فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تجوز عَلَيْهِ الشَّهْوَة قيل لَهُ إِن أَرَادَ السَّائِل بوصفه بالشهوة الْإِرَادَة لأفعاله فَذَلِك صَحِيح فِي الْمَعْنى غير أَنه قد أَخطَأ وَخَالف الْأمة فِي وَصفه الْقَدِيم بالشهوة إِذْ لم يكن ذَلِك من أَوْصَافه وأسمائه وَإِن أَرَادَ بوصفه بالشهوة توقان النَّفس وميل الطَّبْع إِلَى الْمَنَافِع وَاللَّذَّات فَذَلِك محَال مُمْتَنع عَلَيْهِ لما قد مر من قبل
بَاب فِي أَنه لم يزل حَيا عَالما قَادِرًا سميعا بَصيرًا متكلما مرِيدا
فَإِن قَالَ قَائِل وَلم زعمتم أَن الصَّانِع لم يزل حَيا عَالما قَادِرًا سميعا بَصيرًا متكلما مرِيدا كَمَا أَنه الْيَوْم مَوْصُوف بذلك قيل لَهُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِيمَا لم يزل غير حَيّ وَلَا عَالم وَلَا قَادر وَلَا سميع وَلَا بَصِير وَلَا مُتَكَلم وَلَا مُرِيد لَكَانَ لم يزل مَيتا عَاجِزا أخرس ساكتا فتعالى عَن ذَلِك
وَلَو كَانَ لم يزل مَوْصُوفا بِالْمَوْتِ الَّذِي يضاد الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة لَكَانَ إِنَّمَا يُوصف بذلك لنَفسِهِ أَو لعِلَّة قديمَة وَلَو كَانَ لنَفسِهِ كَذَلِك لاستحال أَن يحيا مَا دَامَت
[ ٤٨ ]
نَفسه كائنة وَكَذَلِكَ لَو كَانَ على مَا ذكرالسائل لعِلَّة قديمَة لاستحال أَن يحيا الْيَوْم لِاسْتِحَالَة عدم مَوته الْقَدِيم لِأَن الْقَدِيم لَا يجوز عَدمه وَإِذا اسْتَحَالَ ذَلِك اسْتَحَالَ أَن يفعل وَيُوجد مِنْهُ مَا يدل على أَنه الْيَوْم حَيّ قَادر وَفِي صِحَة ذَلِك مِنْهُ ووجوده دَلِيل على أَنه لم يزل حَيا وَكَذَلِكَ لَو كَانَ لم يزل حَيا وَهُوَ غير مُتَكَلم وَلَا سميع وَلَا بَصِير وَلَا مُرِيد وَلَا عَالم وَلَا قَادر لوَجَبَ أَن يُوصف بأضداد هَذِه الصِّفَات فِي أزله من الخرس وَالسُّكُوت والصمم والعمى والاستكراه والسهو وَالْجهل وَالْعجز فتعالى عَن ذَلِك أجمع
وَلَو كَانَ لم يزل مَوْصُوفا بِهَذِهِ الْأَوْصَاف لنَفسِهِ أَو لِمَعْنى قديم لاستحال خُرُوجه عَنْهَا وَوَصفه بضدها لِاسْتِحَالَة عدم الْقَدِيم ولوجب أَن يكون فِي وقتنا هَذَا غير حَيّ وَلَا عَالم وَلَا قَادر وَلَا سميع وَلَا بَصِير وَذَلِكَ خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين
بَاب فِي أَن الْقَدِيم لَا يجوز عَلَيْهِ الْعَدَم
فَإِن قَالَ قَائِل وَلم قُلْتُمْ إِن الْقَدِيم لَا يجوز أَن يعْدم قيل لَهُ لأجل أَنه لَو عدم لصَحَّ وجوده بعد عَدمه على سَبِيل الْحُدُوث كَمَا أَنه قد صَحَّ لَهُ الْوُجُود من قبل فَلَو حدث لَكَانَ مُحدثا لنَفسِهِ قَدِيما لنَفسِهِ إِذْ لنَفسِهِ كَانَ قَدِيما وَنَفسه قد وجدت لما حدثت وَهِي تِلْكَ النَّفس بِعَينهَا ومحال أَن يكون الْقَدِيم قَدِيما لنَفسِهِ مُحدثا لنَفسِهِ كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون السوَاد سوادا لنَفسِهِ بَيَاضًا لنَفسِهِ
وَيدل على ذَلِك أَيْضا أَنه لَو جَازَ عدم الْقَدِيم بعد وجوده لوَجَبَ أَن تكون
[ ٤٩ ]
ذَاته مِمَّا يَصح عَلَيْهَا الْعَدَم تَارَة والوجود أُخْرَى وَلَو كَانَت كَذَلِك لجرت مجْرى سَائِر الذوات المحدثات الَّتِي يجوز عَلَيْهَا الْعَدَم تَارَة والوجود أُخْرَى وَلَو كَانَت كَذَلِك لاحتاجت إِلَى موجد يوجدها كَمَا أَن الْحَوَادِث الَّتِي هَذِه سَبِيلهَا لَا تكون بالوجود أولى مِنْهَا بِالْعدمِ إِلَّا عِنْد قصد قَاصد وَإِرَادَة مُرِيد تكون مَوْجُودَة بإرادته ومتعلقة بمشيئته
فَلَمَّا لم يجز تعلق الْقَدِيم بمحدث لم يجز عَلَيْهِ الْعَدَم بعد وجوده
بَاب فِي أَن صنع الله للْعَالم لَيْسَ لغَرَض
فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِن صانع الْعَالم صنعه بعد أَن لم يصنعه لداع دَعَاهُ إِلَى فعله ومحرك حركه وباعث بَعثه وغرض أزعجه وخاطر اقْتضى وجود الْحَوَادِث مِنْهُ أم صنعه لَا لشَيْء مِمَّا سَأَلت عَنهُ قيل إِنَّه تَعَالَى صنع الْعَالم لَا لشَيْء مِمَّا سَأَلت عَنهُ فَإِن قيل وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك قيل الدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الدَّوَاعِي المزعجات والخواطر والأغراض إِنَّمَا تكون وَتجوز على ذِي الْحَاجة الَّذِي يَصح مِنْهُ اجتلاب الْمَنَافِع وَدفع المضار وَذَلِكَ أَمر لَا يجوز إِلَّا على من جَازَت عَلَيْهِ الآلام وَاللَّذَّات وميل الطَّبْع والنفور وكل ذَلِك دَلِيل على حدث من وصف بِهِ وَحَاجته إِلَيْهِ وَهُوَ مُنْتَفٍ عَن الْقَدِيم تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْأَسْبَاب المزعجة المحركة الباعثة على الْأَفْعَال إِنَّمَا تحرّك الغافل وتنبه الْجَاهِل وتخطر للخائف والراجي الَّذِي يخَاف الاستضرار بترك الْأَفْعَال ويرجو بإيقاعها الصّلاح وَالِانْتِفَاع وَالله يتعالى عَن ذَلِك لِأَنَّهُ عَالم بِمَا يكون قبل أَن يكون وَبِمَا تؤول إِلَيْهِ عواقب الْأُمُور وَيعلم السِّرّ وأخفى وَلَا يجوز على من
[ ٥٠ ]
هَذِه صفته خطور الْأَمر بِبَالِهِ كَالَّذي لم يكن عَالما بِهِ وَلَا أَن تبعثه الدَّوَاعِي والبواعث على أَفعاله وَذَلِكَ إِنَّا إِذا قُلْنَا لفاعلنا مَا الَّذِي دعَاك إِلَى الْفِعْل وحركك على إِيقَاعه وَمَا الْغَرَض فِي دون غَيره وَفِي فعله دون تَركه والانصراف عَنهُ فَإِنَّمَا نأله ليخبرنا أقصد بذلك اجتلاب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة أم لَا فَإِن قَالَ فعله لَا لاجتلاب مَنْفَعَة وَلَا لدفع مضرَّة مَعَ علمه بِوُقُوعِهِ وَجب الْقَضَاء على تسفيهه لِأَنَّهُ مِمَّن يحْتَاج إِلَى جر الْمَنَافِع وَدفع المضار وَهُوَ مَأْمُور بذلك وإيقاعه الْفِعْل عَارِيا من الْقَصْد إِلَى ذَلِك والتصدي لَهُ سفه وَخلاف لما وَجب عَلَيْهِ وَالْقَدِيم تَعَالَى لَيْسَ بِذِي حَاجَة وَلَا مِمَّن يلْزمه الانقياد وَالطَّاعَة فَلم يجز أَن يُقَاس على فاعلنا
مَسْأَلَة فِي أَن الْقَدِيم لم يفعل الْعَالم لعِلَّة
فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِن الْقَدِيم فعل الْعَالم لعِلَّة أوجبت حُدُوثه مِنْهُ قيل لَهُ لَا لِأَن الْعِلَل لَا تجوز عَلَيْهِ لِأَنَّهَا مَقْصُورَة على جر الْمَنَافِع وَدفع المضار وَيدل على ذَلِك أَيْضا أَنه لَو كَانَ تَعَالَى فَاعِلا للْعَالم لعِلَّة أوجبته لم تخل تِلْكَ الْعلَّة من أَن تكون قديمَة أَو محدثة فَإِن كَانَت قديمَة وَجب قدم الْعَالم لقدم علته وَألا يكون بَين الْعلَّة الْقَدِيمَة وَبَين وجود الْعَالم إِلَّا مِقْدَار زمَان الإيجاد وَذَلِكَ يُوجب حُدُوث الْقَدِيم لِأَن مَا لم يكن قبل الْمُحدث إِلَّا بِزَمَان أَو أزمنه محدودة وَجب حُدُوثه لِأَن فَائِدَة تَوْقِيت وجود الشَّيْء هُوَ أَنه كَانَ مَعْدُوما قبل تِلْكَ الْحَال فَلَمَّا لم يجز حُدُوث الْقَدِيم لم يجز أَن يكون الْعَالم مُحدثا لعِلَّة قديمَة وَإِن كَانَت تِلْكَ الْعلَّة محدثة فَلَا يَخْلُو
[ ٥١ ]
محدثها أَن يكون أحدثها لعِلَّة أَو لَا لعِلَّة فَإِن كَانَت محدثة لعِلَّة وعلتها أَيْضا محدثة وَجب أَن تكون عِلّة الْعلَّة محدثة لعِلَّة أُخْرَى وَكَذَلِكَ أبدا إِلَى غير غَايَة وَذَلِكَ يحِيل وجود الْعَالم جملَة لتَعَلُّقه بِمَا يَسْتَحِيل فعله وَخُرُوجه إِلَى الْوُجُود وَإِن كَانَت الْعلَّة والخاطر والداعي والباعث والمحرك محدثة لَا لعِلَّة وَكَانَت بالوجود لما وجدت من فاعلها أولى مِنْهَا بِالْعدمِ لَا لعِلَّة
وَكَانَ فاعلها حكيما غير سَفِيه جَازَ حُدُوث سَائِر الْحَوَادِث مِنْهُ لَا لعِلَّة وَكَانَ حكيما غير سَفِيه وَلم يكن خُرُوجه عَن السَّفه بإحداث مُحدث وَاحِد لَا لعِلَّة أولى من خُرُوجه عَنهُ بإحداث جَمِيع الْحَوَادِث لَا لعِلَّة وَهَذَا يبطل مَا توهموه إبطالا ظَاهرا
مَسْأَلَة فِي عِلّة الْفِعْل الصَّادِر عَن الْفَاعِل الْحَكِيم
فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل وجدْتُم فَاعِلا حكيما يفعل الْفِعْل لَا لعِلَّة مَعَ الْعلم وَالذكر قيل لَهُ لَا إِذا صَحَّ أَن يوقعه على وَجه يَصح انتفاعه بِهِ أَو دفع الضّر عَنهُ فَإِن قَالَ فَيجب حمل أَمر الْقَدِيم فِي فعله على حَال فاعلنا قيل لَهُ لَا يجب ذَلِك لافتراقهما فِي عِلّة جَوَاز النَّفْع وَالضَّرَر عَلَيْهِمَا وَقد مر ذَلِك بِمَا يُغني عَن رده
