وَإِن قَالُوا الدَّلِيل على كذب مدعي الرسَالَة على على ربه أَنا وجدنَا كل مُدع لذَلِك يخبر عَن سُبْحَانَهُ بِإِبَاحَة مَا تحظره الْعُقُول من إيلام الْحَيَوَان وذبحه وسلخه وتسخيره وَغير ذَلِك مِمَّا يجْرِي مجْرَاه والحكيم لَا يجوز أَن يُبِيح مَا تحظره الْعُقُول وَلَا أَن يبْعَث من يتكذب عَلَيْهِ فِي إِطْلَاق ذَلِك وإباحته فَدلَّ مَا وصفناه على أَنهم لَيْسُوا من عِنْد الله سُبْحَانَهُ فَيُقَال لَهُم أول مَا فِي هَذَا أَن الَّذِي ذكرتموه إِنَّمَا فِيهِ أَن يكون مُبِيح هَذِه الْأُمُور ومدعي الْإِبَاحَة على الله سُبْحَانَهُ كَاذِبًا فِي ادِّعَاء الرسَالَة وَأَن الله تَعَالَى لَا يجوز أَن يُرْسِلهُ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَنه لَا يجوز أَن يُرْسل غير من ذكرْتُمْ وَلَا من يُبِيح مَحْظُورًا فِي الْعقل وَلَا يحظر
[ ١٣٧ ]
مُبَاحا فِيهِ فَلَيْسَ الْكَلَام مَعكُمْ فِي نبوة قوم بأعيانهم فَإِن الْكَلَام فِي ذَلِك جَار بَين أهل الْملَل والمجوزين لإرسال الله تَعَالَى الرُّسُل وَأَنْتُم تحيلون أَن يُرْسل الله رَسُولا أصلا فَلَا معنى للْكَلَام فِي تعْيين رِسَالَة فلَان دون فلَان فَإِنَّهُ خُرُوج عَن الْكَلَام وَعجز وانتقال من بَاب إِلَى بَاب
ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون جَمِيع مَا ادعيتم حظره فِي الْعقل غير مَحْظُور فِيهِ وَلَا مُبَاح أَيْضا وَأَن الْحَظْر وَالْإِبَاحَة إِنَّمَا هما وُرُود القَوْل الْمُبين عَن مَالك الْأَعْيَان بِإِبَاحَة مَا أَبَاحَهُ وحظر مَا حظره فَلم قُلْتُمْ إِن فِي الْعقل إِبَاحَة وحظرا
ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون الْعقل قَاضِيا على أَن لخالق الْأَعْيَان وَمَالك الذوات أَن يتلفها ويؤلمها وَأَن يُبِيح ذَلِك فِيهَا وَأَن يبتدئها باللذات بَدَلا من الآلام وبالآلآم بَدَلا من اللَّذَّات لِأَنَّهُ لَا مَالك فَوْقه وَلَا زاجر يجدد لَهُ فَلَا يَجدونَ إِلَى دفع ذَلِك سَبِيلا
فَإِن قَالُوا فَمَا الدَّلِيل على أَن الله سُبْحَانَهُ ابْتَدَأَ الْحَيَوَان بالآلام من غير عوض وَلَا جرم قيل لَهُم الدَّلِيل على ذَلِك اتفاقنا وَسَائِر أهل التَّوْحِيد وَأهل الْملَل على أَن لله تَعَالَى متفضل على الْحَيَوَان بِالنعَم وَاللَّذَّات الَّتِي يبتدئهم بهَا وَأَنه مستوجب للحمد وَالشُّكْر على ذَلِك وَإِذا كَانَ هَذَا هَكَذَا وَكَانَ للمتفضل فعل التفضل وَله تَركه على وَجه مَا كَانَ لَهُ فعله وَأَن هَذَا هُوَ الْفرق بَين التفضل وَبَين الْمُسْتَحق الْوَاجِب الَّذِي يجب الظُّلم بِتَرْكِهِ ثَبت أَن لله سُبْحَانَهُ أَن يتْرك فعل اللَّذَّة فِي الْحَيَوَان على وَجه
[ ١٣٨ ]
مَا كَانَ لَهُ فعلهَا فَإِذا ثَبت ذَلِك وَكَانَ الدَّلِيل قد قَامَ على أَن الْحَيَوَان الْمُحْتَمل للذات والآلام المتضادة لَا يجوز أَن يَنْفَكّ مِنْهَا بأسرها كَمَا لَا يجوز أَن تنفك الْأَجْسَام من سَائِر المتضادات ثَبت أَن الله سُبْحَانَهُ إِذا ترك فعل اللَّذَّة فِي الْحَيَوَان حسن مِنْهُ ذَلِك وَكَانَ عدلا وصوابا فِي الْحِكْمَة وَلنْ يتْرك الله اللَّذَّة إِلَّا بِمَا يضادها من الْأَلَم وَذَلِكَ يُوجب أَن يكون فعل الْأَلَم بِغَيْر جرم وَلَا لعوض عدلا من الله سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ مثله ظلما وجورا منا إِذا كلفنا تَركه وأمرنا من هُوَ أملك بِالْحَيَوَانِ منا بترك إيلامه
فَإِن قَالُوا أَو قَالَ إخْوَانهمْ من الْمُعْتَزلَة مَا أنكرتم أَن يكون لله سُبْحَانَهُ ترك التفضل من اللَّذَّة بِفعل الْمَوْت النَّافِي للألم وَاللَّذَّات وَلَيْسَ لَهُ ذَلِك بِفعل الْأَلَم وَقيل لَهُم أَنْكَرْنَا ذَلِك لأجل مَا اتفقنا عَلَيْهِ من أَنه متفضل بِفعل اللَّذَّة فِي الْجِسْم مَعَ وجود الْحَيَاة لَا مَعَ عدمهَا فَيجب أَن يكون لَهُ ترك فعل اللَّذَّة على الْوَجْه الَّذِي كَانَ لَهُ فعلهَا وَله فعلهَا مَعَ الْحَيَاة فَيجب أَن يكون لَهُ تَركهَا مَعَ الْحَيَاة وَلنْ يتْرك اللَّذَّة مَعَ وجود الْحَيَاة إِلَّا بِفعل الْأَلَم وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك سقط مَا سَأَلْتُم عَنهُ وَبَطل مَا تعلقتم بِهِ وَثَبت أَن لمَالِك الْأَعْيَان أَن يُبِيح خلقه مَا يَشَاء مِنْهَا من إِتْلَاف بعض الْحَيَوَان وإيلامه وَأَنه لَا اعْتِرَاض لمخلوق فِي حكمه
وَيُقَال لَهُم لَو سلم لكم أَن ذبح الْحَيَوَان وإيلامه مَحْظُور فِي الْعقل مَا لم يبح ذَلِك فِيهَا مَالِكهَا لم يجب لأجل هَذَا أَن يكون ذَبحهَا
[ ١٣٩ ]
مَحْظُورًا مَعَ إِطْلَاق الْمَالِك
فَإِن قَالُوا الْمَحْظُور فِي الْعقل مَحْظُورًا أبدا وَكَيف تصرفت بِهِ الْحَال قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم من أَن ذَلِك كَانَ مَحْظُورًا بشريطة عدم إِذن مَالِكه فِيهِ وإطلاقه وحظره فِي الْعقل بِهَذَا الشَّرْط لَا يَنْقَلِب أبدا
ثمَّ يُقَال لَهُم أَلَيْسَ الْأكل وَالشرب والاصطلاء بالنَّار والتبرد بالثلج قبيحا مَعَ الشِّبَع والري التامين اللَّذين يخَاف الضَّرَر فِيمَا يتَنَاوَل بعدهمَا وَكَذَلِكَ الاصطلاء بالنَّار مَعَ الْحمى والتبرد بالثلج مَعَ شدَّة الْبرد مَحْظُور مَعَ الْغنى عَنهُ فَإِذا قَالُوا أجل وَلَا بُد لَهُم من ذَلِك قيل لَهُم فَيجب أَن يكون ذَلِك أجمع مَحْظُورًا مَعَ حُصُول الْحَاجة إِلَيْهِ وَشدَّة لَهب الْجُوع والظمأ وَالْحر والقر وَخَوف الضَّرَر بِتَرْكِهِ فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ وأباحوا هَذِه الْأُمُور وأوجبوها أَيْضا عِنْد الْحَاجة إِلَيْهَا قيل لَهُم فقد صَار الْمَحْظُور فِي الْعقل مُبَاحا وانقلبت قضايا الْعُقُول وَهَذَا مَا تَكْرَهُونَ
وَإِن قَالُوا كل شَيْء مِمَّا سَأَلْتُم عَنهُ مُبَاح بِشَرْط الْحَاجة إِلَيْهِ ومحظور بِشَرْط الْغنى فِيهِ وَخَوف الضَّرَر بتناوله وَفعله قيل لَهُم مثل ذَلِك فِي إيلام الْحَيَوَان
وَكَذَلِكَ يسْأَلُون عَمَّن هدده الْمُلْحِدُونَ بِالْقَتْلِ إِن لم يلْحد بربه ويشتمه
[ ١٤٠ ]
ويسيء الثَّنَاء عَلَيْهِ وَخَافَ نزُول الْقَتْل بِهِ إِن لم يفعل كلمة الْكفْر وَشتم رب الْعَالمين ورجاء الْبَقَاء والحياة إِن فعله مَا الَّذِي يجب عَلَيْهِ فَإِن قَالُوا يجب عَلَيْهِ فعل شتم رب الْعَالمين وَسُوء الثَّنَاء عَلَيْهِ يُقَال لَهُم فقد صَار الْمَحْظُور فِي الْعقل مُبَاحا وَكَذَلِكَ إِن قَالُوا يلْزمه أَلا يكفر وَإِن أدّى ذَلِك إِلَى تلف نَفسه قيل لَهُم فقد صَار قتل نَفسه وإلقاؤها فِي التَّهْلُكَة مُبَاحا بعد أَن كَانَ مَحْظُورًا وَهَذَا مَا كرهتم الْمصير إِلَيْهِ
وَيُقَال لَهُم إِن قَالُوا فعل كلمة الْكفْر أولى فَمَا أنكرتم أَن يكون الْكَفّ عَن ذَلِك مَعَ الْقَتْل أولى لِأَنَّهُ يكف عَن شتم ربه وَلَيْسَ هُوَ الْقَاتِل لنَفسِهِ
فَإِن قَالُوا فالكف عَمَّا قُلْتُمْ أولى قيل لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون إِظْهَار كلمة الْكفْر أولى إِذا لم يشْرَح بالْكفْر صَدرا لحفظ نَفسه وَعلمه بِأَن الله سُبْحَانَهُ عَالم باعتقاده وَأَنه مخلص فِي وحدانيته وَأَنه لَا يستضر سُبْحَانَهُ بِإِظْهَار مَا يظهره وَأَنه هُوَ يستضر بترك إِظْهَاره ويطرق إِلَى قتل نَفسه وتعدي الْحق فِي إِتْلَاف ملك ربه وَفعل الْمَحْظُور عَلَيْهِ فعله وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك
فَإِن هم قَالُوا إِن إِلْقَاء النَّفس فِي التَّهْلُكَة مَحْظُور فِي الْعقل إِذا لم يؤد إِلَى الْكفْر بصانعها وَجحد نعمه وَإِن أدّى إِلَى ذَلِك كَانَ مُبَاحا أَو قَالُوا إِن الْكفْر بالصانع مَحْظُور فِي الْعقل إِذا لم يؤد إِلَى تلف النَّفس فَإِن أدّى إِلَيْهِ كَانَ مُبَاحا من غير أَن يَنْقَلِب الْمُبَاح فِي الْعقل مَحْظُورًا قيل لَهُم وَكَذَلِكَ إِتْلَاف الْحَيَوَان وإيلامه
[ ١٤١ ]
مَحْظُور فِي الْعقل إِن لم يبحه مَالِكه فَإِن أَبَاحَهُ لم يكن مَحْظُورًا فِي الْعقل من غير إِتْلَافه نَفسه بقضية الْعُقُول أَو كَانَ مَشْرُوطًا بِمَا كَانَ شرطا لَهُ