانِ الَّذِي طبعه فِي التَّسْوِيَة مثل طبعه وغذاؤه مثل غذائه ودواؤه مثل دوائه مَعَ اخْتِلَاف طبائعه وتباين تركيبه وشهواته ونفوره فَلَا يَجدونَ إِلَى دفع ذَلِك سَبِيلا
ثمَّ يُقَال لَهُم أَلَيْسَ قد تجرب الحشيشة على جسم بعض الْحَيَوَان فتولد حمى فِي كبده أَو ورما فِي طحاله أَو تقطعا فِي أمعائه وَغير ذَلِك من الأدواء الَّتِي يعظم شَأْنهَا وَيخَاف التّلف بهَا فَلَا يعلم مَا ولدت تِلْكَ الحشيشة وَالثَّمَرَة لِأَنَّهُ لَيْسَ بناطق يذكر مَا يجده ويخبر بِسَبَبِهِ فَمَا يؤمننا أَن يتَنَاوَل من ذَلِك شَيْئا فيولد مَرضا مثل الَّذِي وَلَده فِي جسم الْحَيَوَان فَلَا يقدرُونَ على دفع ذَلِك بِحجَّة
وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم أَلَيْسَ من السمُوم مَا
[ ١٥٢ ]
يقتل لوقته وساعته وَمِنْه ليومه وَمِنْه مَا يقتل بعد شهر وحول فَإِن قَالُوا نعم قيل لَهُم فَمَا الَّذِي يؤمننا من أَن يكون تلف ذَلِك الْحَيَوَان بعد يَوْم أَو شهر أَو سنة من تَأْثِير تِلْكَ الثَّمَرَة وَعمل تِلْكَ الحشيشة وإننا لَا نَأْمَن أَن يكون مَا جربناه عَلَيْهِ قَاتلا بعد سنة فَمَا الْأمان لنا عِنْد أكله من الاستضرار والتلف بعده بِوَقْت أَو أَوْقَات فَلَا يَجدونَ سَبِيلا إِلَى الْخَلَاص من ذَلِك
وَهَذَا يدل على بطلَان مَا تعلقوا بِهِ فَوَجَبَ أَن يكون الْعلم بِهَذَا الشَّأْن الجسيم والخطب الْعَظِيم غير منال وَلَا مدرك من جِهَة الْعقل وَأَن النَّاس محتاجون فِي علم ذَلِك إِلَى سمع وتوقيف وَأَن الْوَاجِب على أصولهم أَن يكون الْعلم بِأَصْل الطِّبّ موقفا عَلَيْهِ ومأخوذا من جِهَة الرُّسُل ﵈ وَإِن قيس على ذَلِك واحتذي عَلَيْهِ وعَلى هَذَا أَكثر الْأمة وَكثير مِمَّن خالفهم من أهل الْملَل
وَمِمَّا يدل على صِحَة إرْسَال الله تَعَالَى الرُّسُل وجوازه هُوَ أَنه إِذا لم يكن فِي إرسالهم إِفْسَاد التَّكْلِيف وَلَا إبِْطَال المحنة وَلَا إِيجَاب قلب بعض الْأَدِلَّة وَلَا إِخْرَاج الْقَدِيم عَن قدمه وَلَا قلب لبَعض الْحَقَائِق وَلَا إِلْحَاق صفة النَّقْص بالمرسل جلّ ذكره وَكَانَ فِي إرْسَاله تَعْرِيض لخلق من الْمُكَلّفين لثواب جزيل ونفع عَظِيم صَحَّ ذَلِك فِي حكمته وَكَانَ
[ ١٥٣ ]
عدلا من فعله سُبْحَانَهُ
وَمِمَّا يدل على جَوَاز إرْسَال الله الرُّسُل وَأَنه قد فعل ذَلِك علمنَا بِأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمين قد أطبقوا على نقل أَعْلَام مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد ﷺ وَعَلَيْهِم وَأَن الْكَذِب مُسْتَحِيل جَوَازه على مثلهم من نَاحيَة التراسل والتكاتب المواطأة على ذَلِك لِأَن تَمام ذَلِك وانتظامه من مثلهم محَال مُتَعَذر فِي الْعَادة ومحال أَيْضا جَوَازه على مثلهم بِأَن يجتمعوا جَمِيعًا فِي بقْعَة وَاحِدَة من حَيْثُ يُشَاهد بَعضهم بَعْضًا ويتوافقوا على الْكَذِب وَنَقله وإذاعته لِأَن اجْتِمَاع مثلهم فِي بقْعَة وَاحِدَة مُتَعَذر فِي مُسْتَقر الْعَادة وَلَو أمكن أَيْضا اجْتِمَاعهم لتعذر فِي مُسْتَقر الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب وَنَقله واستتار ذَلِك مِنْهُم وانكتامه عَلَيْهِم لِأَن الْعَادة مَوْضُوعَة على خلاف ذَلِك ويستحيل أَيْضا وُقُوع الْكَذِب من جمَاعَة من ذكرنَا من نَقله أَعْلَام الرُّسُل بِاتِّفَاق وُقُوعه لِأَن الْعَادة لم تجر بِاتِّفَاق وُقُوع الْكَذِب فِي مائَة ألف إِنْسَان عَن مخبر وَاحِد لداع وَاحِد ودواع مُتَفَرِّقَة وَإِن جَازَ ذَلِك من الْوَاحِد والاثنين والنفر الْيَسِير وَلَيْسَ يُمكن وُقُوع الْكَذِب من هَذِه الْجَمَاعَات إِلَّا على هَذِه الْوُجُوه فَإِذا امْتنعت فسد جَوَاز الْكَذِب عَلَيْهِم وَفِي فَسَاد ذَلِك إِيجَاب صدقهم فِيمَا نقلوه وَصِحَّة مَا إِلَيْهِ ذَهَبْنَا وَلَو أمكن وُقُوع الْكَذِب من جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من نقلة أَعْلَام الرُّسُل على بعض هَذِه الْوُجُوه أَو غَيرهَا لداع وَاحِد أَو دواع متباينة لأمكن وُقُوعه من نقلة الْأَمْصَار والبلدان والممالك
[ ١٥٤ ]
وَالسير وَلم نَأْمَن أَلا تكون فِي الْعَالم بَلْدَة تدعى خُرَاسَان والنهروان والبردان ولجاز جحد مَا نأى وَقرب منا من الْبلدَانِ وَفِي بطلَان ذَلِك دَلِيل على صِحَة إِثْبَات نبوة الرُّسُل ﵈
وسنقول فِي الْكَلَام فِي الْأَخْبَار وأقسامها وَنصف التَّوَاتُر مِنْهَا والآحاد وَمَا يعلم صِحَة مخبره باضطرار وَمَا يعلم بِنَظَر واستدلال وأحوال المخبرين عَنهُ عِنْد انتهائنا إِلَى الْكَلَام فِي الْإِمَامَة وَالرَّدّ على الْيَهُود قولا بَينا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمَتى ثَبت صِحَة نَقله أَعْلَام الرُّسُل من الْمُسلمين وَغَيرهم من أهل الْملَل علم بذلك ثُبُوت نبوتهم لِأَن الله سُبْحَانَهُ لَا يظْهر المعجزات ويخرق الْعَادَات على الَّذِي يدعى النُّبُوَّة مَعَ الْعلم بدعواهم عَلَيْهِ إِلَّا للدلالة على صدقهم وَالشَّهَادَة بِثُبُوت نبوتهم
فَأَما المثبتون من البراهمة لنبوة آدم الجاحدون لمن بعده من الرُّسُل والمثبتون لنبوة إِبْرَاهِيم الجاحدون لمن بعده من الرُّسُل فقد أقرُّوا بِجَوَاز إرْسَال الرُّسُل وَأَنه قد وجد وَنقل وَإِن خالفوا فِي نبوة قوم بأعيانهم وَلَيْسَ ذَلِك من قَول محيل الرسَالَة جملَة فِي شَيْء فَيُقَال
[ ١٥٥ ]
لَهُم مَا الدَّلِيل على إِثْبَات نبوة آدم وَإِبْرَاهِيم ﵉ فَإِن قَالُوا ظُهُور الْأَعْلَام على أَيْدِيهِمَا قيل لَهُم وَمَا الدَّلِيل على صِحَة هَذِه الْأَعْلَام وَنحن لم نشاهدها وَلَا عاصرنا أَصْحَابهَا فَإِن قَالُوا لنقل من يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْكَذِب لَهَا عورضوا بِمثل ذَلِك فِي نقل أَعْلَام مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد ﵈ وَالْكَلَام مَعَ هَؤُلَاءِ كَالْكَلَامِ مَعَ الْيَهُود وَسَنذكر مِنْهُ مَا ينبىء عَن الْحق إِن شَاءَ الله تَعَالَى
بَاب الْكَلَام على الْيَهُود فِي إِثْبَات نبوة مُحَمَّد ﷺ وَالرَّدّ على من أنكرها وَطعن فِيهَا من الْمَجُوس والصابئة وَالنَّصَارَى
فَإِن قَالَ قَائِل قد دللتم على جَوَاز إرْسَال الله الرُّسُل ﵈ فَمَا الدَّلِيل على إِثْبَات نبوة نَبِيكُم مَعَ خلاف من يخالفكم
[ ١٥٦ ]
فِيهَا من النَّصَارَى وَالْيَهُود وَغَيرهم من أهل الْأَدْيَان قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك مَا ظهر على يَده ﷺ من الْآيَات الباهرة والمعجزات الْقَاهِرَة والحجج النيرة الخارقة للْعَادَة والخارجة عَمَّا عَلَيْهِ الْعَادة وتركيب الطبيعة وَالله سُبْحَانَهُ لَا يظْهر المعجزات وَلَا ينْقض الْعَادَات إِلَّا للدلالة على صدق صَاحبهَا وكشف قناعه وَإِيجَاب الْإِقْرَار بنبوته والخضوع لطاعته والانقياد لأوامره ونواهيه
فَإِن قَالُوا وَمَا هَذِه المعجزات الدَّالَّة على صدقه قيل أُمُور
[ ١٥٧ ]
كَثِيرَة مِنْهَا الْقُرْآن المرسوم فِي مَصَاحِفنَا الَّذِي أَتَى بِهِ وتحدى الْعَرَب بالإتيان بِمثلِهِ وَمِنْهَا حنين الْجذع وَكَلَام الذِّئْب وَجعل قَلِيل الطَّعَام كثيرا وانشقاق الْقَمَر وتسبيح الْحَصَى فِي يَده وَكَلَام الذِّرَاع لَهُ فِي غير هَذِه الْآيَات مِمَّا يجْرِي مجْراهَا وَقد علم أَن مَجِيء مثلهَا من الْخلق مُمْتَنع مُتَعَذر وَأَنه من مقدورات الْخَالِق سُبْحَانَهُ
فَإِن قَالُوا وَمَا الطَّرِيق إِلَى الْعلم بِصِحَّة هَذِه الْآيَات وظهورها على يَدَيْهِ قيل لَهُم السَّبِيل إِلَى ذَلِك من طَرِيقين أَحدهمَا الِاضْطِرَار وَالْآخر النّظر وَالِاسْتِدْلَال
فَأَما الْعلم بِظُهُور الْقُرْآن على يَده ومجيئه من جِهَته وَأَنه تحدى الْعَرَب أَن تَأتي بِمثلِهِ فواقع لنا وَلكُل من خَالَفنَا باضطرار من حَيْثُ لَا يُمكن جَحده وَلَا الارتياب بِهِ كَمَا أَن الْعلم بِظُهُور النَّبِي ﷺ بِمَكَّة وَالْمَدينَة ودعوته إِلَى نَفسه وَاقع من جِهَة الِاضْطِرَار لِأَن الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس والصابئة والثنوية والزنادقة وكل منحرف عَن الْملَّة يقرونَ بِأَن الْقُرْآن المتلو فِي محاريبنا المرسوم فِي مَصَاحِفنَا من قبل النَّبِي ﷺ نجم وَمن جِهَته ظهر من غير اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك
فَلَو حمل حَامِل نَفسه على ذَلِك لجحد الضَّرُورَة وَسَقَطت مُطَالبَته كَمَا لَو ادّعى مُدع أَن التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لَيْسَ هما من جملَة مَا ظهر من قبل مُوسَى وَعِيسَى ﵉ لَكَانَ معاندا وجاحدا
[ ١٥٨ ]
للضَّرُورَة بل لَو جحد جَاحد مَا دون هَذَا فَزعم أَن قفا نبك لَيست من شعر امرىء الْقَيْس ودع هُرَيْرَة إِن الركب مرتحل لَيْسَ من نظم الْأَعْشَى وَنزل إِلَى جحد خطب الْحجَّاج وَزِيَاد ورسائل ابْن المقفع وإنكار كَون الْكتاب لسيبويه لوَجَبَ عناده وَسقط كَلَامه وَقد علم أَن ظُهُور الْخَبَر بمجيء الْقُرْآن من جِهَة النَّبِي ﷺ أعظم وحاله أشهر فَوَجَبَ أَن يكون مَا تَوَاتر الْخَبَر عَنهُ على هَذِه السَّبِيل وَالْعلم بِهِ اضطرارا لَا يُمكن جَحده وَلَا الشَّك فِيهِ وَلَا
[ ١٥٩ ]
يحْتَاج بِهِ فِي إثْبَاته إِلَى اسْتِعْمَال الرُّؤْيَة وَالنَّظَر فِي الْأَدِلَّة
فَأَما سَبِيل الْعلم بِكَلَام الذِّرَاع وتسبيح الْحَصَى وحنين الْجذع وَجعل قَلِيل الطَّعَام كثيرا وَأَشْبَاه ذَلِك من أَعْلَامه ﵇ فَهُوَ نظر واستدلال لَا اضطرار
فَإِن قَالَ قَائِل وَمَا الدَّلِيل على صِحَة ظُهُور هَذِه الْأُمُور على يَده مَعَ علمكُم بِخِلَاف من يُخَالف فِيهَا وإقراركم بأنكم غير مضطرين إِلَى الْعلم بِصِحَّتِهَا قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنا نعلم ضَرُورَة وَجَمِيع أهل الْآثَار ونقلة الْأَخْبَار وَمَعْرِفَة السّير أَن هَذِه الْأَعْلَام قد نقلت للنَّبِي ﷺ فِي جَمِيع أعصار الْمُسلمين وَأَن الْأمة لم تخل قطّ فِي زمن من الْأَزْمَان من ناقلة لهَذِهِ الْأَعْلَام وَمَا جرى مجْراهَا وَأَنَّهَا قد أذيعت فِي الصَّدْر الأول وَرويت من حَيْثُ يسمع رواتها من شَاهد النَّبِي ﷺ وعاصره وَأَن الناقلين لَهَا وَإِن قصر عَددهمْ عَن عدد أهل التَّوَاتُر وَكَانُوا آحادا فَإِن كل وَاحِد مِنْهُم أضَاف مَا نَقله للنَّبِي ﷺ من هَذِه الْأَعْلَام إِلَى مشْهد مشهود وموقف مَعْرُوف وغزاة قد حضر أَهلهَا وبقعة أَكثر السامعين لخبره قد شَهِدَهَا ومجتمع قد عرفوه وحضروه فَقَالَ كَانَ فِي الْغُزَاة الْفُلَانِيَّة كَذَا وَكَذَا وكلم الذِّرَاع رَسُول الله ﷺ فِي مَسْجده يَوْم مُجْتَمع أَصْحَابه وَجعل قَلِيل
[ ١٦٠ ]
الطَّعَام كثيرا يَوْم أولم فِي قصَّة كَذَا وَكَذَا وَفِي بقْعَة كَذَا وَكَذَا وَكَذَا كل شَيْء من ذَلِك إِلَى مشْهد قد حَضَره السامعون لنقلهم ومشهد قد شهدوه فَلم ينكروا ذَلِك وَلَا أحد مِنْهُم عَلَيْهِ وَلَا ردوا نقلهم وَلَا ظهر مِنْهُم تُهْمَة للنقلة وَلَا شكّ فِي أَمرهم لَا عِنْد سماعهم وطرقه لأسماعهم وَلَا بعد ذَلِك
وَقد علم بمستقر الْعَادة إمْسَاك الْعدَد الْكثير والجم الْغَفِير عَن إِنْكَار كذب يَدعِي عَلَيْهِم ويضاف إِلَى سماعهم ومشاهدتهم وعلمهم مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من نزاهة الْأَنْفس وَكبر الهمم وَعظم الْخطر وجلالة الْقدر والتدين بِتَحْرِيم الْكَذِب والنفور عَنهُ والذم لَهُ والتبجح بِالصّدقِ وَشدَّة تمسكهم بِهِ فَلَو كَانُوا عَالمين بكذب مَا ادَّعَاهُ النقلَة عَلَيْهِم لسارع جَمِيعهم أَو الْجُمْهُور مِنْهُم وَقت سَماع الْكَذِب عَلَيْهِم وَإِضَافَة مَا لَا أصل لَهُ إِلَيْهِم وَبعد ذَلِك الْوَقْت إِلَى إِنْكَاره وتبكيت ناقليه وتكذيبه وذمه وإعلام النَّاس كذبه كَمَا أَنه لَو ادّعى فِي وقتنا هَذَا مُدع أَن من أَعْلَام مُحَمَّد ﷺ قلب الْعَصَا حَيَّة وفلق الْبَحْر وإبراء الأكمه والأبرص وَغير ذَلِك من الْآيَات الَّتِي لَيست لَهُ لم يلبث أَن نسارع إِلَى تَكْذِيبه ورد قَوْله وإعلام النَّاس بطلَان مَا أَتَى بِهِ ولقلنا لَهُ أَو أكثرنا لسنا مُحْتَاجين فِي إِثْبَات نبوة نَبينَا ﷺ إِلَى وضع هَذَا الْكَذِب الَّذِي لَا أصل لَهُ
وَكَذَلِكَ لَو ادّعى مُدع بِحَضْرَة كَافَّة أهل بَغْدَاد أَو الْجَانِب الشَّرْقِي مِنْهَا
[ ١٦١ ]
أَو الغربي أَو فِي محلّة من محالها أَنهم رَأَوْا مَا لم يرَوا وسمعوا مَا لم يسمعوا وشهدوا مَا لم يعاينوه لم يَلْبَثُوا أَن يردوا قَوْله ويشهدوا بكذبه ويعلموا النَّاس بطلَان مَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِم هَذَا ثَابت فِي مُسْتَقر الْعَادة كَمَا أَنه ثَابت فِيهِ أَن اجْتِمَاع مثل عدد من ذكرنَا على نقل كذب وكتمان مَا شوهد مُمْتَنع مَعَ اسْتِمْرَار السَّلامَة فِي النَّقْل والكتمان من غير ذكر سَبَب دعاهم إِلَى ذَلِك وجمعهم عَلَيْهِ وَظُهُور الحَدِيث بِهِ وانطلاق الألسن بِذكرِهِ ولهج النُّفُوس بحفظه وكما يَسْتَحِيل فِي مَوْضُوع الْعَادة على نقلة السّير والوقائع والبلدان الْكَذِب فِيمَا نقلوه وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك دلّ إمْسَاك الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم عَن تَكْذِيب مَا نقل من هَذِه الْأَعْلَام وادعي فِيهِ مشاهدتهم وحضورهم وسماعهم على صدق مَا أضيف إِلَيْهِم وادعي عَلَيْهِم وَقَامَ إمساكهم عَن إِنْكَار ذَلِك مقَام نقلهم لمثل مَا نَقله الْآحَاد وشهادتهم من جِهَة النُّطْق بِهِ وَقَوْلهمْ قد صدقُوا فِيمَا نقلوه وَقد شاهدنا مِنْهُ مثل الَّذِي شاهدوا وَهَذِه دلَالَة ظَاهِرَة وَحجَّة قاهرة على صِحَة نقل هَذِه الْأَعْلَام وَصدق رواتها وَإِن قصروا عَن التَّوَاتُر