وَيُقَال لَهُم لَو لم يَصح الْقَضَاء إِلَّا بِمَا شوهد وَوجد لوَجَبَ إِحَالَة مَا تذهبون إِلَيْهِ من إِثْبَات حوادث لَا أول لَهَا وإحالة الْقَضَاء على قدم الْجِسْم وَأَنه لَا أول لوُجُوده وإحالة قَول من قَالَ مِنْكُم بِأَن الهيولي والطينة قد كَانَت خلت من الكمية وَالصُّورَة والكيفية وَجَمِيع الْأَعْرَاض وإحالة قَول من قَالَ
[ ٥٢ ]
إِن الطبائع الْأَرْبَع قد كَانَت غير مركبة فِي الْأَجْسَام وَقَول من قَالَ إِن النُّور والظلام قد كَانَا فِي الْقدَم خالصين غير ممتزجين لِأَن ذَلِك أجمع مِمَّا لم ير وَلم يُشَاهد ولوجب على من نَشأ فِي بِلَاد الزنج وَلم يُشَاهد فِيهَا إنْسَانا إِلَّا أسود وَلَا مَاء إِلَّا عذبا وَلَا زرعا إِلَّا أَخْضَر أَن يقْضى على أَنه لَا إِنْسَان وَلَا مَاء وَلَا زرع إِلَّا على صفة مَا وجد وَشَاهد حَتَّى يَنْفِي وجود الرّوم والصقالبة وَمَاء الْبحار والأحمر والأصفر من النَّبَات فَلَمَّا لم يجب ذَلِك أجمع وَكَانَ الْقَضَاء بذلك قَضَاء بِالْجَهْلِ بَطل التَّعَلُّق بِمُجَرَّد الشَّاهِد والوجود وَزَالَ جَمِيع مَا يسْأَلُون عَنهُ من هَذَا الْجِنْس
بَاب الْكَلَام على الْقَائِلين بِفعل الطباع
فَإِن قَالَ قَائِل لم أنكرتم أَن يكون صانع الْعَالم طبيعة من الطبائع وَجب حُدُوث الْعَالم عَن وجودهَا قيل لَهُ أَنْكَرْنَا ذَلِك لِأَن هَذِه الطبيعة لَا تَخْلُو أَن تكون معنى مَوْجُودا أَو مَعْدُوما لَيْسَ بِشَيْء
فَإِن كَانَت مَعْدُومَة لَيست بِشَيْء لم يجز أَن تفعل شَيْئا أَو أَن يكون عَنْهَا شَيْء أَو ينْسب إِلَيْهَا شَيْء لِأَنَّهُ لَو جَازَ ذَلِك جَازَ وجود الْحَوَادِث من كل مَعْدُوم وَعَن كل مَعْدُوم لِأَن مَا يَقع عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم فَلَيْسَ بِذَات وَلَا يخْتَص بِبَعْض الْأَحْكَام وَالصِّفَات فَلَو كَانَ مِنْهُ مَا يحدث الْأَفْعَال أَو تجب عَنهُ لصَحَّ ذَلِك من كل مَعْدُوم وَذَلِكَ بَاطِل بِاتِّفَاق
وَإِن كَانَت الطبيعة الَّتِي نسب إِلَيْهَا السَّائِل حُدُوث الْعلم وعلقه بهَا معنى مَوْجُودا لم تخل تِلْكَ الطبيعة الْمُوجبَة عِنْدهم لحدوث الْعَالم من أَن تكون قديمَة أَو محدثة فَإِن كَانَت قديمَة وَجب أَن تكون الْحَوَادِث الكائنة عَنْهَا
[ ٥٣ ]
قديمَة لِأَن الطبيعة لم تزل مَوْجُودَة وَلَا مَانع من وجود الْحَوَادِث الْمُوجبَة عَنْهَا فَيجب وجودهَا مَعَ الطبيعة فِي الْقدَم كَمَا يجب اعْتِمَاد الْحجر مَعَ وجود طبعه وإحراق النَّار وانحلال الطَّبْع والإسكار مَعَ وجود طبع النَّار والسقمونيا وَالشرَاب إِذا لم يمْنَع من ذَلِك مَانع فَكَذَلِك يجب وجود الْعَالم فِي الْقدَم وَإِن كَانَ مُحدثا مَعَ وجود الطَّبْع الْكَائِن عَنهُ عِنْدهم
إِذا لم يمْنَع من ذَلِك مَانع وَفِي إطباقنا وإياهم على اسْتِحَالَة قدم الْحَوَادِث دَلِيل على أَنَّهَا لَا يجوز أَن تكون حَادِثَة عَن طبيعة قديمَة
فَإِن قَالُوا هَذَا يلزمكم فِي قَوْلكُم إِن صانع الْعَالم لم يزل قَادِرًا على إيجاده لِأَن قدرته على الإيجاد قديمَة قُلْنَا لَا يجب ذَلِك من وَجْهَيْن أَحدهمَا أننا نَحن لَا نزعم أَن الْقَدِيم سُبْحَانَهُ قَادر بقدرة فِي الْأَزَل على أَن تكون الْأَفْعَال مَعَ الْقُدْرَة وَإِنَّمَا تَقول إِنَّه قَادر على أَن يسْتَأْنف الْأَفْعَال وعَلى أَن يحدثها فِي زمَان قد كَانَت قبله مَعْدُومَة ومحال أَن تكون قدرَة على مَا لم يكن مَعْدُوما قبل وجوده فَلم يجب قدم الْأَفْعَال لقدم الْقُدْرَة عَلَيْهَا
وَالْأَمر الآخر أننا نَحن لَا نزعم أَن قدرَة الْقَدِيم سُبْحَانَهُ عِلّة للأفعال وَلَا مُوجبَة لَهَا حسب مَا تقولونه أَنْتُم فِي إِيجَاب الطَّبْع لحَدث عَنهُ وَكَونه عِلّة لَهُ وَوُجُوب كَونه عَنهُ وَلَا نحيل أَن تُوجد قدرَة الْقَدِيم فِي الْأَزَل وَهُوَ غير
[ ٥٤ ]
فَاعل بهَا وَإِن كَانَت على صفة مَا يَصح أَن يفعل بهَا وَكَانَ هُوَ تَعَالَى على صفة من يَصح أَن يفعل بهَا وَكَانَ الْمَعْدُوم الْمَقْدُور مِمَّا يَصح أَن يخرج إِلَى الْوُجُود وَلَا مَانع يمْنَع من خُرُوجه لِأَن قدرته لَيست بعلة وَلَا سَبَب لمقدوره وَلَا مُوجبَة لَهُ وَأَنْتُم تَزْعُمُونَ أَن الطَّبْع الْكَائِن عَنهُ الْعَالم وكل طبع كَانَ مِنْهُ أَمر من الْأُمُور مُوجب لما يحدث عَنهُ ومقتض لَهُ إِذا لم يمْنَع من ذَلِك مَانع فَبَان الْفرق بَين قَوْلنَا وقولكم
وَكَذَلِكَ الْجَواب إِن ألزموا هَذَا الْإِلْزَام فِي إِرَادَة الله تَعَالَى للأفعال وَإِن كَانَت قديمَة عندنَا لِأَنَّهَا على قَوْلنَا إِرَادَة لكَون الْفِعْل على التَّرَاخِي وَلِأَنَّهَا لَيست عِلّة لوُجُود المُرَاد
فَإِن قَالُوا إِن هَذَا الطَّبْع الْقَدِيم هُوَ شَيْء حَيّ عَالم قَادر لَيْسَ بِمُوجب للْفِعْل وَلَا عِلّة لَهُ بل يفعل بِالْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَار أقرُّوا بِالْحَقِّ وصانع الْعَالم الَّذِي نثبته وَإِن خالفونا فِي تَسْمِيَته طبعا وَكَانَ هَذَا عندنَا مَحْظُورًا بِالشَّرْعِ
وَإِن كَانَ الطَّبْع الْمُحدث للْعَالم مُحدثا فَلَا يَخْلُو أَن يكون حَادِثا عَن طبع أَولا عَن طبع فَإِن كَانَ حَادِثا عَن طبع أوجبه وَجب أَيْضا أَن تكون تِلْكَ الطبيعة كائنة حَادِثَة عَن طبيعة أُخْرَى أوجبتها وَكَذَلِكَ القَوْل فِي طبع الطَّبْع أبدا إِلَى غير غَايَة وَهَذَا يحِيل وجود الْعَالم لِأَنَّهُ مُتَعَلق بِوُجُود مَا لَا غَايَة لَهُ وَقد ثَبت اسْتِحَالَة خُرُوج مَا لَا غَايَة لَهُ إِلَى الْوُجُود كَمَا ثبتَتْ اسْتِحَالَة اجْتِمَاع الْحَرَكَة عَن الْمَكَان والسكون فِي الْمحل الْوَاحِد مَعًا فَكَمَا تجب اسْتِحَالَة وجود الْعَالم وحدوثه لَو علق باجتماع الْحَرَكَة عَن الْمَكَان والسكون
[ ٥٥ ]
فِيهِ أَيْضا مَعًا فَلذَلِك أَيْضا تجب اسْتِحَالَة وجوده وحدوثه إِذا علق بِوُجُود طبائع هِيَ حوادث لَا غَايَة لَهَا وَفِي صِحَة وجود الْعَالم وحدوثه دَلِيل على فَسَاد هَذَا القَوْل
وَإِن كَانَت الطبيعة الْمُوجبَة لحدوث الْعَالم حَادِثَة لَا عَن طبيعة أوجبتها جَازَ أَيْضا حُدُوث الْعَالم لَا عَن طبيعة أوجبته وحدوث الْإِسْكَار والإحراق والتبريد والتسخين وَسَائِر الْحَوَادِث لَا عَن طبيعة كَمَا أَنه لَو جَازَ حُدُوث مُحدث وَاحِد لَا من مُحدث لجَاز حُدُوث سَائِر الْحَوَادِث لَا من مُحدث وَهَذَا يبطل قَوْلهم بِإِثْبَات طبيعة حدث الْعَالم عَنْهَا
وعَلى أَن هَذِه الطبيعة إِن كَانَت محدثة فَلَا تَخْلُو أَن يكون أحدثها مُحدث أَولا فَإِن كَانَت حَادِثَة عَن مُحدث فَلَا تَخْلُو أَن يكون أحدثها محدثها بطبع أَو بِغَيْر طبع فَإِن كَانَ أحدثها بطبع وَكَانَ طبعه أَيْضا مُحدثا وَجب أَن يكون لطبعه مُحدث ولمحدثه طبع مُحدث لَهُ مُحدث أبدا إِلَى غير غَايَة وَذَلِكَ محَال وَإِن كَانَ مُحدث الطبيعة أحدثها بِغَيْر طبع جَازَ حُدُوث الْعَالم أَيْضا من مُحدث لَيْسَ بِذِي طبع وَبَطل إِثْبَات الطَّبْع وَإِن كَانَ مُحدث الطبيعة الَّتِي حدث الْعَالم عَنْهَا قَدِيما وَكَانَ طبعه قَدِيما وَجب قدم الطبيعة وَقدم الْعَالم الْكَائِن عَنْهَا على مَا بَيناهُ من قبل هَذَا وَهَذَا ظَاهر فِي أَنه لَا يجوز أَن يكون الْعَالم حَادِثا عَن طبع من الطبائع
أما قَول من قَالَ إِن الْعَالم بأسره مركب من الطبائع الْأَرْبَع الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة فَإِنَّهُ بَاطِل من وُجُوه أَحدهَا أَن هَذِه الطبائع أَعْرَاض محدثة متضادة على الْأَجْسَام لِأَنَّهُ محَال اجْتِمَاع الْحَرَارَة مَعَ الْبُرُودَة فِي مَحل وَاحِد فَيجب حُدُوث الْحَرَارَة بعد بطلَان الْبُرُودَة وَكَذَلِكَ الرُّطُوبَة بعد
[ ٥٦ ]
اليبوسة فَهَذِهِ الطبائع جَارِيَة مجْرى الْحَرَكَة والسكون والسواد وَالْبَيَاض وَسَائِر الْأَعْرَاض المتضادة فَيجب حدثها واستحالة كَونهَا قديمه أَو بَعْضًا لكلية حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة قديمَة أزلية لِأَن الْمُحدث لَا يجوز أَن يكون بَعْضًا للقديم كَمَا لَا يجوز أَن تكون جزئيات الْحَرَكَة والسكون منفصلات عَن كليات قديمَة فَوَجَبَ الْقَضَاء على حُدُوث هَذِه الطبائع وَأَنَّهَا حَادِثَة من غير طبائع فَكَذَلِك جَائِز حدث سَائِر الْعَالم عَن غير طبيعة
وعَلى أَنا قد بَينا أَن هَذِه الْأَجْنَاس أَعْرَاض وَبينا أَن الْأَعْرَاض لَا يجوز أَن تفعل شَيْئا لِأَن الْفَاعِل لَا يكون إِلَّا حَيا عَالما قَادِرًا قَاصِدا إِذا كَانَ فعله محكما فَلم يجز أَن تكون هَذِه الطبائع فَاعله للْعَالم
وَمِمَّا يدل على أستحالة قدم هَذِه الطبائع أَنَّهَا لَو كَانَت قديمَة وَكَانَ الْعَالم حَادِثا عَنْهَا لوَجَبَ قدمه مَعَ قدمهَا على مَا بَيناهُ من قبل إِذْ لَا مَانع يمْنَع من كَونه مَعهَا
فَإِن قَالُوا كَذَلِك نقُول قيل لَهُم فَإِذا كَانَ الطَّبْع قَدِيما أزليا وَكَانَ الْكَائِن عَنهُ قَدِيما أزليا فَلم كَانَ أَحدهمَا بِأَن يكون مُوجبا للْآخر وسببا لَهُ أولى من أَن يكون الْمُسَبّب سَببا وَعلة فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك مُتَعَلقا
وَإِن قَالُوا الْعَالم مُحدث التَّرْكِيب والتصوير عَن اجْتِمَاع هَذِه الطبائع واختلاطها دون وجود ذواتها قيل لَهُم فخبرونا عَن اخْتِلَاط هَذِه الطبائع وامتزاجها أهوَ هِيَ أم معنى سواهَا فَإِن قَالُوا هُوَ هِيَ قيل لَهُم فَهِيَ قديمَة الْأَعْيَان فَيجب قدم تركيب الْعَالم وتصويره لقدم الِاخْتِلَاط وَإِن قَالُوا معنى سواهَا قيل أقديم هُوَ أم مُحدث فَإِن قَالُوا قديم قيل لَهُم فَيجب قدم التَّصْوِير والتركيب لقدم الِاخْتِلَاط الْمُوجب لذَلِك وَإِن قَالُوا مُحدث قيل لَهُم أَفَمَن طبع حدث أَو من غير طبع فَإِن قَالُوا من طبع غير الطبائع
[ ٥٧ ]
الْأَرْبَع أقرُّوا بطبع خَامِس وَتركُوا قَوْلهم وَإِن قَالُوا بِغَيْر طبع قيل لَهُم فَمَا أنكرتم من جَوَاز حُدُوث تركيب الْعَالم وَسَائِر الأشكال بِغَيْر طبع فَلَا يَجدونَ من ذَلِك مخرجا
وَيُقَال لَهُم كَيفَ اجْتمعت هَذِه الطبائع الْأَرْبَع وتركبت فِي الْأَجْسَام وَهِي لم تزل متنافرة متباينة حيّز كل وَاحِد فِي الْقدَم غير حيّز صَاحبه وطبع كل شَيْء مِنْهَا الْبعد عَن صَاحبه والنفور عَنهُ وَهل يجوز أَن يجْتَمع شَيْئَانِ أَحدهمَا ثقيل يهوى وَينزل بطبعه وَالْآخر خَفِيف متصاعد بطبعه من غير جَامع يجمعهما وقامع يقمعهما على الِاجْتِمَاع لِأَن مَا هَذَا سَبيله مَتى لم يقهر على الِاجْتِمَاع لم يَزْدَدْ من الِاجْتِمَاع والتقارب إِلَّا بعدا فَإِن قَالُوا هَا هُنَا صانع أَو طبيعة قهرت هَذِه الطبائع على الِاخْتِلَاط والاجتماع بعد التنافر والتباعد والتضاد تركُوا قَوْلهم وأثبتوا طبعا خَامِسًا وصانعا غَيرهَا وَإِن أَجَازُوا ذَلِك بِغَيْر صانع ألزموا اجْتِمَاع الْخَفِيف والثقيل والمنحدر والمتصاعد بِغَيْر سَبَب وَلَا جَامع بل بسجيتهما وسوم أَنفسهمَا وَلَا فصل فِي ذَلِك
وَأما اعتلالهم بِأَنَّهُم لم يَجدوا جسما يَخْلُو من هَذِه الطبائع الْأَرْبَع فَوَجَبَ أَن تكون الْأَجْسَام مركبة مِنْهَا فَإِنَّهُ يُوجب عَلَيْهِم أَن تكون الْأَجْسَام مركبة من النُّور والظلام والألوان والطعوم والراوئح والحركات والسكنات وَسَائِر مَا لَا تنفك مِنْهُ الْأَجْسَام وَفِي بطلَان ذَلِك دَلِيل على بطلَان مَا قَالُوا
[ ٥٨ ]
وَمِمَّا يدل أَيْضا على فَسَاد مَا يذهبون إِلَيْهِ من إِثْبَات فعل الطبائع أَنه لَو كَانَ الْإِسْكَار والإحراق والتبريد والتسخين والشبع والري وَغير ذَلِك من الْأُمُور الْحَادِثَة وَاقعَة عَن طبيعة من الطبائع لَكَانَ ذَلِك الطَّبْع لَا يَخْلُو من أَن يكون هُوَ نفس الْجِسْم المطبوع أَو معنى سواهُ فَإِن كَانَ هُوَ نفس الْجِسْم وَجب أَن يكون تنَاول سَائِر الْأَجْسَام يُوجب حُدُوث الْإِسْكَار والشبع والري ومجاورة كل جسم يُوجب التبريد والتسخين لقِيَام الدَّلِيل على أَن الْأَجْسَام كلهَا من جنس وَاحِد وَقد علم أَن الشَّيْء إِذا أوجب أمرا مَا وَأثر تَأْثِيرا مَا وَجب أَن يكون مَا هُوَ مثله وَمَا جانسه مُوجبا لمثل حكمه وتأثيره كالسوادين الْمَوْجُودين بِالْمحل والحركتين فِي الْجِهَة الْوَاحِدَة وَمَا جرى مجْراهَا من الْأَجْنَاس وَفِي الْعلم باخْتلَاف مَا يحدث عِنْد تنَاول هَذِه الْأَجْسَام دَلِيل على أَنه لَا يجوز أَن يكون الْمُوجب لشَيْء مِنْهُ بعض الْأَجْسَام الَّذِي هُوَ مجانس لسائرها وَأَن الشِّبَع والري والإسكار لَو وَجَبت عَن تنَاول الطَّعَام وَالشرَاب لوَجَبَ حُدُوث ذَلِك عِنْد تنَاول الْحَصَى وَالتُّرَاب والفث والحنظل وَأَن يحدث الرّيّ والإسكار عِنْد شرب الْخلّ والبلسان وَسَائِر الْمَائِعَات والجامدات أَيْضا لِأَنَّهَا من جنس الطَّعَام وَالشرَاب
وَإِن كَانَ ذَلِك الطَّبْع الَّذِي يومئون إِلَيْهِ عرضا من الْأَعْرَاض فسد إثْبَاته فَاعِلا من وُجُوه
أَحدهَا أَن الْأَعْرَاض لَا يجوز أَن تكون فاعلة كَمَا لَا يجوز أَن تفعل الْأَفْعَال الألوان والأكوان وَغَيرهمَا من أَجنَاس الْأَعْرَاض وكما لَا يجوز أَن
[ ٥٩ ]
يصنع دقائق المحكمات من الصياغة والنساجة وَالْكِتَابَة شَيْء من الْأَعْرَاض وَلَا الْمَيِّت وَلَا الجماد
وعَلى أَنه لَو جَازَ وُقُوع هَذِه الْأَفْعَال من الشِّبَع والري والإسكار وَالصِّحَّة والإسقام من الْأَعْرَاض لجَاز وُقُوعهَا من الْموَات وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن نَفْعل نَحن جَمِيع ذَلِك لأننا قادرون عالمون مريدون فوقوع هَذِه الْأَفْعَال من الْحَيّ الْعَالم الْقَادِر أقرب فِي عقل كل عَاقل من وُقُوعهَا من الْأَعْرَاض والموات وَفِي تعذر ذَلِك علينا دَلِيل على أَنه أَشد تعذرا على من قصر عَن صفتنا
وَلِأَن هَذِه الْأُمُور لَو كَانَت حَادِثَة عَن طبائع هِيَ أَعْرَاض مَوْجُودَة بِهَذِهِ الْأَجْسَام المطبوعة نَحْو النَّار وَالطَّعَام وَالشرَاب لم تخل تِلْكَ الْأَعْرَاض من أَن تكون مَوْجُودَة بالأجسام عَن طبيعة أَو غير طبيعة فَإِن كَانَت مَوْجُودَة بهَا عَن طبيعة أُخْرَى وَجب تعلق ذَلِك بِمَا لَا غَايَة لَهُ كَمَا بَيناهُ من قبل وَإِن كَانَت مَوْجُودَة عَن غير طبيعة جَازَ أَن تحْتَمل أَيْضا الْأَجْسَام وجود الْإِسْكَار والشبع والري عَن غير طبيعة توجب ذَلِك وَهَذَا يبطل إِثْبَات الطباع إبطالا ظَاهرا
وَيُقَال لَهُم أَيْضا خبرونا عَن هَذِه الطبائع من أَي أَجنَاس الْأَعْرَاض هِيَ وَمن أَي قبيل هِيَ فَلَا يَجدونَ إِلَى ذكر شَيْء سَبِيلا
وَمِمَّا يدل على فَسَاد فعل الطباع أَيْضا أَنه لَو جَازَ وُقُوع بعض الْحَوَادِث من الشِّبَع والري وَالصِّحَّة والسقم واللذة والألم من طبع لَيْسَ بحي وَلَا قَادر وَلَا قَاصد لجَاز وُقُوع الْإِرَادَة وَالنَّظَر وَالْكِتَابَة ودقائق الصياغة والنجارة من طبع وَعَن طبع لَيْسَ بحي وَلَا قَادر وَلَا عَالم كَمَا أَنه لَو جَازَ اسْتغْنَاء بعض الْحَوَادِث عَن مُحدث لجَاز غنى سائرها عَن ذَلِك فَلَمَّا كَانَ جِهَة تعلق الْإِرَادَة بفاعل حَيّ قَادر هِيَ كَونهَا فعلا حَادِثا دون كَونهَا إِرَادَة ثَبت أَن سَائِر الْحَوَادِث الْمُشَاركَة للإرادة فِي وصف الْحُدُوث محتاجة إِلَى مَا تحْتَاج إِلَيْهِ الْإِرَادَة من فَاعل حَيّ قَادر
[ ٦٠ ]
وَمِمَّا يدل أَيْضا على إبِْطَال قَوْلهم بِفعل الطبائع علمنَا بِوُجُوب وجود كل مَعْلُول بعلة كلما وجدت وتكررت وَكلما وجد مثلهَا وَوُجُوب كَثْرَة المسببات عِنْد كَثْرَة أَسبَابهَا على قَول من أثبت السَّبَب والمسبب
أَلا ترى إِلَى وجوب كَون الْعَالم عَالما بالشَّيْء والمريد مرِيدا لَهُ كلما تَكَرَّرت لَهُ الْإِرَادَة وَالْعلم لَهُ وجد بِهِ أَمْثَالهَا فِي كل وَقت زمَان وَلم يجز أَن تُوجد بِهِ عِلّة الحكم فِي بعض الْأَمَاكِن والأزمان وَلَا يُوجد الحكم وَكَذَلِكَ يجب عِنْد الْقَائِلين بتولد الْأَلَم عَن الضَّرْب وَذَهَاب الْجِسْم عِنْد الدفعة أَن يكثرا عِنْد كَثْرَة أسبابهما ويشتدا عِنْد كَثْرَة الضَّرْب والاعتماد وَالدَّفْع
وَكَذَلِكَ يجب لَو كَانَ الْإِسْكَار والشبع والري ونماء الزَّرْع حَادِثا عَن طبع الشَّرَاب وَالطَّعَام والسقي والتسميد وَحمى الشَّمْس لوَجَبَ أَن تزداد هَذِه الْأُمُور مَا كَانَت الْأَجْسَام مُحْتَملَة لَهَا عِنْد وجود أَمْثَال مَا أوجب ذَلِك وتناوله فَكَانَ يجب أَن يزِيد الزَّرْع وينمي وَإِن بلغ حد النِّهَايَة فِي مُسْتَقر الْعَادة إِذا أَدِيم سقيه وَأكْثر تسميده وإظهاره للشمس حَتَّى يزِيد أبدا وينمي وَأَن توجب لَهُ هَذِه الْأُمُور الزِّيَادَة فِي غير إبان الزَّرْع وحينه كَمَا توجب ذَلِك فِي وَقت عَادَة خُرُوجه وَفِي علمنَا أَن السَّقْي والتسميد يعود بتلفه إِذا بلغ مِقْدَارًا مَا وَأَنه لَا يُوجب لَهُ فِي ذَلِك غير حِين نمائه دَلِيل على سُقُوط مَا قَالُوهُ وَكَذَلِكَ فَلَو أَن الْإِنْسَان أكل وَشرب فَوق شبعه لم يحدث لَهُ أبدا من الشِّبَع والري مَا يحدث عِنْد الْحَاجة إِلَى تنَاول الطَّعَام وَالشرَاب بل يصير ذَلِك ضَرَرا وألما وَإِذا كَانَ هَذَا هَكَذَا وَجب بطلَان مَا قَالُوهُ وَفَسَد أَن تكون الطبائع
