فَإِن قَالُوا أفليس قد تمدح بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ كَمَا تمدح بقوله ﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة﴾ فَكيف يجوز أَن تَزُول عَنهُ
[ ٣٠٣ ]
قيل لَهُم إِنَّمَا تمدح بقوله ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَلم يتمدح باستحالة إِدْرَاكه بالأبصار
لِأَن الطعوم والروائح وَأكْثر الْأَعْرَاض لَا يجوز عنْدكُمْ أَن ترى بالأبصار وَلَيْسَت ممدوحة بذلك
فَإِن قَالُوا فَمَا أنكرتم أَن يكون إِنَّمَا تمدح بِأَنَّهُ يدْرك الْأَبْصَار وَأَنَّهَا لَا تُدْرِكهُ
قيل لَهُم هَذَا بَاطِل لِأَن الوصفين اللَّذين يتمدح بهما لَا بُد أَن يكون فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا مدح بِمُجَرَّدِهِ نَحْو قَوْله ﴿إِنَّه عَزِيز حَكِيم﴾ و﴿عليم قدير﴾ وكل وَاحِد من الوصفين مِدْحَة فِي نَفسه تجرد أَو انْضَمَّ إِلَى
وَلما لم يكن كَون الْمَعْدُوم غير مدرك بالبصر مدحا لَهُ عندنَا وعندكم بَطل مَا قُلْتُمْ
لِأَن أَكثر الموجودات عنْدكُمْ لَا يجوز أَن يدْرك بالأبصار وكل المعدومات عندنَا وعندكم لَا يدْرك بالأبصار وَلَيْسَت بذلك ممدوحات
أَلا ترى أَنه لَو قَالَ الله ﷿ إِنِّي عَالم مَعْلُوم وموجد مَوْجُود لَكَانَ متمدحا بقوله إِنِّي عَالم موجد وَلم يكن متمدحا بِمَا ضامه من كَونه مَعْلُوما وموجودا إِذا شَاركهُ عندنَا وعندكم فِي هذَيْن الوصفين مَا لَيْسَ بممدوح بهما فَكَذَلِك الْمَدْح فِي قَوْله ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ دون قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾
[ ٣٠٤ ]
فَإِن قَالُوا أفليس قد تمدح بقوله ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ و﴿مَا اتخذ الله من ولد﴾ وَلم يجب أَن يكون كل من شركه فِي ذَلِك ممدوحا من الْأَعْرَاض والموات
قيل لَهُم إِنَّمَا تمدح جلّ اسْمه بِنَفْي الْآفَات عَنهُ مَعَ جَوَازهَا على غَيره من الْأَحْيَاء وكل حَيّ يمْتَنع ذَلِك عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ممدوح بِهِ وممدوح أَيْضا بِكَوْنِهِ حَيا لَيْسَ بميت
فَنحْن إِذا قُلْنَا إِنَّه متمدح بِكَوْنِهِ حَيا وَأَن السّنة وَالنَّوْم لَا تَأْخُذهُ فقد مدحناه بالأمرين
وَالْمُعْتَمد فِي هَذَا أَنه سُبْحَانَهُ ذكر السّنة وَالنَّوْم تَنْبِيها على أَن جَمِيع الْأَعْرَاض ودلالات الْحُدُوث لَا تجوز عَلَيْهِ وَلم يرد نفي السّنة وَالنَّوْم فَقَط
وَفِي الْأَعْرَاض وَالْمَيِّت والجماد من دَلَائِل الْحُدُوث مثل مَا فِي النَّائِم والوسنان
وَإِنَّمَا يمدح الشَّيْء بِنَفْي مَا يدل على الْحُدُوث إِذا لم يكن فِيهِ مَا يَنُوب فِي الدّلَالَة مَنَابه
فَسقط بذلك مَا اعْترضُوا عَلَيْهِ
وَيُمكن أَن يكون وَجه التمدح بقوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَنه تَعَالَى يدْرك الْأَشْيَاء وَأَنه مَوْجُود يَصح أَن يدْرك وَأَنه قَادر على أَن يمنعنا من إِدْرَاكه وَأَن كل من يَرَانَا يُمكن أَن نرَاهُ من الْخلق وَأَنه هُوَ تَعَالَى قد منعنَا من الْإِدْرَاك لَهُ إِن كَانَ مدْركا لنا وَأَنه لَيْسَ فِيمَن يدركنا ببصره من يُمكنهُ أَن يخلق فِينَا مَا يضاد رُؤْيَته وينفيها
فَيكون متمدحا بقدرته على خلق مَا يضاد رُؤْيَته
وَكَونه قَادِرًا على خلق ضد رُؤْيَته لَازم لَهُ أبدا لَا يتَغَيَّر عَنهُ وَكَونه خَالِقًا لما يضاد رُؤْيَته تمدح بِبَعْض أَفعاله
[ ٣٠٥ ]
وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون وَجه التمدح فِي قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَنَّهَا لَا تُدْرِكهُ جسما مصورا متحيزا وَلَا حَالا فِي شَيْء على مَا يَقُوله النَّصَارَى وَلَا مشبها لشَيْء على مَا يَقُوله أهل التَّشْبِيه وَلَا تُدْرِكهُ والدا وَلَا مولودا على صفة من يلد أَو يُولد تَعَالَى عَن ذَلِك وَيكون الْقَصْد بذلك الرَّد على من وَصفه بِهَذِهِ الصِّفَات
وَلَيْسَ لأحد من الْمُعْتَزلَة التَّعَلُّق بِهَذِهِ الْآيَة لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا نفي عِنْدهم من إِدْرَاك الْأَبْصَار مَا أثْبته لنَفسِهِ فِي قَوْله ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾
وَلم يعن بذلك عِنْد الْبَصرِيين أَنه يرى الْأَبْصَار وَهُوَ تَعَالَى عِنْدهم لَا يدْرك الْأَبْصَار لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَصح أَن يدْرك وَلَا يرى أَيْضا شَيْئا بتة عِنْد البغداديين
وَإِنَّمَا عني عِنْدهم أَنه يعلم الْأَبْصَار فَيجب عَلَيْهِم أَن يكون إِنَّمَا نفى بقوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ علمنَا بِهِ تَعَالَى