"ومنها" ما ذكره في صفحة تسع وسبعين في الأبيات التي ذكر فيها مفاخرة علي ﵁، قال: ومما نسب إلى علي ﵁:
محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يمسي ويضحى يطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكني وعرسي مسوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ابناي منها فأيكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طرًا غلاما ما بلغت أوان حلمي
فهذه المفاخرة التي ذكرها الشارح لم يذكرها عن علي ﵁ بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا عزاها إلى شيء من الكتب المعتمدة ولا ذكرها عن أحد من أئمة أهل الحديث ولا غيرهم فالأشبه بها أن تكون من أوضاع الرافضة والصحابة ﵃ لم يكن من هديهم وأخلاقهم التفاخر بينهم بالأحساب والأنساب بل كان السلف رضوان الله عليهم ينهون عن الفخر والخيلاء والاستطالة على الخلق بحق
[ ٢٤ ]
أو بغير حق كما هو مذكور في عقائد أهل السنة والجماعة، وعلي ﵁ أخشى لله وأتقى له من أن يفتخر بهذه المفاخرة على أحد من الصحابة ﵃ على ما ذكره الرافضي أنه افتخر بذلك على أهل الشورى أو على معاوية لما بلغته مفاخرته كما ذكره السفاريني، وقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وإنما كانوا يتفاضلون ويذكرون بالتقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وإذا كان من المعلوم أنهم ما كانوا يتفاخرون بأحسابهم وبأنسابهم بل كان ذلك من أمر الجاهلية وقد أذهب الله ذلك بالإسلام كما في الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه، وفيه: "إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس من آدم وآدم خلق من تراب". وعن عياض بن حمار مرفوعا " إن اله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد" رواه مسلم. فإذا تبين لك هذا ففضائل علي ﵁ ومناقبه مشهورة مذكورة لا تخفى على أهل العلم، فالعدول عنها إلى هذه المفاخرة التي لم تذكر في شيء من الكتب المعتمدة من الغفلة التي لا ينبغي لمن نصح نفسه وأراد نجاتها أن تنسب إليه ويذكر بها، فالله المستعان. ثم إني بعد ما حررت هذه الكلمات رأيت ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في منهاج السنة على أصل هذه الأبيات التي وضعها بعض الكذابين، فنظمها من نظمها ونسبها لعلي رضي الله
[ ٢٥ ]
عنه فقال رحمه الله تعالى:
"الفصل الحادي عشر"
قال الرافضي: وعن عامر بن واثلة قال: كنت مع علي وهو يقول لهم لأحتجن عليكم بما لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم تغيير ذلك، ثم قال: أنشدكم بالله أيها النفر جميعا، أفيكم أحد وحد الله تعالى فبلي؟ قالوا: اللهم لا، قال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر الطيار في الجنة مع الملائكة غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محمد سيدة نساء أهل الجنة غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من له سبطان مثل سبطي الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة غيري؟ قالوا: اللهم لا، "وذكر أشياء أخر غير هذا اقتصرنا منها على ما ذكره منها صاحب النظم".
فقال شيخ الإسلام في جوابه: أما قوله عن عامر بن واثلة وما ذكره يوم الشورى، فهذا كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يقل علي ﵁ يوم الشورى شيئا من هذا ولا ما يشابهه،"ثم ذكر كلاما إلى أن قال": وفي هذا الحديث الذي ذكره الرافضي أنواع من الأكاذيب التي نزه الله تعالى عليا عنها، مثل احتجاجه بأخيه وعمه وزوجته، وعلي ﵁ أفضل من هؤلاء وهو يعلم أن أكرم الخلق عند الله أتقاهم ولو قال العباس:
[ ٢٦ ]
هل فيكم أحد مثل أخي حمزة ومثل أولاد أخي أي محمد وعلي وجعفر لكانت هذه الحجة من جنس تلك بل احتجاج الإنسان ببني إخوته أعظم من احتجاجه بعمه ولو قال عثمان هل فيكم من تزوج بنتي نبي لكان من جنس قول القائل هل فيكم من زوجته مثل زوجتي وكانت فاطمة قد ماتت قبل الشورى كما ماتت زوجتا عثمان فإنها ماتت بعد موت النبي ﷺ بستة أشهر، وكذلك قوله: هل فيكم أحد له ولد كولدي وفيه أكاذيب متعددة - إلى آخر ما ذكر رحمه الله تعالى. هذا ملخص ما ذكر الشيخ في المنهاج في الجزء الثالث في صفحة خمسة عشر ولكن العجب كل العجب أنك لما ذكرت أحاديث المهدي ذكرت أنه لم يثبت فيها حديث واحد، وقد تقدم ما ذكره حفاظ أهل الحديث كأبي داود وأبي عيسى الترمذي من تحسين أحاديث المهدي وتصحيحها وذكرت ما ذكرت من أنه لا يجب اعتقاد محبيء هذا المهدي ولا ندين الله به، ثم ذكرت هذه المفاخرة المكذوبة الموضوعة التي لا أصل لها فذكرتها في فضائل علي ومناقبه وأقررتها فكان الحق والواجب على مثلك أن لا تذكر هذه الأبيات الموضوعة المكذوبة وأن لا تذكر في أحاديث المهدي إلا ما ذكره أهل الحديث الذين هم القدوة وبهم الأسوة وحسبك السير على منهاجهم فإنهم كانوا على الصراط المستقيم، والمنهج القويم، ومن عداهم من أهل الكلام، الذين فارقوا به أئمة أهل الإسلام فإنما يأخذون بمقاييس عقولهم وآرائهم، وقد تبعوا في ذلك أهواءهم قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا
[ ٢٧ ]
كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل.
واعلم يا أخي أبي ما كتبت لك إلا ما قاله المحققون من أهل العلم الذين هم أئمة هذا الشأن من سادات الحنابلة وأئمتهم الذين ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المطلين، ليتبين لك طريقة السلف الصالح والصدر الأول، فعض عليه بالنواجذ ولا يكن في صدرك حرج منه، فإنه الحق، وقد تركت أشياء مما ذكره المعترض في ورقته إما لسوء فهمه أو لعدم معرفته واطلاعه وأمورا ً أخر لم أرفع بها رأسا ولم أكتب لك إلا ما وقفت عليه مزبورًا في الشرح فاعلم ذلك وبالله التوفيق وبه الثقة والعصمة.
[ ٢٨ ]