[ ٦١ ]
الَّتِي فِي هَذِه الْأَشْيَاء بزعمهم مُوجبَة لهَذِهِ الْأُمُور لَا على أحد إِيجَاب الْعلَّة للْحكم وَلَا على سَبِيل مَا تولد عَن سَبَب يُوجِبهُ على مَذْهَب أَصْحَاب التولد
وَقد ثَبت أَيْضا بِمَا قدمْنَاهُ أَنه لَا يجوز أَن تكون الْأَعْرَاض فاعلة للأفعال فَبَطل مَا يثبتونه من فعل الطبائع أَو إِيجَابهَا لهَذِهِ الْحَوَادِث
فَأَما مَا يهذون بِهِ كثيرا من أَنهم يعلمُونَ حسا واضطرارا أَن الإحراق والإسكار الحادثين واقعان عَن حرارة النَّار وَشدَّة الشَّرَاب فَإِنَّهُ جهل عَظِيم وَذَلِكَ أَن الَّذِي نشاهده ونحسه إِنَّمَا هُوَ تغير حَال الْجِسْم عِنْد تنَاول الشَّرَاب ومجاورة النَّار وَكَونه سَكرَان ومحترقا ومتغيرا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَقَط فَأَما الْعلم بِأَن هَذِه الْحَالة الْحَادِثَة المتجددة من فعل من هِيَ فَإِنَّهُ غير مشَاهد بل مدرك بدقيق الفحص والبحث
فَمن قَائِل إِنَّه من قديم مخترع قَادر وَهُوَ الْحق الَّذِي نَذْهَب إِلَيْهِ وَمن قَائِل يَقُول إِنَّه من فعل الْإِنْسَان الَّذِي جاور النَّار وَتَنَاول الشَّرَاب ومتولد عَن فعله الَّذِي هُوَ سَبَب الإحراق والإسكار وَمن قَائِل يَقُول إِنَّه فعل الطَّبْع فِي الْجِسْم وَلَا أَدْرِي أهوَ نفس الْجِسْم المطبوع أم معنى فِيهِ وَمن قَائِل يَقُول إِن الطَّبْع عرض من الْأَعْرَاض
فَكيف يدْرك حَقِيقَة مَا قد اخْتلف فِيهِ هَذَا الضَّرْب من الِاخْتِلَاف بِالْمُشَاهَدَةِ ودرك الْحَواس وَلَو جَازَ لزاعم أَن يزْعم أَنه يعلم صِحَة فعل الطَّبْع فِي الْجِسْم لما حدث من هَذِه الْأُمُور اضطروا لجَاز لنا أَن ندعي أَنا نعلم كذب مدعي ذَلِك اضطرارا وَأَنه هُوَ مُضْطَر إِلَى ذَلِك وَهَذَا مِمَّا لَا
[ ٦٢ ]
حِيلَة لَهُم فِي الْخَلَاص مِنْهُ وَقد ثَبت أَن مَا يعلم بِالضَّرُورَةِ ودرك الْحَواس لَا يجوز أَن يجْتَمع على جَحده وإنكاره قوم بهم تثبت الْحجَّة وَيَنْقَطِع الْعذر كَمَا لَا يجوز مثل ذَلِك فِي جحد وجودنا السَّمَاء فَوْقنَا وَالْأَرْض تحتنا وَسَمَاع كَلَام السَّائِل لنا فِي هَذَا الْبَاب وَفِي جحد أَكثر الْعَالم والأمم لفعل الطباع وَالْعلم بِهَذِهِ الطبائع أصلا دَلِيل على جهل مدعي هَذِه الدَّعْوَى
وعَلى أَن كثيرا من الْمُتَكَلِّمين يُنكر الْعلم بِوُجُود حوادث هِيَ إحراق وإسكار من جِهَة الإضطرار فَكيف يعلم حدوثها من مُحدث بِعَيْنِه وَعَن شَيْء بِعَيْنِه اضطرار وَكثير من النَّاس يجهلون وجود هَذِه الْأَعْرَاض وأعيانها فَكيف يضطرون مَعَ ذَلِك إِلَى الْعلم بفاعلها وعَلى أَن سَائِر الْمُتَكَلِّمين وَأهل التَّحْصِيل قد أطبقوا على أَن حُدُوث الشَّيْء وَكَونه عَن عدم لَا يعلم اضطرارا فَكيف يعلم مِمَّن حدث وَعَن أَي شَيْء حدث اضطرارا وَالْعلم بِحَدَث الشَّيْء وَمَا حدث عَنهُ فرع للْعلم بِأَنَّهُ مُحدث فَإِذا لم يُعلمهُ مُحدثا اضطرارا وَلم يُشَاهِدهُ مَعْدُوما قبل وجوده وموجودا بعد عَدمه فَكيف يضْطَر إِلَى الْعلم بمحدثه لَوْلَا الْغَفْلَة والذهاب عَن التَّحْصِيل
وَيُقَال لَهُم فِي هَذَا أَيْضا لَو قَالَ لكم قَائِل من الْمُعْتَزلَة الْقَائِلين بالتولد إِنَّنِي أعلم حُدُوث الْأَلَم وَذَهَاب السهْم وَالْحجر متولدين عَن الرَّمْي وَالدَّفْع والاعتماد وَكَذَلِكَ الْكسر وَالْقطع وتأليف الْأَجْسَام عِنْد حركات البنائين واعتمادهم وإنني أشاهده وأحسه اضطرارا هَل كَانَ فِي دَعْوَاهُ ذَلِك إِلَّا بمنزلتكم فِي إدعاء فعل الطباع لِأَنَّهُ يَقُول وجدت هَذِه الْأُمُور
[ ٦٣ ]
تحدث عِنْد الرَّمْي والاعتماد وَالضَّرْب وَالرَّجم والصكة وأحس ذَلِك فَيتَعَلَّق فِي ذَلِك بِمثل مَا بِهِ تعلقتم فَإِن سوغوه ذَلِك صَارُوا إِلَى إِثْبَات التولد وَتركُوا القَوْل بِفعل الطباع وَإِن امْتَنعُوا مِنْهُ لم يَجدوا إِلَى الْفَصْل سَبِيلا
وتعارض الْمُعْتَزلَة فِي القَوْل بتولد هَذِه الْأُمُور عَن الصكة وَالضَّرْب والرمية بقول المثبتين للطباع فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك فص ٤
وَإِن قَالَ أَصْحَاب الطبائع قد تُوجد هَذِه الحركات والاعتمادات أَحْيَانًا غير مُتَوَلّدَة لما ادَّعَتْهُ الْمُعْتَزلَة فَبَطل أَن تكون مُتَوَلّدَة فِي حَال من الْأَحْوَال يُقَال لَهُم وَكَذَلِكَ قد يُوجد تنَاول الشَّرَاب ومجاورة النَّار أَحْيَانًا مَعَ عدم الإحراق والإسكار فَبَطل أَن يكون الإحراق وَاجِبا عَن فعل الطباع
فَإِن قَالُوا إِنَّمَا تفعل طباع الأغذية والأدوية مَعَ عدم الْمَانِع لَهَا قيل وَكَذَلِكَ إِنَّمَا تتولد هَذِه الْأَسْبَاب مَعَ عدم الْمَوَانِع من مسبباتها وَلَا فصل فِي ذَلِك
فَأَما قَول كثير من هَؤُلَاءِ إِن للفلك طبيعة خَامِسَة لَيست بحرارة وَلَا برودة وَلَا رُطُوبَة وَلَا يبوسة فَإِنَّهُ أَيْضا قَول بَاطِل لَا حجَّة عَلَيْهِ فَيُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك وَمَا دليلكم عَلَيْهِ فَإِن قَالُوا لأَنا وجدنَا الْفلك يَتَحَرَّك حَرَكَة دورية أبدا سرمدا وَلَا يَصح أَن يَتَحَرَّك فِي جِهَات الْعَالم السِّت وَلَا أَن يقف ويسكن بَدَلا من الْحَرَكَة فَوَجَبَ أَن تكون لَهُ طبيعة خَامِسَة لِأَن الدَّال على طبائع الْأَجْسَام حركاتها فِي جِهَة الْعُلُوّ والسفل فَيُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ هَذَا وَمَا
[ ٦٤ ]
الْحجَّة فِيهِ وَمَا يدريكم أَن الْفلك لَا يجوز أَن يسكن يَوْمًا مَا وَلَا أَن يَتَحَرَّك حَرَكَة مُسْتَقِيمَة فِي إِحْدَى الْجِهَات السِّت وَإِن كُنْتُم لم تَجدوا ذَلِك قطّ فَإِن قَالُوا لِأَن ذَلِك لَو جَازَ لجَاز أَن يَتَحَرَّك المَاء وَالْأَرْض سوم أَنفسهمَا إِلَى فَوق وَأَن تتحرك النَّار سوم نَفسهَا إِلَى أَسْفَل قيل لَهُم مَا أنكرتم من جَوَاز ذَلِك إِن كَانَ هَا هُنَا متحرك يَتَحَرَّك سوم نَفسه بِغَيْر متحرك يحركه وَمَا فِي وجودكم لتعذر هَذَا الْيَوْم مَا يدل على استحالته
ثمَّ يُقَال لَهُم مَا الدَّلِيل أَولا على أَن هَا هُنَا متحركا يَتَحَرَّك سوم نَفسه بِغَيْر محرك يحركه ويخترع فِيهِ الْحَرَكَة أَو من غير أَن يكون قَادِرًا على تَحْرِيك نَفسه ومختارا لذَلِك فَلَا يَجدونَ إِلَى تَصْحِيح ذَلِك سَبِيلا
ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب على اعتلالكم هَذَا اسْتِوَاء طبع الْهَوَاء وَالنَّار وَالْمَاء وَالْأَرْض لِأَن النَّار والهواء يتحركان أبدا صعدا سوم أَنفسهمَا وَلَا يتحركان فِي غير هَذِه الْجِهَة فَيجب اسْتِوَاء طبعهما لِاسْتِوَاء حركتيهما إِن كَانَ اخْتِلَاف الحركات دَالا على اخْتِلَاف الطباع وَكَذَلِكَ يجب اتِّفَاق طبع المَاء وَالْأَرْض لِاتِّفَاق حركتيهما إِلَى جِهَة السّفل وَهَذَا ترك لقَولهم إِن المَاء رطب وَالْأَرْض يابسة والهواء رطب وَالنَّار يابسة فَإِن قَالُوا الأَرْض أقرب حَرَكَة من المركز من المَاء فَوَجَبَ اخْتِلَاف طبعيهما قيل لَهُم فَوَجَبَ مُخَالفَة طبع الصفحة الَّتِي نَحن عَلَيْهَا من الأَرْض لطبع الصفحة الَّتِي تلِي المركز لِأَن ذَلِك أقرب حَرَكَة إِلَى المركز وَكَذَلِكَ القَوْل فِي تركيب الصفحات وَهَذَا ترك قَوْلهم
وَيُقَال لَهُم وَيجب على اعتلالكم هَذَا أَن تقضوا على اتِّفَاق طبع كُلية
[ ٦٥ ]
المَاء وَالْأَرْض وَالنَّار والهواء لِأَن من طبع كليات هَذِه الْأَشْيَاء الْوُقُوف فِي عالمها الَّذِي هُوَ مَوضِع مركزها وَأَن لَا تتحرك عَنهُ فَإِن صَارُوا إِلَى ذَلِك تركُوا قَوْلهم وَإِن قَالُوا اتِّفَاق كليات هَذِه الْأَشْيَاء فِي السّكُون فِي مراكزها ومواضع كلياتها لَا يدل على اتِّفَاق طبعها قيل لَهُم وَكَذَلِكَ اخْتِلَاف حركات جزيئاتها الْمَوْجُودَة فِي عالمنا لَا يدل على اخْتِلَاف طباعها وَلَا فصل فِي ذَلِك
وَيُقَال لَهُم أَيْضا يجب على موضوعكم هَذَا أَن يكون طبع جزئيات هَذِه الْأَشْيَاء مُخَالفا لكلياتها وَأَن تكون طباعها خلاف طباع كلياتها وَذَلِكَ أَن من شَأْن هَذِه الجزئيات الْمَوْجُودَة فِي عالمنا الْحَرَكَة وَمن شَأْن كلياتها السّكُون وَالْوُقُوف فَيجب لذَلِك اخْتِلَاف طباع الجزئيات والكليات فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا قَوْلهم وَإِن أَبوهُ قيل لَهُ فَمَا أنكرتم أَيْضا من اتِّفَاق طبع الْفلك وَالنَّار والهواء وَالْمَاء وَالْأَرْض وَإِن اخْتلفت حركات هَذِه الْأُمُور فَلَا يَجدونَ إِلَى دفع ذَلِك سَبِيلا
بَاب الْكَلَام على المنجمين
إِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون صانع هَذَا الْعَالم ومصوره ومدبره ونافعه وضاره ومبتليه الأفلاك السَّبْعَة الَّتِي هِيَ الطوالع الشَّمْس وَالْقَمَر وزحل
[ ٦٦ ]
والمريخ وَالْمُشْتَرِي والزهرة وَعُطَارِد قيل لَهُ أَنْكَرْنَا ذَلِك لعلمنا بحدوث هَذِه النُّجُوم وَأَنَّهَا جَارِيَة مجْرى سَائِر أجسام الْعَالم وَذَلِكَ أَنه قد جَازَ عَلَيْهَا من الْحَد وَالنِّهَايَة والتأليف وَالْحَرَكَة والسكون والانتقال من حَال إِلَى حَال مَا يجوز على سَائِر أجسام الْعَالم فَلَو جَازَ أَن تكون قديمَة مَعَ مَا وَصفنَا لجَاز قدم سَائِر الْأَجْسَام
وَالدَّلِيل على حُدُوث هَذِه الأفلاك علمنَا بِأَن الشَّمْس تكون فِي برج الْحمل ثمَّ تنْتَقل إِلَى برج الثور ثمَّ إِلَى غَيرهَا من البروج وَقد علمنَا أَنَّهَا لَا تجوز أَن تكون كائنة فِي برج الْحمل ومتحركة إِلَيْهِ لعينها ونفسها لِأَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لم تعلم نَفسهَا إِلَّا وَهِي كائنة فِي برج الْحمل ولوجب أَن تكون لم تزل كائنة فِيهِ لعينها وَلَا تزَال كَذَلِك وَأَن يَسْتَحِيل خُرُوجهَا عَنهُ وانتقالها مِنْهُ إِذْ كَانَت كائنة فِيهِ لعينها كَمَا أَنَّهَا إِذا كَانَت قديمَة لعينها وجوهرا لعينها اسْتَحَالَ خُرُوجهَا من الْقدَم والجوهرية وَفِي علمنَا لخروجها
[ ٦٧ ]
من كل برج إِلَى غَيره وَأَن كَونهَا فِيهِ مضاد لكَونهَا فِي غَيره دَلِيل أَنه لَا يجوز أَن يكون كَونهَا فِي هَذِه البروج قَدِيما لِأَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن تكون فِي برج الْحمل فِي حَال كَونهَا فِي برج الثور وَلم تكن بِأَن تكون فِي أحد المكانين بِأولى من أَن تكون فِي الآخر إِذا كَانَ كَونهَا فيهمَا قَدِيما لم يزل مَوْجُودا وَلَا يزَال كَذَلِك مَوْجُودا وَإِذا لم يجز ذَلِك ثَبت حُدُوث حركات هَذِه الأفلاك وأكوانها وَثَبت بذلك حدوثها لِأَنَّهَا عندنَا وَعِنْدهم لم تُوجد قطّ منفكة من هَذِه الأكوان وَمَا لم يسْبق الْحَوَادِث فَوَاجِب كَونه مُحدثا وَقد أفسدنا من قبل قَول من زعم أَن الْحَوَادِث لَا أول لَهَا بِمَا يُغني عَن رده فَوَجَبَ الْقَضَاء على حُدُوث هَذِه الْأَجْسَام وَقد قَامَ الدَّلِيل على أَن الْجِسْم الْمُحدث لَا يَصح أَن يفعل فِي غَيره وَأَنه لَا تُوجد أَفعاله إِلَّا فِي نَفسه فَلم يجز أَن تكون هَذِه الْآثَار الأرضية من فعل الأفلاك إِذْ لَيست هَذِه الْأَفْعَال مَوْجُودَة بذواتها
وعَلى أَن هَذِه الأفلاك إِذا ثَبت حدثها بِمَا وصفناه فَلَا تَخْلُو من أَن يكون لَهَا مُحدث مُدبر أَو لَا مُحدث لَهَا وَلَا مُدبر فَإِن لم يكن لَهَا مُحدث جَازَ وُقُوع الْآثَار الأرضية والعلوية وَسَائِر الْحَوَادِث من غير مُحدث هُوَ فلك أَو غَيره وَإِن كَانَ لَهَا مُحدث فَلَا يَخْلُو أَن يكون أحدثها بالطبع أَو بِالْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَار فَإِن كَانَ أحدثها بالطبع وَجب أَن تكون قديمَة لقدم الطَّبْع الَّذِي وَجَبت عَنهُ على مَا بَيناهُ وَخرجت عَن أَن تكون محدثة وَقد بَينا فَسَاد ذَلِك من قبل وَجَاز أَن تكون سَائِر الْحَوَادِث والتأثيرات حَادِثَة بطبع ذَلِك الصَّانِع الْمُحدث لهَذِهِ الأفلاك دون طباع هَذِه الْكَوَاكِب فَتكون كل الْحَوَادِث وَاقعَة بطبع ذَلِك الْفَاعِل وَإِن كَانَ أحدثها بِالْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَار فَلَا يَخْلُو أَن يكون
[ ٦٨ ]
قَادِرًا على أَلا تكون الْحَوَادِث الَّتِي يوجبون وجودهَا عِنْد كَون الشَّمْس فِي برج الثور ومقابلتها لما قابلته أَو غير قَادر على ذَلِك فَإِن كَانَ غير قَادر عَلَيْهِ وَجب ممانعة هَذِه الأفلاك لَهُ وغلبتها إِيَّاه وَذَلِكَ يَقْتَضِي نَقصه وحدوثه وَإِن كَانَ صانعها قَادِرًا على الْمَنْع من وجود هَذِه التأثيرات مَعَ وجود الأفلاك ومقابلتها وتربيعها وتسديسها وَثُبُوت طبائعها وَيقدر على إِيجَاد غَيرهَا من الْحَوَادِث بَطل أَن تكون لهَذِهِ الْكَوَاكِب أَفعَال وتأثير وطباع توجب حُدُوث مَا يحدث فِي عالمنا وَثَبت أَن ذَلِك أجمع فعل فَاعل قَادر مُخْتَار يحدثه إِذا شَاءَ ويتركه إِذا شَاءَ
وَمِمَّا يدل أَيْضا على أَنه لَا يجوز أَن تكون هَذِه التأثيرات والحوادث الأرضية والسماوية من فعل هَذِه الْكَوَاكِب أَنَّهَا لَو كَانَت من فعلهَا لم تخل من أَن تكون فعلت هَذِه الْأُمُور وَهِي قادرة عَلَيْهَا أَو غير قادرة على ذَلِك فَإِن كَانَت غير قادرة على ذَلِك اسْتَحَالَ وُقُوع الْأَفْعَال مِنْهَا كَمَا يَسْتَحِيل وُقُوع الْقَصْد وَالِاخْتِيَار وَحل الأشكال وَعمل الهندسة ودقائق الْكِتَابَة والنساجة وَالزَّرْع والمساحة عِنْدهم وَعِنْدنَا مِمَّن لَيْسَ بِقَادِر وَذَلِكَ لِأَن الْفِعْل إِنَّمَا تعلق بفاعل حَيّ قَادر من حَيْثُ كَانَ فعلا فَإِذا جَازَ وُقُوع بعض الْأَفْعَال من غير قَادر خرج جَمِيعهَا عَن الْحَاجة إِلَى التَّعَلُّق بِقَادِر وَفِي بطلَان ذَلِك دَلِيل على أَنَّهَا لَا تجوز أَن تكون غير قادرة
وَإِن كَانَت قادرة على مَا كَانَ مِنْهَا ومختارة لَهُ فَلَا يَخْلُو كل وَاحِدَة مِنْهَا قديمَة كَانَت أَو محدثة من أَن يكون قَادِرًا على ممانعة الآخر من فعله والاستبداد بِوُجُود مُرَاده دون مُرَاد
[ ٦٩ ]
مخالفه أَو لَا يكون فِيهَا قَادِرًا على ذَلِك أَو يكون بَعْضهَا قَادِرًا على هَذَا وَبَعضه غير قَادر عَلَيْهِ ويساق مَعَهم دَلِيل التمانع بِعَيْنِه فَإِنَّهُ مُفسد لقَولهم وَمُوجب لحدوث سَائِر هَذِه الأفلاك وَفِيه ترك تدينهم بقدمها
فَأَما من قَالَ من المنجمين إِن هَذِه الْكَوَاكِب محدثة وَأَنَّهَا حَيَّة قادرة قاصدة فَإِنَّهُ جوز تمانعها ولحوق الْعَجز بهَا فَإِنَّهُم لَا سَبِيل لَهُم إِلَى الْعلم بِكَوْنِهَا قادرة مختارة وَمَا مَعَهم فِيهِ سوى الدَّعْوَى فَيُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ إِن هَذِه الأفلاك حَيَّة قادرة فَإِن قَالُوا لظُهُور مَا ظهر من سَيرهَا وقطعها البروج وَكَونهَا فِيهَا على تَرْتِيب ونظام وَفِي الْأَوْقَات الْمَعْلُومَة قيل لَهُم وَمَا الدَّلِيل على أَن هَذِه الحركات من فعلهَا وَأَنَّهَا قادرة عَلَيْهَا مَعَ علمنَا وَإِيَّاكُم بِأَنَّهُ قد يَتَحَرَّك الْحَيّ وَالْمَيِّت والقادر وَمن لَيْسَ بِقَادِر فَمَا فِي ظُهُور الحركات مِنْهَا مَا يدل على أَنَّهَا قادرة وَمَا أنكرتم أَن يكون صانعها خَالِقًا للسير وَقطع البروج فِيهَا
فَإِن قَالُوا الَّذِي بِهِ نعلم أَن مَا يظْهر من حركات النَّاس وتصرفهم فعل لَهُم بِهِ نعلم أَن سير هَذِه الْكَوَاكِب وَكَونهَا فِي البروج فعل لَهَا يُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك وَمَا أنكرتم أَن يكون علم الْإِنْسَان بِأَن نَفسه فاعلة لقِيَامه وقعوده وضروب تصرفه الْمُتَعَلّق بقدرته هُوَ وجوده لنَفسِهِ قادرة على ذَلِك ومختارة لَهُ وعَلى خلاف صفته إِذا دفع وسحب واضطر إِلَى حَرَكَة مثل حَرَكَة الْحمى والفالج وَأَن يكون علمه بِأَن غَيره من النَّاس المتصرفين فِي الصياغة وَالْكِتَابَة مختارون لذَلِك وقاصدون إِلَيْهِ وقادرون عَلَيْهِ يَقع اضطرارا من وَجه يلْزم النَّفس الْعلم بِهِ لأننا قد نضطر إِلَى علم كَون
[ ٧٠ ]
المريد منا مرِيدا والقاصد قَاصِدا وَأَنه بِالصّفةِ الَّتِي إِذا كُنَّا نَحن عَلَيْهَا سمينا قَادِرين عِنْد أَحْوَال تظهر مِنْهُم لَيست بِأَسْبَاب لكَوْنهم قَادِرين وَلَا دَالَّة على ذَلِك وَلَكنَّا نضطر عِنْد مشاهدتها وَالْعلم بهَا إِلَى كَونهم قَاصِدين وَأَنَّهُمْ بِصفة القادرين على سَبِيل وضع الْعَادة ومستقرها كَمَا نضطر إِلَى خجل الخجل ووجل الوجل وشجاعة الشجاع أَو جبن الجبان عِنْد أُمُور تظهر مِنْهُم لَيست بِأَسْبَاب الشجَاعَة والجبن وَلَا دَالَّة عَلَيْهَا وَلَكِن الْعَادة جَارِيَة بِحُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ بأحوالهم عِنْد حُصُولهَا وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَلم نَكُنْ مضطرين إِلَى الْعلم بِأَن النُّجُوم مختارة قادرة حَيَّة وَلَا عَالمين بذلك من جِهَة الِاسْتِدْلَال لفقد الدَّلِيل عَلَيْهِ ثَبت أَنه لَا سَبِيل لَهُم إِلَى الْعلم بِأَنَّهَا حَيَّة قادرة
وعَلى أَنه لَو قَالَ قَائِل إِن مَا يظْهر من حركات النُّجُوم وسيرها ودوران الْفلك على نمط وَاحِد وسجية وَاحِدَة غير مُخْتَلفَة يدل على أَنَّهَا مجبولة على ذَلِك ومضطرة إِلَيْهِ ومطبوعة عَلَيْهِ على قَول أَصْحَاب الطباع لَكَانَ ذَلِك أقرب لِأَن المطبوع المجبول على الْفِعْل من شَأْنه أَن يكون مَا يضْطَر إِلَيْهِ على سجية وَاحِدَة وَلَيْسَ كَذَلِك الْمُتَصَرف بِاخْتِيَارِهِ لِأَنَّهُ يفعل الشَّيْء وضده وخلافه فتأثيرات هَذِه النُّجُوم لما تؤثره على سنَن وَاحِد يجْرِي مجْرى تَأْثِير النَّار والثلج للتسخين والتبريد على سجية وَاحِدَة وتأثير الطَّعَام وَالشرَاب وَمَا جرى مجْرى ذَلِك فَمَا ظهر من حركاتها أقرب إِلَى أَن يدل على قَول أَصْحَاب الطباع
فَأَما اسْتِدْلَال من اسْتدلَّ مِنْهُم على حَيَاة الْفلك الْأَعْظَم وَهَذِه الأفلاك الَّتِي دونه لعظم أجرامها وضيائها وإشراقها وعلو شَأْنهَا فَإِنَّهُ من وساوس النُّفُوس وَذَلِكَ أَن عظم الْجِسْم وعلو مَكَانَهُ وَشدَّة إشراقه وضيائه لَا يدل على كَونه حَيا وَكَذَلِكَ ظلمَة الْجِسْم ولطافته وَصغر شَأْنه لَا يدل على الْمَنْع من كَونه حَيا لِأَنَّهُ قد يكون
[ ٧١ ]
المضيء الْعَظِيم غير حَيّ والخسيس المظلم اللَّطِيف من الْأَجْسَام حَيا دراكا كالذر والبق وَمَا جرى مجْرى ذَلِك فَلَا تعلق فِي هَذَا
وَأما تعلقهم فِي إِثْبَات تأثيرات هَذِه الْكَوَاكِب بحمي الزَّمَان عِنْد قرب الشَّمْس وبرده عِنْد بعْدهَا عَن عالمنا وَكَون الِاعْتِدَال فِي زمن الخريف وَالربيع عِنْد توسطها فَإِن ذَلِك أجمع لَا يدل على أَن مَا يحدث فِي عالمنا من هَذِه الْأُمُور من فعلهَا كَمَا لَا يدل حُدُوث التبريد والتسخين فِي الْأَجْسَام عِنْد مجاورة الثَّلج وَالنَّار على أَن ذَلِك من فعلهَا وكل شَيْء نقضنا بِهِ على الْقَائِلين بِفعل الطباع بِهَذَا الِاسْتِدْلَال فَهُوَ بِعَيْنِه نَاقض لتَعلق المنجمين بِهِ
وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَيْضا أَن هَذِه الْحَوَادِث الأرضية لَا تَخْلُو أَن تكون وَاجِبَة من ذَوَات الأفلاك أَو عَن أكوانها فِي هَذِه البروج فَإِن كَانَت كائنة مُوجبَة عَن ذواتها وَجب أَن تكون سَائِر الْأَجْسَام مُوجبَة لمثل مَا توجبه هَذِه الأفلاك من هَذِه الْآثَار لقِيَام الدَّلِيل على تجانس الْأَجْسَام وتماثل جرم المُشْتَرِي وزحل وَالشَّمْس وَالْقَمَر فَكَانَ يجب أَن يكون تَأْثِير كل شَيْء مِنْهَا كتأثير غَيره سَوَاء وَكَذَلِكَ سَائِر أجسام الْعَالم
وعَلى أَنه لَا بُد أَن تكون هَا هُنَا جِهَة من قبلهَا يَصح الْعلم بِأَن ذَوَات هَذِه الأجرام وأنفسها توجب حُدُوث هَذِه الْآثَار وَفِي تعذر ذَلِك عَلَيْهِم دَلِيل على فَسَاد هَذِه الدَّعْوَى
وَإِن كَانَت هَذِه الْحَوَادِث إِنَّمَا تحدث عَن أكوان هَذِه الْأَجْسَام فِي تِلْكَ البروج فَيجب أَن يكون كَون الْقَمَر وَالْمُشْتَرِي فِي برج الْحمل مُوجبا لما يُوجِبهُ كَون الشَّمْس فِيهِ لِأَن كَون كل جرم نيرا كَانَ أَو غير نير رطبا كَانَ أَو يَابسا فِي الْمَكَان من جنس كَون غَيره فِيهِ أَلا ترى أَن كَون الزئبق
[ ٧٢ ]
والبلسان فِي الْقدح وَالْمَكَان الْمعِين من جنس كَون المَاء فِيهِ وَكَذَلِكَ كَون الْجَمْرَة فِي الْمَكَان من جنس كَون قِطْعَة الثَّلج فِيهِ وَإِذا ثَبت ذَلِك وَجب أَن يكون كَون كل كَوْكَب فِي برج من هَذِه البروج مُوجبا لمثل مَا أوجبه كَون غَيره فِيهِ لِأَن الشَّيْئَيْنِ المتماثلين يجب أَن يكون تأثيرهما والموجب عَنْهُمَا وَاحِدًا أَلا ترى أَنه لما كَانَ كَون الْقَمَر فِي برج الْحمل من جنس كَون الشَّمْس فِيهِ وَجب أَن يصير كل وَاحِد من الكونين فِي تِلْكَ الْمُحَاذَاة وَذَلِكَ البرج بِعَيْنِه فَكَذَلِك يجب أَن يكون سَائِر مُوجبَات الكونين وَاحِدًا وَكَذَلِكَ السوادان المتماثلان يجب أَن يكون تأثيرهما فِي الْمحل والمنظر تَأْثِيرا وَاحِدًا وَلَا يجوز أَن يكون أَحدهمَا مسودا وَالْآخر مبيضا
وَكَذَلِكَ الحرارتان والبرودتان لَا يجوز أَن تكون إِحْدَاهمَا مسخنة وَالْأُخْرَى مبردة
فَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَجب أَن يكون تَأْثِير الشَّمْس إِذا كَانَت فِي برج الْحمل هُوَ تَأْثِير المريخ وزحل إِذا كَانَا فِيهِ وَأَن يكون كوننا نَحن فِي ذَلِك البرج لَو وجدنَا فِيهِ أَو بعض الْحِجَارَة مُوجبا من التَّأْثِير مثل الْمُوجب عَن كَون الشَّمْس فِيهِ وَإِن لم يَصح وجود نجم من هَذِه الطوالع فِي مَكَان الآخر وفلكه وَجب أَن يُؤثر كَون الشَّمْس فِي البرج والدقيقة فِي الدرجَة إِذا كَانَت مُقَارنَة لزحل أَو مُقَابلَة لبَعض الطوالع مَا تؤثره إِذا لم تكن تِلْكَ فِي الْمُقَابلَة والمقارنة وَفِي إِجْمَاعهم على بطلَان ذَلِك دَلِيل على أَن هَذِه التأثيرات لَا يجوز أَن تكون وَاجِبَة عَن ذَوَات هَذِه الأفلاك وَلَا
[ ٧٣ ]
عَن ذَوَات أكوانها فِي البروج وَلَا كائنة عَنْهَا على سَبِيل الطَّبْع وَلَا على وَجه الْقُدْرَة وَالِاخْتِيَار فَلَا معنى إِذا لنسبة هَذِه الْآثَار إِلَى الأفلاك
فَإِن قَالَ قَائِل مِنْهُم مَا أنكرتم أَن يكون تعلق هَذِه الْآثَار بالأفلاك ونسبتها إِلَيْهَا على حسب تعلق الحكم بِالْعِلَّةِ ونسبته إِلَيْهَا وَذَلِكَ ككون الْعَالم عَالما والقادر قَادِرًا والمتحرك متحركا وَالْوَاجِب عَن الْعلم وَالْقُدْرَة وَالْحَرَكَة لَا على سَبِيل الْفِعْل وَلَا على سَبِيل الطَّبْع قيل لَهُ لَا يجب مَا قلته من وُجُوه
أَحدهَا أَن الحكم عندنَا الَّذِي زعمت أَنه مُوجب عَن الْعلَّة لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير الْعلَّة بل كَون الْعَالم عَالما والمتحرك متحركا لَيْسَ بِمَعْنى أَكثر من وجود الْحَرَكَة وَالْعلم فَقَط فَيجب على هَذَا أَلا تكون هَذِه الْحَوَادِث الكائنة فِي الأَرْض معنى سوى ذَوَات الْكَوَاكِب أَو كَونهَا فِي تِلْكَ البروج وَهَذَا جهل لَا يصير أحد إِلَيْهِ
وَالْوَجْه الآخر أَن الحكم الْوَاجِب عَن الْعلَّة لَا يَصح أَن ينْفَصل عَن الْعلَّة وَلَا عَن الذَّات الَّتِي تُوجد بهَا الْعلَّة فَلذَلِك لم يجز أَن تكون الْحَرَكَة مُوجبَة لكَون غير من وجدت بِهِ متحركا وَكَذَلِكَ الْعلم والإرادة وَسَائِر مَا يُوجب حكما لَا يجوز أَنه يُوجب حكما فِي غير مَحَله فَيجب إِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك أَلا توجب أنفس هَذِه الأفلاك وَكَونهَا فِي البروج شَيْئا من التأثيرات إِلَّا فِي أَنْفسهَا ومواضع أكوانها وَفِي الْعلم بانفصال هَذِه الْأَفْعَال عَن ذَوَات البروج وَمحل أكوانها دَلِيل على فَسَاد تشبيههم مَا ادعوهُ بِالْعِلَّةِ وَالْحكم
فَإِن قَالُوا أفليس الْفِعْل وَالْعدْل والتفضل يُوجب كَون الْفَاعِل فَاعِلا والعادل عادلا وَإِن لم يُوجد ذَلِك فِي مَحَله لِأَن الْفِعْل وَالْعدْل من الله تَعَالَى مُنْفَصِل من ذَاته تَعَالَى
[ ٧٤ ]
قيل لَهُم لَيْسَ للْفَاعِل بِكَوْنِهِ فَاعِلا وعادلا حكم أَكثر من وجود الْفِعْل وَالْعدْل مِنْهُ وَلَيْسَ يتَغَيَّر حكم نَفسه بِوُجُود الْفِعْل كَمَا يتَغَيَّر حكم من لَيْسَ بعالم وَلَا مُرِيد بِوُجُود الْعلم والإرادة فَسقط مَا سَأَلْتُم عَنهُ
فَإِن قَالَ مِنْهُم قَائِل مَا أنكرتم أَن يكون تعلق هَذِه الْحَوَادِث بالأفلاك على حسب تعلق الْفِعْل الْمُتَوَلد بِمَا وَلَده من الْأَسْبَاب قيل أَنْكَرْنَا ذَلِك لأمور أَحدهَا أَن التولد عندنَا بَاطِل غير ثَابت فِي أَفعَال الْخلق وَلَا فِي أَفعَال الْخَالِق تَعَالَى فَلَا معنى لتشبيه الْأُمُور بِهِ
وَالْوَجْه الآخر أَن هَذِه الْحَوَادِث لَا تَخْلُو أَن تكون مُتَوَلّدَة عَن ذَوَات الأفلاك وجواهرها أَو عَن أكوانها فِي البروج فَإِن كَانَت مُتَوَلّدَة عَن ذواتها فقد ثَبت عِنْد كل أحد مِمَّن يَنْفِي التولد وَمن يُثبتهُ أَن ذَوَات الْأَجْسَام لَا تولد شَيْئا وعَلى أَنه لَو جَازَ توليدها لهَذِهِ التأثيرات لوَجَبَ توليد الشَّمْس لمثل مَا يولده الْقَمَر وتوليد الصخور الصلاب وَسَائِر الْأَجْسَام لما تولده ذَوَات هَذِه الأفلاك لِأَنَّهَا كلهَا من جنس وَاحِد وَهَذَا بَاطِل عندنَا وَعِنْدهم
وَإِن كَانَت هَذِه الْحَوَادِث مُتَوَلّدَة عَن أكوان هَذِه الأفلاك فِي البروج وَجب أَن يكون كَون الشَّمْس فِي برج الْحمل مولدا لما يولده كَون المُشْتَرِي وَالْقَمَر فِيهِ وَذَلِكَ بَاطِل عِنْدهم
وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لما قُلْنَاهُ من وجوب تجانس هَذِه الأكوان فِي الْمَكَان الْوَاحِد مَعَ تغاير الكائنين فِيهِ وَفِي بطلَان هَذَا دَلِيل على فَسَاد مَا ظنوه من ذَلِك وَيجب إِن لم يَصح كَون الشَّمْس سائرة فِي
[ ٧٥ ]
برج الْقَمَر وكائنة فِي الدقائق الَّتِي يكون فِيهَا الْقَمَر أَن يكون كَون الشَّمْس فِي تِلْكَ الدقيقة من فلكها وَمن البروج مؤثرا لذَلِك الْحَادِث مَتى وجد سَوَاء كَانَ فِي مُقَابلَة الْكَائِن فِيهِ شَيْء أَو لم يكن وَسَوَاء ربع الْكَوَاكِب أَو سدسه لِأَن الكوكبين فِي ذَلِك الْمَكَان لَا شكّ من جنس وَاحِد فَبَطل بذلك مَا قَالُوهُ
وعَلى أَن الْفَاعِل فِي غَيره على سَبِيل التولد لَا يفعل فِيهِ إِلَّا بِأَن يماسه أَو يماس مَا ماسه ومحال عِنْد أَصْحَاب التولد أَن يخترع فِيهِ الْفِعْل اختراعا بِغَيْر مماسة لَهُ وَلَا مماسة لما ماسه فَيجب إِذا كَانَ كَذَلِك أَلا يَصح فعل هَذِه الأفلاك فِينَا وتأثيراتها فِي أَنْفُسنَا وعالمنا إِلَّا بِأَن تماسنا أَو تماس مَا ماسنا لِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن تفعل فِينَا بالتولد على غير هَذِه السَّبِيل لجَاز وَصَحَّ أَن نَفْعل نَحن أَيْضا فِيهَا تأثيرات وحوادث من غير أَن نماسها أَو نماس مَا ماسها وَفِي تعذر ذَلِك واستحالته دَلِيل على اسْتِحَالَة فعل هَذِه الْكَوَاكِب فِينَا على هَذِه السَّبِيل وَإِذا بَطل ذَلِك صَحَّ أَنه لَا فعل وَلَا تَأْثِير لهَذِهِ الْكَوَاكِب والأفلاك بِحَال بتة
فَأَما من أقرّ مِنْهُم بِالْإِسْلَامِ وأذعن لحدوثها وَأَنَّهَا مُتَعَلقَة بمحدث أحدثها وَزعم أَن الله تَعَالَى جعلهَا دلَالَة على مَا يحدث فِي الْعَالم فِي أوقاته فَإِنَّهُ أَيْضا خبط وتخليط لِأَن الدَّلِيل الْمُتَعَلّق بمدلوله لَا بُد أَن تكون جِهَة تعلقه بِهِ مَعْرُوفَة مَعْلُومَة كجهة تعلق الْكَاتِب بِالْكِتَابَةِ وبكون صانعها عَالما وَدلَالَة الْحَوَادِث على حُدُوث مَا لَا يسبقها وَلَا يفنك مِنْهَا وَدلَالَة المعجزات
[ ٧٦ ]
على صدق صَاحبهَا وأمثال ذَلِك مِمَّا قد عرف جِهَة تعلق الدَّلِيل فِيهِ بمدلوله وَلَا وَجه من قبله يعلم لدلَالَة كَون هَذِه الأفلاك فِي البروج وسيرها وحركاتها على حُدُوث مَا يحدث من الأمطار والنماء وَالنُّقْصَان وَغَلَاء الأسعار وَسَفك الدِّمَاء وَسُكُون الهيج وَالْفساد وعَلى مَا يستسر النَّاس بِعِلْمِهِ وَمَا ينطوون عَلَيْهِ
وَقد أخبر الله تَعَالَى عَن كذب مدعى علم ذَلِك وَأَنه تَعَالَى المستبد بِعلم مَا كَانَ وَيكون فَقَالَ ﴿وأنبئكم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تدخرون فِي بُيُوتكُمْ﴾
فَجعل ذَلِك من دَلِيل النُّبُوَّة وَمَا لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا من أُوحِي بِهِ إِلَيْهِ وَقَالَ ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث وَيعلم مَا فِي الْأَرْحَام وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت﴾ وَقَالَ ﴿عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا إِلَّا من ارتضى من رَسُول﴾
وَفِي نَظَائِر هَذِه الْآيَات مَا يدل على أَن علم مَا يكون لَا يُدْرِكهُ إِلَّا علام الغيوب أَو من أطلعه على ذَلِك فَكيف يدْرك ذَلِك بِقطع الأفلاك وسير النُّجُوم وَكَيف يجْتَمع فِي قلب مُؤمن تَصْدِيق الرُّسُل وَتَصْحِيح الْآيَات مَعَ اعْتِقَاد تَصْحِيح أَحْكَام المنجمين واعتقاد كَون سير الأفلاك أَدِلَّة على علم مَا كَانَ وَيكون وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صدق
[ ٧٧ ]
كَاهِنًا أَو عرافا وَفِي بَعْضهَا أَو منجما فقد كفر بِمَا أنزل على قلب مُحَمَّد) ﷺ فِي أَمْثَال لهَذِهِ الرِّوَايَة يطول ذكرهَا
بَاب الْكَلَام على أهل التَّثْنِيَة
الْقَائِلين بِأَن الْعَالم من أصلين أَحدهمَا نور وَالْآخر ظلام لم يَزَالَا متباينين ثمَّ امتزج مِنْهُمَا جزآن وَأَن النُّور خير حَكِيم بطبعه وَأَن الظلام شرير سَفِيه بطبعه
فَإِن قَالَ قَائِل مِنْهُم لم أنكرتم أَن يكون الْعَالم من أصلين قديمين أَحدهمَا نور وَالْآخر ظلام قيل لَهُ لسنا ننكر أَن يكون من جملَة الْعَالم مَا هُوَ نور وَمِنْه مَا هُوَ ظلام غير أَنَّهُمَا لَا يجوز عندنَا أَن يَكُونَا من أشخاص الْعَالم وأجسامه الْقَائِمَة بأنفسها وَلَا أَن يَكُونَا قديمين وَلَا فاعلين بالطبع وَلَا بِالِاخْتِيَارِ وَلَا أَن تكون الْأَجْسَام من النُّور والظلام فِي شَيْء
فَإِن قيل وَلم أنكرتم أَولا أَن يكون النُّور والظلام المختلفان فِي الْجِنْس أجساما قيل لَهُ أَنْكَرْنَا ذَلِك لقِيَام الدَّلِيل على أَن الْأَجْسَام كلهَا من جنس وَاحِد من حَيْثُ كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا يسد مسد الآخر وينوب مَنَابه وَيجوز عَلَيْهِ من الْوَصْف مثل مَا جَازَ عَلَيْهِ من الْحَرَكَة والسكون والاجتماع
[ ٧٨ ]
والافتراق وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَغير ذَلِك من الْأَوْصَاف وَلَيْسَ معنى المثلين المتشابهين أَكثر من ذَلِك فَلَو كَانَ بعض الْأَجْسَام نورا مَعَ اشتباهها وتماثلها لكَانَتْ كلهَا نورا وَكَذَلِكَ لَو كَانَ مِنْهَا مَا هُوَ ظلام لكَانَتْ كلهَا ظلاما كَمَا أَنه لَو كَانَ مِنْهَا مَا هُوَ حَرَكَة أَو سُكُون أَو امتزاج أَو تبَاين أَو إِرَادَة أَو علم لكَانَتْ كلهَا كَذَلِك مَعَ تماثلها وَفِي فَسَاد هَذَا دَلِيل على أَن الْأَجْسَام كلهَا جنس وَاحِد مشتبه غير متضاد وَلَا مُخْتَلف لَيْسَ مِنْهَا نور وَلَا ظلام وَلَا اجْتِمَاع وَلَا افْتِرَاق وَلَا حَرَكَة وَلَا سُكُون وَلَا ظُهُور وَلَا كمون وَبَان بذلك أَن النُّور والظلام هما السوَاد وَالْبَيَاض اللَّذَان يوجدان بالأجسام وأنهما من جملَة الْأَعْرَاض وَبَعض الْعَالم وَلَيْسَ بِكُل الْعَالم وَلَا مريدين وَلَا قَائِمين بأنفسهما
فَأَما مَا يدل على أَنَّهُمَا ليسَا بقديمين فَهُوَ مَا قدمْنَاهُ من الدّلَالَة على تضادهما وَجَوَاز كَون الشَّخْص مرّة مضيئا نيرا وَمرَّة أسود مظلما وَأَنه لَا يجوز أَن يكون ضِيَاء الْجِسْم ونوره مَوْجُودا بِهِ فِي حَال وجود سوَاده وظلامه كَمَا لَا يجوز أَن تكون حركته مَوْجُودَة فِي حَال سكونه فَوَجَبَ أَنَّهُمَا يحدثان ويتجددان على الْأَجْسَام وَيبْطل النُّور فِي حَال وجود الظلام كَمَا تبطل الْحَرَكَة عِنْد مَجِيء السّكُون
وَقد قَامَ الدَّلِيل أَيْضا على أَنه لَا يجوز عَلَيْهِمَا وَلَا على غَيرهمَا من الْأَعْرَاض الظُّهُور والكمون لِأَن الظُّهُور خُرُوج إِلَى مَكَان والكمون انْتِقَال عَنهُ وَكَون فِي غَيره من الْأَمَاكِن واستتار بِبَعْض الْأَجْسَام وَالْحَرَكَة والسكون والاستتار والظهور من صِفَات الْأَجْسَام دون الْأَعْرَاض لما قدمْنَاهُ من قبل فِي بَاب إِثْبَات الْأَعْرَاض
وَأما مَا يدل على أَن النُّور والظلام وَغَيرهمَا من الْأَعْرَاض لَا يجوز أَن
[ ٧٩ ]
يَكُونَا فاعلين بالطباع وَلَا بِالِاخْتِيَارِ لخير وَلَا شَرّ وَلَا نفع وَلَا ضرّ فَهُوَ أَن الدّلَالَة قد قَامَت على أَن الْفَاعِل لَا يكون إِلَّا حَيا قَادِرًا مُخْتَارًا وَأَن هَذِه الصِّفَات مُسْتَحقَّة لمعان تُوجد بالموصوف وسندل على ذَلِك فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله
وَقد اتفقنا على اسْتِحَالَة قبُول الْأَعْرَاض للأعراض فَبَطل أَن تكون فاعلة وَلَو جَازَ وُقُوع بعض الْأَفْعَال من الْأَعْرَاض وَمن الْموَات وبفعل الطباع لجَاز وُقُوع الْقَصْد وَالِاخْتِيَار وَالْعلم وَالنَّظَر ونساجة الديباج بالتصاوير ودقائق المحكمات من الْأَعْرَاض والموات وبفعل الطباع فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا قَوْلهم وَإِن أَبوهُ لم يَجدوا من ذَلِك فضلا
وَيُقَال لأهل التَّثْنِيَة لم زعمتم بِأَن الْعَالم بأسره من أصلين قديمين أَحدهمَا نور وَالْآخر ظلام فَإِن قَالُوا لأننا وجدنَا جَمِيع الْأَجْسَام لَا تنفك من أَن تكون من ذَوَات الظل أَو لَيست من ذَوَات الظل كالنار والنور النيرين وَغير ذَلِك من الْأَجْسَام الَّتِي لَا ظلّ لَهَا وَمَا كَانَ من هَذَا الْقَبِيل فَهُوَ من أشخاص النُّور وَمَا كَانَ من الأول فَهُوَ من أشخاص الظلام ووجدناها أَيْضا لَا تَخْلُو أَن تكون ستارة مناعة من إِدْرَاك مَا وَرَاءَهَا كالحديد والصخر والحيطان الْغِلَاظ الْمَانِعَة من إِدْرَاك المرئيات والمسموعات أَو لَيست كَذَلِك نَحْو الْهَوَاء وَالْمَاء الصافي والقوارير وكل مَا يصف مَا وَرَاءه وَلَا يمْنَع من إِدْرَاك مَا وَرَاءه من المرئيات والمسموعات وَمَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ من أشخاص النُّور وَالضَّرْب الأول من أشخاص الظلام
ولأننا أَيْضا وَجَدْنَاهُ لَا يَنْفَكّ من شَخْصَيْنِ إِمَّا خَفِيف صَاف شَأْنه الِارْتفَاع والتصاعد واللحوق بعالمه والشوق إِلَى معدنه وَمَوْضِع مركزه أَو ثقيل مظلم شَأْنه الهبوط والانحدار وخرق الْخَفِيف والاعتماد على مَا تَحْتَهُ كالحديد والصخر وَالْأَرْض وَغير ذَلِك من الْأَجْسَام الثَّقِيلَة الْمُعْتَمدَة على مَا تحتهَا
[ ٨٠ ]
والموهنة لحاملها ككارة الْحمال وَسَائِر الْأَجْسَام الواقفة بِالْحَبْسِ والاعتماد وَمَا كَانَ من هَذَا الضَّرْب فَهُوَ من أشخاص الظلام وَالْأول الْخَفِيف من أشخاص النُّور فَوَجَبَ أَن يكون سَائِر أجسام الْعَالم لَا تنفك من نور وظلام
فَيُقَال لَهُم وَلم قُلْتُمْ إِن سَائِر الْأَجْسَام لَا تنفك من ذَلِك ألأنكم لم تَجدوا خلَافَة وَلم زعمتم أَن الْقَضَاء على غَائِب الْأُمُور وَمَا نأى من الْعَالم عَنَّا بِمُجَرَّد الشَّاهِد والوجود ثَابت صَحِيح وَأَن الشَّيْء على مثله وكل مَا انْفَصل عَنهُ فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك سوى الدَّعْوَى
ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون فِي أجسام الْعَالم مَا طبعه الْوُقُوف كالهواء وَمَا جرى مجْرَاه فَيكون لَا منحدرا وَلَا متصاعدا وَمَا أنكرتم إِن دلّ اخْتِلَاف حَرَكَة جزئيات النُّور والظلام فِي هَذَا الْعَالم لطلب المركز والشوق إِلَى كليهمَا على اخْتِلَاف جنسيهما أَن يدل وقُوف كُلية الظلام والنور فِي عالمها وَمَوْضِع مركزهما على تماثلهما وتجانسهما واتفاق طباعهما فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا قَوْلهم وَإِن أَبوهُ نقضوا استدلالهم على اخْتِلَاف جنس النُّور والظلام وطباعهما باخْتلَاف حركات جزئياتهما
ثمَّ يُقَال لَهُم فِي جَوَاب الدّلَالَة الثَّالِثَة الَّتِي هِيَ عمادهم ومفزعهم مَا أنكرتم على اعتلالكم من أَن يكون الْعَالم بأسره من طبائع أَربع حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة على مَا قَالَه الْأَطِبَّاء وَأَصْحَاب الطبائع فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن راموا فصلا لم يجدوه
وَإِن هم قَالُوا إِن سَائِر الْأَجْسَام المركبة من الطبائع الْأَرْبَع لَا يَخْلُو أَن تكون ذَوَات ظلّ أَو لَيست بذوات
[ ٨١ ]
ظلّ فَوَجَبَ أَنَّهَا من نور وظلام قيل لَهُم وَجَمِيع الْأَجْسَام الَّتِي لَا تنفك من أَن تكون ذَوَات ظلّ أَو لَيست بذوات ظلّ لَا تَخْلُو وَلَا تنفك من الطبائع فَوَجَبَ أَن يكون النُّور والظلام مركبا من الطبائع الْأَرْبَع وَلَا فصل فِي ذَلِك
وَكَذَلِكَ يُعَارض أَصْحَاب الطبائع إِذا استدلوا بِالشَّاهِدِ والوجود فيلزمون قَول الثنوية ثمَّ يُؤْخَذ الْفَرِيقَانِ بِأَن تكون الْأَجْسَام من أَجنَاس كَثِيرَة وَمَا لَا غَايَة لَهُ من نَحْو الحركات والسكون والروائح والطعوم والألوان واللين والخشونة والحياة وَالْمَوْت وَغير ذَلِك مِمَّا لَا تنفك مِنْهُ أجسام الْعَالم فَإِن ركبوه تركُوا قَوْلهم وَإِن أَبوهُ نقضوا استدلالهم وَلم يَجدوا من الْمُعَارضَة فصلا
وَيُقَال لمن زعم مِنْهُم أَن الْأُصُول ثَلَاثَة نور خَالص وظلام خَالص وأصل ثَالِث معدل بَينهمَا لَيْسَ بِنور وَلَا ظلام لم قُلْتُمْ ذَلِك فَإِن قَالُوا لما ثَبت من تضَاد النُّور والظلام وتنافيهما فَلَا بُد من أصل ثَالِث معدل بَينهمَا يُقَال لَهُم فَهَل يَخْلُو ذَلِك الأَصْل من أَن يكون من جنسهما أَو من جنس أَحدهمَا أَو مُخَالفا لَهما جَمِيعًا فَإِذا قَالُوا لَا قيل لَهُم فَإِن كَانَ من جنسهما وَجب أَن يكون نورا ظلاما وَألا يعدل بَينهمَا وَذَلِكَ محَال وَإِن كَانَ من جنس أَحدهمَا فَكيف يعدل بَينهمَا وَهُوَ ضد للْآخر وَكَيف لم يحْتَج إِلَى معدل وَكَيف لم يسْتَغْن الأَصْل الَّذِي هُوَ من جنسه عَن معدل مثله وَإِن كَانَ
[ ٨٢ ]
مُخَالفا لَهما احْتَاجَ إِلَى معدل بَينه وَبَينهمَا كحاجتهما لموْضِع اخْتِلَافهمَا وتضادهما وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك
مَسْأَلَة فِي تبَاين الْأَصْلَيْنِ وامتزاجهما
وَيُقَال لَهُم خبرونا عَن الْأَصْلَيْنِ ألأنفسهما تباينا فِي الْأَزَل أم لِمَعْنى هُوَ تبَاين فَإِن قَالُوا لأنفسهما قيل لَهُم فَيجب أَن يَكُونَا متباينين فِي حَال امتزاجهما لوُجُود أَنفسهمَا فِي حَال تباينهما حَتَّى يَكُونَا متباينين ممتزجين وَمَا أنكرتم أَن يَكُونَا أَيْضا ممتزجين لأنفسهما فَإِن قَالُوا هُوَ كَذَلِك قيل لَهُم فامتزاجهما إِذا هُوَ تباينهما لِأَن الامتزاج والتباين هُوَ هما فَإِن قَالُوا أجل قيل لَهُم فَإِذا كَانَت الدُّنْيَا لأجل امتزاجهما وَلم تكن لأجل تباينهما فَيجب أَن تكون الْآن دنيا وَألا تكون دنيا لِأَن التباين هُوَ الامتزاج وَيجب أَن تكون لأنفسهما كَانَت الدُّنْيَا ولأنفسهما لم تكن وَهَذَا يُوجب أَن يكون مآله وجد الشَّيْء وَكَانَ هُوَ بِعَيْنِه مَا لَهُ عدم وَلم يكن فَإِن جَازَ ذَلِك جَازَ أَن يكون مَاله تحرّك الْجِسْم وَخرج عَن مَكَانَهُ هُوَ مَا لأَجله سكن وَاسْتقر فِيهِ وَمَاله يكون الشَّيْء قَدِيما لَهُ يكون حَادِثا مستفتحا وَذَلِكَ بَاطِل بِاتِّفَاق
وَإِن قَالُوا تبَاين الْأَصْلَيْنِ معنى ثَالِث لَا يُقَال هُوَ هما أقرُّوا بقدم أصل ثَالِث هُوَ تبَاين وَنور وظلام وَتركُوا التَّثْنِيَة
وَقيل لَهُم أَيْضا خبرونا عَن التباين أبطل لما جَاءَ الامتزاج أم لَا فَإِن قَالُوا بَطل قيل لَهُم فَإِذا جَازَ عدم الْقَدِيم الَّذِي هُوَ التباين وبطلانه لعِلَّة مَا فَلم لَا يجوز بطلَان النُّور والظلام القديمين وعدمهما لعِلَّة مَا وَسبب يَقْتَضِي ذَلِك فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ لم يَجدوا فصلا
وَإِن قَالُوا بل التباين بَاقٍ مَوْجُود فِي حَالَة وجود الامتزاج قيل لَهُم فَيجب أَن يَكُونَا متباينين
[ ٨٣ ]
ممتزجين وَأَن تكون الْيَوْم دنيا وَألا تكون دنيا لوُجُود الامتزاج والتباين اللَّذين كَانَت لأَحَدهمَا وَلم تكن للْآخر وَهَذَا جهل
وَإِن قَالُوا إِن تبَاين الْأَصْلَيْنِ مُحدث وامتزاجهما مُحدث قيل لَهُم فَهَل يَنْفَكّ الأصلان من التباين والامتزاج فَإِن قَالُوا نعم تركُوا قَوْلهم بتباين الْأَصْلَيْنِ فِي الْقدَم وَإِن قَالُوا لَا قيل لَهُم فَيجب الْقَضَاء على حُدُوث النُّور والظلام إِذا كَانَا لَا ينفكان من حادثين وَلَا يخلوان مِنْهُمَا وَكُنَّا قد بَينا أَن مَا لم يَنْفَكّ من الْمُحدث وَلم يسْبقهُ فَهُوَ مُحدث
وَإِن قَالُوا
لَا غَايَة لتباين الْأَصْلَيْنِ وامتزاجهما وَإِن كَانَا حادثين وَلَا تبَاين إِلَّا وَقَبله امتزاج وَلَا امتزاج وَقَبله تبَاين أبدا لَا أول لذَلِك وَلَا غَايَة قيل لَهُم فمحال على قَوْلكُم هَذَا أَن الدُّنْيَا لم تكن فِي الْأَزَل لِأَن الامتزاج على قَوْلكُم هَذَا لَا أول لَهُ وَلَا شَيْء مِنْهُ إِلَّا وَقد كَانَ قبله مثله وتباين يُخَالِفهُ إِلَى غير غَايَة
ثمَّ يُقَال لَهُم وَلمن قَالَ بذلك من أهل الدَّهْر إِن قَوْلكُم لَا أول للحوادث يَقْتَضِي قدمهَا وَأَنَّهَا لم تكن عَن عدم وقولكم فِيهَا إِنَّهَا حوادث نقض لذَلِك لِأَن القَوْل حوادث هُوَ جمع حَادث والحادث حَقِيقَته أَنه مَا وجد عَن عدم فحقيقة الْجمع الَّذِي يَقع عَلَيْهِ الِاسْم أَنه مَوْجُود عَن عدم
وَمن الْمحَال أَن يدْخل فِي جمع الْحَوَادِث مَا لَا أول لوُجُوده فمحال إِذا قَوْلكُم إِن مَا وَقع عَلَيْهِ قَوْلكُم حوادث لَا أول لَهُ أَو مِنْهُ مَا لَا أول لَهُ وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك
[ ٨٤ ]