فَإِن قَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى مَا أنكرتم أَن يكون مَا أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ من جنس كَلَامهم غير أَنه كَانَ أفْصح وأوجز وَأحسن نظما وَأَن يكون ذَلِك إِنَّمَا تأتى لَهُ بتقدمه فِي البلاغة عَلَيْهِم وَحسن فَصَاحَته ولسنه وبرعهم بذلك وَزَاد فِيهِ على جَمِيعهم قيل لَهُم إِن قدر مَا يَقْتَضِيهِ التَّقَدُّم والحذق فِي الصِّنَاعَة قدر مَعْرُوف لَا يخرق الْعَادة مثله وَلَا يعجز أهل الصِّنَاعَة والمتقدمون فِيهَا عَنهُ مَعَ التحدي والتقريع بِالْعَجزِ والقصور لِأَن الْعَادة جَارِيَة بِجمع الدَّوَاعِي والهمم على بُلُوغ منزلَة الحاذق الْمُتَقَدّم فِي الصِّنَاعَة وَمَا أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ من الْقُرْآن قد خرج عَن حد مَا يكْتَسب بالحذق وَعجز الْقَوْم عَن معارضته ومقابلته مَعَ إيثارهم لذَلِك واجتماع هممهم لَهُ وتوفر دواعيهم عَلَيْهِ وعلمهم بجعله حجَّة لَهُ وَدلَالَة على صدقه فَخرج بذلك عَن نمط مَا سَأَلْتُم عَنهُ
وعَلى أَن الْآيَة فِي الْقُرْآن أَنه منزل بِلِسَان الْعَرَب وَكَلَامهم ومنظوم على وزن يُفَارق سَائِر أوزان كَلَامهم وَلَو كَانَ من بعض النظوم الَّتِي يعرفونها لعلموا أَنه شعر أَو خطابة أَو رجز أَو طَوِيل أَو مزدوج غير أَن ناظمه قد برع وَتقدم فِيهِ وَلَيْسَ يخرج الحذق فِي الصَّنْعَة إِلَى أَن يُؤْتِي بِغَيْر جِنْسهَا وَمَا لَيْسَ مِنْهَا فِي شَيْء وَمَا لَا يعرفهُ أَهلهَا وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَكُنَّا نعلم أَن قُريْشًا أفْصح الْعَرَب وأعرفها بِاللِّسَانِ وأقدرها على سَائِر أوزان الْكَلَام وَأَنَّهَا قد دهشت وطاشت عقولها فِيمَا أَتَى بِهِ فَقَالَت مرّة إِنَّه سحر وَقَالَت تَارَة إِنَّه ﴿معلم مَجْنُون﴾ وَقَالَت أُخْرَى أساطير الْأَوَّلين
[ ١٧٠ ]
اكتتبها) وَقَالَت تَارَة أُخْرَى ﴿شعر﴾ وَقَالَت تَارَة سلمَان يلقنه ويلقي إِلَيْهِ حَتَّى قَالَ تَعَالَى ﴿لِسَان الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ أعجمي وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ علم بذلك أَن مَا أَتَى بِهِ لَيْسَ من جنس الحذق والتقدم فِي الصِّنَاعَة فِي شَيْء وعَلى أَن الله سُبْحَانَهُ إِذا أَبَاحَ لَهُ هَذَا التَّقَدُّم والحذق وَجمع لَهُ أَسبَابه ووفر دواعيه وهمته على تَحْصِيله وَعلم مَعَ ذَلِك أَنه سيدعيه آيَة لَهُ وَحجَّة على صدقه جمع همم من تحداه على فعل مثله وَلَا أتاحه لَهُم وَلَا مكنهم مِنْهُ صَار ذَلِك آيَة من فعله وخرقا للْعَادَة وَجرى مجْرى سَائِر الْآيَات وَلَو علم الله سُبْحَانَهُ أَنه كَاذِب فِيمَا يَدعِيهِ لوفر الدَّوَاعِي والهمم وَجَمعهَا على معارضته وَخلق اللطائف الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى بُلُوغ مَنْزِلَته لكَي يبطل حجَّته ويزيل شبهته وَمَتى لم يفعل ذَلِك كَانَ ناقضا للْعَادَة بِصَرْف الهمم عَن فعل ذَلِك وَجمع الدَّوَاعِي عَلَيْهِ وَمنع اللطائف والأسباب الممكنة مِنْهُ وَالله تَعَالَى لَا ينْقض الْعَادَات إِلَّا للدلالة على الصدْق