فَإِن قَالَ قَائِل أَلَيْسَ قد يجوز عنْدكُمْ إمْسَاك الْمُخَالفين عَن القَوْل وَالْمذهب الظَّاهِر فيهم مَعَ خلافهم عَلَيْهِ واعتقادهم لفساده فَإِن لم يدل إمساكهم على توثيقهم لَهُ واعتقادهم إِيَّاه فَمَا أنكرتم أَيْضا من مثل ذَلِك فِي الْإِمْسَاك عَمَّا يَدعِي على الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة حُضُوره ومشاهدته إِذا أَمْسكُوا عَن
[ ١٦٢ ]
إِنْكَار ذَلِك فِي أَنه غير دَال على توثيقهم للْخَبَر واعتقاد صِحَّته قيل لَهُ لَا يجب مَا قلته من وُجُوه
أَحدهَا أَن كثيرا من الْمُسلمين يحِيل ظُهُور الْمَذْهَب بَين الْجَمَاعَات الَّتِي تعتقد فَسَاده وَخطأ الدَّائِن بِهِ والذاهب إِلَيْهِ من غير إِنْكَار مِنْهَا لَهُ وردهَا على قَائِله وَيجْعَل السُّكُوت على القَوْل الظَّاهِر فِيهَا إِجْمَاعًا على تصويبه وبمنزلة النُّطْق بتصديقه وتصحيحه وَلَا يفرقون بَين أَن يكون ذَلِك القَوْل الظَّاهِر بَين الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة مَعَ السكت من فروع الدّين أَو من أُصُوله الَّتِي يَقع فِي مثلهَا التأثيم والتفسيق فَهَذَا الِاعْتِرَاض زائل عَن هَؤُلَاءِ
وَالْجَوَاب الآخر أَن الْعَادة فِي ذَلِك مُخْتَلفَة وللسكوت على الْمَذْهَب الْمُسْتَخْرج بِالْقِيَاسِ وَالدَّلِيل علل تَقْتَضِي السكت عَنهُ لَيست فِي القَوْل الْمُدعى على النَّاس حُضُوره ومشاهدته
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْعَادة لم تجر بإمساك الْجَمَاعَات عَن إِنْكَار كذب يدعى عَلَيْهِم كَمَا لم تجر بِنَقْل الْجَمَاعَة الْكَذِب وكتمان مَا شوهد وَسمع لما بَيناهُ من قبل وَلما جعلهم الله عَلَيْهِ من تفرق الدَّوَاعِي والأغراض وَلَيْسَ كَذَلِك الْعَادة فِي الْمَذْهَب الْمَقُول من نَاحيَة الرَّأْي وَالْقِيَاس لِأَنَّهُ قد يكون المعتقد لصِحَّته عددا قَلِيلا يجوز إمْسَاك مثلهم عَن إِظْهَار مَذْهَبهم وَقد يكون الْأَكْثَر مِنْهُم عددا فِي مهلة النّظر والروية وَمِمَّنْ لم
[ ١٦٣ ]
تنكشف لَهُ صِحَة قَول فِي ذَلِك الْمَذْهَب وَقد يكون القَوْل الظَّاهِر مِمَّا يسوغ أَن يعْتَقد فِيهِ أَكثر الساكتين أَن كل مُجْتَهد فِيهِ مُصِيب نَحْو مسَائِل فروع الدّين وَمَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ والحلال وَالْحرَام
وَقد يسكت الْعَالم بِبُطْلَان القَوْل لاعْتِقَاده الْعَزْم على إِنْكَاره بعد ذَلِك الْوَقْت وَأَنه أولى أصوب وَلَيْسَ يُمكن فِي الْعَادة سكُوت عدد مثل أهل جَانِبي بَغْدَاد على إِنْكَار كذب يدعى فِيهِ مشاهدتهم وحضورهم وَلَا الْيَسِير مِنْهُم أَيْضا لعِلَّة من هَذِه الْعِلَل كَمَا لَا يجوز فِي الْعَادة عَلَيْهِم نقل الْكَذِب وكتمان مَا رُؤِيَ وشوهد لعِلَّة من الْعِلَل وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل هَذَا الِاعْتِرَاض