فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على فَسَاد الرسَالَة قبح السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَالطّواف بِالْبَيْتِ وتقبيل الْحجر والجوع والعطش فِي أَيَّام الصّيام وَالْمَنْع من فعل الملاذ الَّتِي تصلح الْأَجْسَام وَأَنه لَا فرق بَين الْبَيْت الْحَرَام وَبَين غَيره وَبَين الصَّفَا والمروة وَبَين غَيرهَا من الْبِقَاع وَبَين عَرَفَة وَبَين غَيرهَا فَثَبت أَن ذَلِك أجمع لَيْسَ من أوَامِر الْحَكِيم سُبْحَانَهُ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون ذَلِك أجمع حِكْمَة إِذا علم الله سُبْحَانَهُ أَن فعله والتعبد بِهِ صَلَاح لكثير من خلقه وداع لَهُم إِلَى فعل توحيده وَالثنَاء عَلَيْهِ بصفاته وَمَا هُوَ أَهله وَغير ذَلِك مِمَّا ينالون بِهِ جزيل ثَوَابه وَأَن يكون ذَلِك بِمَنْزِلَة حسن ركُوب الْبَحْر وَقطع المهمة القفر فِي طلب الرفد وَالرِّبْح وبمنزلة عَدو الْإِنْسَان بِجهْدِهِ
[ ١٤٣ ]
وطاقته فِي الْحزن والوعر من الأَرْض خوفًا من السَّبع وَمِمَّنْ يُرِيد قَتله وَسَفك دَمه ظلما وَأخذ مَاله وقبح ذَلِك مِنْهُ إِذا لم يَفْعَله لاجتلاب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة
وَأما قَوْلكُم إِنَّه لَا فرق بَين الصَّفَا والمروة وَالسَّعْي بَينهمَا وَبَين غَيرهمَا وَلَا بَين الْبَيْت الْحَرَام وَبَين غَيره فَهُوَ كَمَا وصفتم وَلَو شَاءَ الله أَن يتعبد بالسعي فِي كل بقْعَة والتوجه إِلَى كل جِهَة لساغ ذَلِك مِنْهُ إِذا عرض بِهِ لثوابه وَلم يكن ذَلِك ناقضا لحكمته
وَيُقَال لَهُم وَكَذَلِكَ لم تَجدوا حكيما بنى أحسن الْبُنيان وصور أكمل الصُّور وَأَشْرَفهَا ثمَّ نقضهَا وَهدم صورها وقبحها وَذهب ببهجتها وشوه خلقهَا فَإِن قَالُوا إِذا كَانَ فِي ذَلِك مصلحَة الْمَخْلُوق جَازَ تَغْيِير خلقه وقلب صفته ومحو محاسنه قيل لَهُم وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ صَوْم النَّهَار وَقيام اللَّيْل وتقبيل الْحجر وَالطّواف وَالسَّعْي وَرمي الْجمار يعود بصلاح الْمُكَلف حسن تَكْلِيفه وَكَانَ ذَلِك أحسن فِي الْعقل إِن كَانَ فِيهِ حسن من إِتْلَاف نفس الْمُكَلف وَإِبْطَال حَيَاته وَهدم صورته ومحو محاسنه وَإِبْطَال عقله وحواسه وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك