وَاخْتلف النَّاس فِي الِاسْم هَل هُوَ الْمُسَمّى نَفسه أَو صفة تُوجد بِهِ أَو قَول غير الْمُسَمّى
وَالَّذِي يذهب إِلَيْهِ أهل الْحق أَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى نَفسه أَو صفة مُتَعَلقَة بِهِ وَأَنه غير التَّسْمِيَة
وَزَعَمت الْمُعْتَزلَة مَعَ سَائِر من وافقها من أهل الْأَهْوَاء والبدع أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى وَأَنه قَول الْمُسَمّى وتسميته لما سَمَّاهُ
وَالَّذِي يدل على صِحَة مَا قُلْنَاهُ أَن أهل اللُّغَة الَّذين هم الْعُمْدَة قد صَرَّحُوا بذلك وَقَالُوا إِن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى نَفسه
وَبِذَلِك كَانَ يَقُول أَبُو عُبَيْدَة وَغَيره من أهل اللُّغَة
وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة فِي ذَلِك قَول لبيد
(إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر) قَالُوا وَإِنَّمَا أَرَادَ باسم السَّلَام السَّلَام نَفسه
فَكيف يكون الِاسْم هُوَ التَّسْمِيَة الَّتِي هِيَ قَول المسمي وهم قد جعلُوا نفس الْمُسَمّى وَإِن كَانَ شخصا أَو عرضا هُوَ الِاسْم وَلَيْسَ لقَوْل من قَالَ إِن لبيدا إِنَّمَا أَرَادَ بقوله ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا ثمَّ اسْم الله عَلَيْكُمَا وَإِن السَّلَام اسْم من
[ ٢٥٨ ]
أَسمَاء الله تَعَالَى معني
لِأَن السَّلَام وَإِن كَانَ اسْما من أَسمَاء الله فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يُرَاد بالْقَوْل سَلام عَلَيْكُم وعَلى زيد السَّلَام
وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ التَّحِيَّة فِي مثل هَذَا الْكَلَام وَاسْمهَا هُوَ هِيَ
وَيدل على ذَلِك أَيْضا ويوضحه قَول سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه وَالْأَفْعَال أَمْثِلَة أخذت من لفظ أَحْدَاث الْأَسْمَاء
يُرِيد بذلك قَوْلهم ضرب وَيضْرب وضارب الْمَأْخُوذ من الْأَحْدَاث الْمَاضِيَة وأحداث الْحَال والأحداث الْمُسْتَقْبلَة والأحداث هِيَ الْأَفْعَال
فقد نَص أَن الْأَحْدَاث للأسماء فِي قَوْله أخذت من لفظ أَحْدَاث الْأَسْمَاء
فَكيف يجوز أَن تكون الْأَسْمَاء هِيَ الْأَقَاوِيل والأحداث لَا يجوز أَن تكون للأقاويل وَإِنَّمَا هِيَ أَحْدَاث لمن يَصح أَن يَفْعَلهَا وتتعلق بِهِ إِمَّا على سَبِيل وجودهَا بِذَاتِهِ أَو فعله لَهَا وَالْقَوْل يَسْتَحِيل فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا
فَإِن قَالُوا إِنَّمَا أَرَادَ بقوله أَحْدَاث الْأَسْمَاء أَحْدَاث أَصْحَاب الْأَسْمَاء وأحداث من لَهُ الْأَسْمَاء
قيل لَهُم إِنَّمَا يجب صرف الْكَلَام عَن ظَاهره إِذا كَانَت دَلَائِل الْعقل والسمع تمنع من اسْتِعْمَاله على مَا ورد بِهِ
وَلَا شَيْء يمْنَع من أَن يكون سِيبَوَيْهٍ قد اعْتقد أَن الِاسْم هُوَ نفس الشَّخْص الَّذِي يَقع مِنْهُ الْأَحْدَاث على مَا قَالَه غَيره من أهل اللُّغَة
وَقد يُمكن أَن يُقَال إِن سِيبَوَيْهٍ إِنَّمَا عَنى بقوله
[ ٢٥٩ ]
أخذت من لفظ أَحْدَاث الْأَسْمَاء أَنَّهَا أخذت من لفظ أَحْدَاث المصادر الَّتِي هِيَ الضَّرْب وَالْقَتْل على مَا ذهب إِلَيْهِ البصريون من أهل الْعَرَبيَّة من أَن الْفِعْل مُشْتَقّ من الْمصدر
غير أَن هَذَا وَإِن كَانَ مُمكنا فَالظَّاهِر من قَوْله أَحْدَاث الْأَسْمَاء أَنَّهَا أَحْدَاث الْأَشْخَاص لِأَنَّهُ لَا يحسن أَن يُقَال فِي الْأَحْدَاث إِنَّهَا أَحْدَاث المصادر
وَمِمَّا يدل على أَن الِاسْم قد يكون هُوَ الْمُسَمّى قَول الله تَعَالَى ﴿مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان﴾
فَأخْبر أَنهم يعْبدُونَ أَسمَاء
وهم إِنَّمَا عبدُوا الْأَشْخَاص دون الْكَلَام وَالْقَوْل الَّذِي هُوَ التَّسْمِيَة
فَدلَّ ذَلِك على أَن الِاسْم الَّذِي ذكره هُوَ نفس الْمُسَمّى
فَإِن قَالُوا إِنَّمَا عني مَا تَعْبدُونَ إِلَّا أَصْحَاب الْأَسْمَاء وَمن لَهُ أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم
كَانَ الْجَواب عَنهُ كالجواب عَن تأويلهم لإِطْلَاق سِيبَوَيْهٍ لذَلِك
وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ تمنع من اسْتِعْمَال الْكَلَام على ظَاهره بل الْحجَج توجب ذَلِك وتقتضيه فَسقط تأويلهم
وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ أَي مِمَّا لم يذكر الله عَلَيْهِ
كَذَلِك قَوْله ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ أَي سبح رَبك الْأَعْلَى
وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى حمل ذَلِك على أَنه أُرِيد بِهِ سبح باسم رَبك لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يسبح
[ ٢٦٠ ]
باسم ربه وَيجوز أَن يسبح ربه الَّذِي هُوَ الله نَفسه
وَكَذَلِكَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿تبَارك اسْم رَبك ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ لِأَن من لَهُ الْجلَال وَالْإِكْرَام والإنعام هُوَ الله تَعَالَى
وكل هَذَا يُؤَيّد أَن كثيرا من الْأَسْمَاء هِيَ الْمُسَمَّاة وَأَن الِاسْم لَيْسَ من التَّسْمِيَة فِي شَيْء