فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على أَنه لَا يجوز فِي حِكْمَة الله سُبْحَانَهُ إرْسَال الرُّسُل أَن إرْسَاله الرُّسُل إِلَى من يعلم أَنه يكفر بِهِ ويشتمه وَيرد قَوْله ويستوجب بذلك الْعقَاب الْأَلِيم سفه وَخلاف الصَّوَاب فَلَمَّا لم يجز السَّفه على الله سُبْحَانَهُ لم يجز أَن يُرْسل الرُّسُل إِلَى من حَاله مَا وَصفنَا فَيُقَال لَهُم أول مَا فِي هَذَا أَنه يجب جَوَاز إرْسَال الله تَعَالَى الرُّسُل إِلَى من يعلم قبُوله مِنْهُم وانتفاعه بهم لِأَن هَذِه الْعلَّة عَنْهُم زائلة ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب على اعتلالكم أَلا يخلق الله سُبْحَانَهُ من يعلم أَنه يكفر بِهِ ويجحد نعمه ويلحد فِي صِفَاته وَلَا ينْتَفع بِوُجُود نَفسه وَألا يحْتَج بالعقول وَمَا وَضعه من الْأَدِلَّة فِيهَا على أحد علم أَنه يجحدها وَلَا يستعملها وَلَا ينيب إِلَى مَا وضح فِي عقله حسنه وَلَا يحذر مِمَّا حذر مِنْهُ فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ نقضوا اعتلالهم
وَإِن قَالُوا إِنَّمَا خلق من يعلم أَنه يكفر وَاحْتج عَلَيْهِ بعقله مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لَا يقبل مَا كلفه بعقله تعريضا مِنْهُ للقبول وَحسن الِانْتِفَاع بِهِ إِذا كَانَ
[ ١٤٢ ]
مِنْهُم قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَيْضا أَن يُكَلف على أَلْسِنَة الرُّسُل من علم أَنه يكفر وَلَا ينْتَفع إِذا قصد بذلك تعريضه لنفع لَا يصل إِلَيْهِ إِلَّا بالتكليف السمعي وَإِن علم أَنه يُخَالف وَلَا يقبل فَإِن قَالُوا علمه بِأَنَّهُ لَا يقبل يمْنَع من حسن النّظر لَهُ بإنفاذ الرُّسُل إِلَيْهِ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ علمه بِأَنَّهُ لَا يقبل حجج الْعُقُول وَلَا ينظر وَلَا يخْتَار إِلَّا الْإِلْحَاد وَفعل الظُّلم والعدوان يمْنَع من حسن النّظر لَهُ بِإِقَامَة حجَّة الْعقل عَلَيْهِ وتكليف الْمصير إِلَيْهَا وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك