فصل
"ومنها" ما ذكره في القول السديد على قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾، فقال: ومعنى الإيمان بالله أن تعتقد أنه هو الإله المعبود الذي لا يستحق العبادة أحد سواه ومعنى الكفر بالطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله إلى آخر كلامه.
فأقول: اعلم وفقك الله أنه لا يكفي في الإيمان بالله مجرد الاعتقاد بالقلب فقط، فإن هذا هو مذهب الجهمية ومن تبعهم من أهل الكلام، بل لا بد مع ذلك من نطق اللسان، واعتقاد الجنان، والعمل بالأركان. فإن اعتقاد القلب وحده لا يكفي في النجاة بل هو مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة وأئمة الحديث وغيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كتاب الإيمان: ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح. فإذا قالوا: قول وعمل، فإنه يدخل في القول قول القلب
[ ٦٩ ]
واللسان جميعا، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام ونحو ذلك – إلى أن قال: والمقصود هنا: أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال قول وعمل ونية، قال القول يتناول ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، وإنما أرادوا ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولا فقط، فقالوا بل هو قول وعمل، والذين جعلوه أربعة فسروا مرادهم كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة، لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قول وعمل ونية بلا اتباع سنة فهو بدعة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة: وههنا أصل آخر وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نية وإخلاص، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها، وكونها نافعة إلى آخر كلامه ﵀. إذًا المقصود بهذا، التنبيه. فمن أراد الكلام بتمامه فليراجعه هناك.
[ ٧٠ ]
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كشف الشبهات ما ذكره بقوله: ولنختم الكلام إن شاء الله بمسألة عظيمة مهمة جدًا – فذكر كلاما ثم قال: فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما إلى أن قال: فإن عمل بالتوحيد عملا ظاهرًا وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص إلى آخر كلامه. وكذلك الكفر بالطاغوت لا يكفي في ذلك مجرد اعتقاد القلب فقط كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد:
باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، قال في المسائل في معنى الطاغوت: "الرابعة": وهي من أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ هل هو اعتقاد القلب أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ انتهى.
فإذا تبين لك هذا فاعلم أن اعتقاد بطلان عبادة غير الله لا يكفي في النجاة وحده بل لا بد مع ذلك من تكفيرهم والبراء منهم ومن دينهم والتصريح لهم بذلك وإظهار العداوة والبغضاء لهم كما قال شيخنا عبد الرحمن بن حسن على ما ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بقوله: أصل الإسلام وقاعدته أمران: "الأول": الأمر بعبادة الله وحده
[ ٧١ ]
لا شريك له، والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه. "الثاني": الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتلفظ في ذلك والمعادة فيه وتكفير من فعله، فذكر كلاما طويلا ثم قال رحمه الله تعالى:
وقد وسم أهل الشرك بالكفر فيما لا يحصى من الآيات، فلا بد من تكفيرهم، وأيضا هذا هو مقتضى لا إله إلا الله كلمة الإخلاص، فلا يتم معناها إلا بتكفير من جعل لله شريكا في عبادته كما في الحديث الصحيح "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله". فقوله: وكفر بما يعبد من دون الله – تأكيد للنفي فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلو شك أو تردد لم يعصم دمه وماله، فهذه الأمور هي تمام التوحيد، لأن لا إله إلا الله قيدت في الأحاديث بقيود ثقال بالعلم والإخلاص والصدق واليقين وعدم الشك، فلا يكون المرء موحدًا إلا باجتماع هذا كله واعتقاده وقبوله ومحبته والمعاداة فيه والموالاة. انتهى.
ثم إني بعد ما حررت هذه الكلمات وقفت على ما ذكره في القول السديد أن أركان الإيمان ثلاثة، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.
فقلت من التعجب ليت شعري أأيقاظ أمية أم نيام
فإذا كان هذا هو الحق وتعتقد أنها أركان الإيمان، فكيف ساغ لك أن تذكر أن معنى الإيمان بالله أن تعتقد أنه هو الإله المعبود الذي لا يستحق العبادة أحد سواه، وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كشف الشبهات أنه لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب
[ ٧٢ ]
واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما، وأنت لم تذكر في معنى الإيمان بالله في هذا الموضع إلا ركنا واحدا وهو الاعتقاد فقط، وقد علمت أنه لا بد من الركنين الآخرين لأنه لا يكون الرجل مسلما إلا بالقيام بهذه الأركان الثلاثة، وقد تقدم أن مذهب الجهمية هو التصديق فقط، وتقدم أقوال أئمة السلف في معنى الإيمان، فلا بد من المصير إلى ما ذكروه وقرروه، وكذلك ما ذكرته في معنى الطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وقد كان من المعلوم أنه لا بد مع ذلك من تكفير من فعل الشرك والبراءة منه والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، فتأمل ذلك، والله الموفق للصواب.
[ ٧٣ ]
الذات لا يكون منها بل يكون مفارقا لها، ومن المعلوم أن ما كان مفارقا للذات لا يكون من الصفات القائمة بذاته بل يكون مخلوقا من مخلوقاته، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقد قال الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رده على الزيدية لما أثبت الصفات اللازمة القائمة بذات الله.
قال الزيدي: فإن ترد أنها تدل على صفات زائدة على الذات لزمك ما لزم الأشاعرة وهو أن يكون مع الله قدماء، وهي المعاني التي لحقت ذاته تعالى بالوصف، ونحن نبرأ من هذا نحن وأنت، قال الشيخ عبد الله في جوابه: فيقال أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله ﵎ موجود كامل بجميع صفاته، فإذا قال القائل دعوت الله أو عبدت الله كان اسم الله متناولا للذات المتضمنة لصفاتها ليس اسم الله اسما لذات مجردة عن صفاتها اللازمة لها، وحقيقة ذلك أنه لا يكون نفسه إلا بنفسه، ولا تكون ذاته إلا بصفاته، ولا يكون نفسه إلا بما هو داخل في مسمى اسما لذات مجردة عن صفاتها اللازمة لها وحقيقة ذلك أنه لا يكون نفسه إلا بنفسه ولا تكون ذاته إلا بصفاته، ولا يكون نفسه إلا بما هو داخل في مسمى اسمها، ولكن قول القائل إنه يلزم أن يكون مع الله قدماء، تلبيس – فإن ذلك يشعر أن مع الله قدماء منفصلة عنه، وهذا لا يقوله إلا من هو من أكفر الناس وأجهلهم بالله كالفلاسفة، لأن لفظ الغير يراد به ما كان مفارقا له بوجود أو زمان أو مكان ويراد به ما أمكن العلم به دونه، فالصفة لا تسمى غيرًا له، فعلى المعنى الأول يمتنع أن يكون معه غيره. وأما المعنى الثاني فلا يمتنع أن يكون وجوده مشروطا بصفات، وأن يكون مستلزما لصفات لازمة له وإثبات المعاني القائمة التي
[ ٧٤ ]
يوصف بها الذات لا بد منها لكل عاقل، ولا خروج عن ذلك إلا بجحد وجود الموجودات مطلقا، وأما من جعل وجود العلم هو وجود القدرة، ووجود القدرة هو وجود الإرادة فطرد هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق تعالى وهذا منتهى الاتحاد وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية الفساد، ولا مخلص من هذا إلا بإثبات الصفات، مع نفى مماثلة المخلوقات وهو دين الذين آمنوا وعملوا الصالحات – ثم ذكر كلاما طويلا تركناه خشية الإطالة.
وقال الإمام أحمد في الرد الزنادقة: فقالت الجهمية لنا – لما وصفنا الله: هذه الصفات إن زعمتم أن الله ونوره، والله وعظمته، والله وقدرته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته. فقلنا لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته وبنور، لا متي قدر ولا كيف قدر؟ وقالوا: لا تكونوا موحدين أبدا حتى تقولوا: كان الله ولا شيء. فقلنا: نحن نقول كان الله ولا شيء، ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته، وضربنا لهم في ذلك مثلا، فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذوع وكرب وليف وسعف وخوص وجُمّار واسمها اسم شيء واحد، نخلة. سميت نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله ﷾، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد، ولا نقول إنه كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق القدرة والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول قد في وقت من الأوقات ولا
[ ٧٥ ]
علم له حتى خلق العلم، والذي لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول لم يزل الله عالما قادرًا مالكا لا متى ولا كيف، وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي، فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدا، وله عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة فقد سماه الله وحيدا بجميع صفاته، فكذلك الله تعالى وله المثل الأعلى هو بجميع صفاته إله واحد. انتهى.
فتبين بما ذكره الإمام أحمد أن الله ﷾ إله واحد بجميع صفاته اللازمة القائمة بذاته ولم يقل إن من هذه الصفات صفة زائدة على ذاته كالسمع والبصر كما أن النخلة بجذوعها وكربها وليفها وسعفها وخوصها وجمارها نخلة واحدة بجميع هذه الصفات لها ولا يمكن في العقل أن السعف والليف زائدان على مسمى النخلة إذ جعل هذه المسميات من مسمى واحد، وليس منها شيء زائد على ذاته، والله أعلم.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد بعد كلام سبق: حلوا لنا شبه من قال باتحادهما ليتم الدليل، فإنكم أقمتم دليلا وعليكم الجواب عن المعارض، فمنها أن الله وحده هو الخالق وما سواه مخلوق، فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة وللزم ألا يكون له اسم في الأزل ولا صفة، لأن أسماءه صفات، وهذا هو السؤال الأعظم الذي قاد متكلمي الإثبات إلى أن يقولوا الاسم هو المسمى فما عندكم في دفعه؟
والجواب: أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق ألفاظ مجملة محتملة
[ ٧٦ ]
لمعنيين: حق وباطل فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني وتنزيل ألفاظها عليها. ولا ريب أن الله ﵎ لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها، فلم يزل بصفاته وأسمائه وهو إله واحد له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وصفاته وأسماؤه داخلة في مسمى اسمه وإن كان لا يطلق على الصفة وحدها أنها إله يخلق ويرزق فليست صفاته وأسماؤه غيره، وليست هي نفس الإله. وبلاء القوم من لفظة الغير فإنها يراد بها معنيين: أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بالله وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقا، ويراد به مغايرة الصفة للذات إذا جردت عنها. فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحا ولكن الإطلاق باطل، فإذا أريد أن العلم هو الكلام "؟ " المغاير الحقيقة المختصة التي امتاز بهما عن غيره كان باطلا لفظا ومعنى، وبهذا أجاب أهل السنة المعتزلة القائلين بخلق القرآن، قالوا كلامه تعالى داخل في مسمى اسمه، فالله تعالى اسم للذات الموصوفة بصفات الكمال، ومن تلك الصفات صفة الكلام كما أن علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره غير مخلوق، ولا يقال إنه غير الله، فكيف يقال إن بعض ما تضمنه وهو أسماؤه مخلوقة، وهي غيره، فقد حصحص الحق بحمد لله، وانحسم الإشكال، وأن أسماءه الحسنى التي في القرآن من كلامه، وكلامه غير مخلوق، ولا يقال: هو غيره، ولا هو هو، وهذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون أسماؤه تعالى غيره، وهي مخلوقة، ولمذهب من رد عليهم
[ ٧٧ ]
ممن يقول أسماؤه نفس ذاته لا غيره، وبالتفصيل تزول الشبهة ويتبين الصواب، والحمد لله. انتهى.
إذا تبين هذا فقد كان معلوما بالاضطرار أن أسماء الله وصفاته من الله، وأنها داخلة في مسمى اسمه لا مغايرة له ولا منفصلة عنه. وقال الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد أيضا في رده على الزيدية بعد كلام ذكره عن أهل البدع في لفظ الغير: ولهذا أطلق كثير من مثبتة الصفات عليها أنها أغيار للذات، وقالوا يقولون "؟ " إنها غير الذات، ولا يقول إنها غير الله، فإن لفظ الذات لا يتضمن الصفات بخلاف اسم الله فإنه يتناول الصفات، ولهذا كان الصواب على قول أهل السنة أن لا يقال في الصفات إنها زائدة على اسم الله بل من قال ذلك فقد غلط عليهم، وإذا قيل هل هي زائدة على الذات أم لا؟ كان الجواب أن الذات الموجودة في نفس الأمر مستلزمة للصفات فلا يمكن وجود الذات مجردة عن الصفات، بل ولا يوجد شيء من الذوات مجردا عن جميع الصفات، بل لفظ الذات تأنيث "ذو" ولفظ "ذو" مستلزم للإضافة، وهذا اللفظ مولد، وأصله أن يقال: ذات علم، وذات قدرة وذات سمع، كما قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم﴾، ويقال: فلانة ذات مال وجمال، ثم لما علموا أن نفس الرب ذات علم وقدرة وسمع وبصر ردا على من نفى صفاتها عرفوا لفظ الذات وصار التعريف يقوم مقام الإضافة بحيث إذا قيل لفظ الذات فهو ذات كذا، فالذات لا يكون إلا ذات علم قدرة ونحوه من الصفات لفظا ومعنى، وإنما يريد محققو أهل السنة بقولهم
[ ٧٨ ]
الصفات زائدة على الذات أنها زائدة على ما أثبته نفاة الصفات من الذات، فإنهم أثبتوا ذاتا مجردة لا صفات لها، فأثبت أهل السنة الصفات زائدة على ما أثبته هؤلاء فهي زيادة في العلم والاعتقاد والخبر لا زيادة على نفس الله ﷻ، بل نفسه المقدسة متصفة بهذه الصفات لا يمكن أن تفارقها ولا توجد الصفات بدون الذات ولا الذات بدون الصفات. والمقصود هنا بيان بطلان كلام المعترض.
إذا تأملت هذا فاعلم أن ما قاله محققو أهل السنة حيث قالوا إن الصفات زائدة على الذات إنما مرادهم بذلك أنها زائدة على ما أثبته نفاة الصفات من الذات، فإنهم أثبتوا ذاتا مجردة لا صفات لها، ومقصود أهل السنة أنها زائدة على ما أثبته هؤلاء النفاة فهي زيادة في العلم والاعتقاد والخبر، لا زيادة على نفس الله ﷻ، بل نفسه المقدسة متصفة بهذه الصفات لا يمكن أن تفارقها ولا توجد الصفات بدون الذات، ولا الذات بدون الصفات كما تقدم بيانه.
إذا تحققت هذا فتخصيص الشارح السمع والبصر بأنهما صفتان زائدتان على الذات تخصيص لا أدري ما مقصوده بذلك، وأهل السنة أطلقوا لفظ الصفات ولم يخصوا السمع والبصر، فتأمل ذلك مع أن الإجمال والإطلاق في هذا الموضع وغيره من غير تفصيل ولا تبيين لما أرادوه من إثبات الصفات الزائدة على ما أثبته النفاة من الذات يوهم من لا معرفة له بكلام أهل السنة رضوان الله عليهم أن المقصود بذلك أنها زائدة على نفس الله
[ ٧٩ ]
ﷻ، وهذا من أبطل الباطل، وأمحل المحال، وقد قال ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية:
فعليك بالتبيين والتفصيل فال إطلاق والإجمال دون بيان
كم أفسدا هذا الوجود وخبطا ال آراء والأذهان كل زمان
ثم لا يخفى عن المحب أن أهل السنة لم يقولوا إن الصفات زائدة على الذات فقط كما توهمه الشارح، وإنما قالوا: إنها زائدة على ما أثبته النفاة من الذات، لأنهم إنما أثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات فتأمل ذلك، والله أعلم.
وهذا آخر ما أردنا من التنبيه على هذه الورطات التي لا مخلص منها إلا باتباع مذهب السلف من أهل السنة المحضة الذين هم الأسوة وبهم القدوة في مسائل هذا الباب وغيره.
إذا تحققت هذا فنحن لم نذكر في هذا التنبيه إلا ما ذكره أئمة الحنابلة وساداتهم الذين أخذوا بأقوال سلف هذه الأمة وأئمتها، وهذا الذي ذكرناه عن الأئمة هو الذي ندين الله به وهو الحق والصواب، الذي لا شك فيه ولا ارتياب، وما خالفه فهو كلام أهل البدع المخالفين لأهل السنة والجماعة.
و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَق﴾ . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
"تم طبع الكتاب"
[ ٨٠ ]