"فصل"
إذا تبين لك ما قدمته لك من كلام علماءالمحققين وكان المقصود هو ظهور الحق وبيانه فهنا أشياء أخر يجب التنبيه عليها ولا ينبغي السكوت عنها. "منها" قولة في الصفحة الثمانية عشرة قول الشارح: فيجب على كل مكلف أن يعرف الله تعالى بصفات الكمال ويجزم بأنه سبحانه واحد لا يتجزأ ولا ينقسم، أحد، لا من عدد، فرد صمد، إلى آخره، فأقول وبالله التوفيق:
اعلم أن قول القائل: ويجزم بأنه ﷾ واحد لا يتجزأ ولا ينقسم، قول مبتدع مخترع لم يقله أحد من السلف رضوان الله عليهم وليس مذكورا في عقائد أهل السنة والجماعة بل هو من جنس ما يذكره أهل
[ ٢٨ ]
البدع من قولهم: ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم وليس له أعراض ولا أغراض ولا أبعاض إلى غير ذلك مما خالفوا به سلف الأمة وأئمتها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كتابه المسمى بالعقل والنقل الذي قال ابن القيم رحمه الله تعالى فيه:
واذكر كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثان
قال بعد كلام له: وكثير من أهل الكلام يقول: التوحيد له ثلاث معان وهو: واحد في ذاته لا قسيم له ولا جزء له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وهذا المعني الذي تتناوله هذه العبارة فيها ما جاء به الرسول ﷺ، وفيها ما يخالف ما جاء الرسول – فذكر كلاما حسنا إلى أن قال- فإنهم إذا قالوا: لا قسيم له ولا جزء له ولا شبيه له فهذا اللفظ وإن كان يراد به معنى صحيح فإن الله ليس كمثله شيء وهو سبحانه لا يجوز عليه أن يتفرق ولا يفسد ولا يستحيل بل هو أحد صمد، والصمد الذي لا جوف له، وهو السيد الذي كمل سؤدده، فإنهم يدرجون في هذه نفي علوه على خلقه ومباينته لمصنوعاته ونفي ما ينفونه من صفاته ويقولون إن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركبا منقسما وأن يكون له شبيه. وأهل العلم يعلمون أن مثل هذا لا يسمى في لغة العرب التي نزل بها القرآن تركيبا وانقساما ولا تمثيلا، وهكذا الكلام في مسمى الجسم والعرض والجوهر والتحيز وحلول الحوادث، وأمثال ذلك، فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورًا مما ووصفه به رسوله
[ ٢٩ ]
فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه ويقولون إن القرآن مخلوق لم يتكلم الله به، وينفون بها رؤيته لا رؤيته١ على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته، ولذلك يقولون: المتكلم إلا جسما متحيزًا والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلما، ويقولون لو كان فوق العرش لكان جسما متحيزًا والله سحا نه وتعالى ليس بجسم متحيز فلا يكون فوق العرش، وأمثال ذلك إلى آخر كلامه وهو في صفحة ثلاث وثلاثين ومائة.
والمقصود أن قول أهل البدع في الواحد أنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ قول مبتدع لم يقل به أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هو من كلام من ينتسب إلى أهل السنة والجماعة من المتكلمين وغيرهم.
وأما قول الشارح في الأحد أنه أحد لا من عدد، فهو كلام لا طائل تحته ولا يفيد شيئا من المعاني بل الذي ينبغي أن يقال ما قاله فيه شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه حيث قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فأدخل اللام في الصمد ولم يدخلها في أحد لأنه ليس في الموجودات ما يسمي أحدًا في الإثبات مفردًا غير مضاف بخلاف النفي وما في معناه كالشرط والاستفهام فإنه يقال هل عندك أحد إلا أكرمته وإنما استعمل
_________________
(١) ١كذا في أصل هذا الكتاب وفي العقل والنقل المطبوع، وهذا التعبير يقتضي إثبات رؤيته والكلام في نفيها والتعبير الصحيح هو: لأن الرؤية على اصطلاحهم الخ، فلعله حصل تحريف في النسخة المطبوعة فسرى إلى ما هنا
[ ٣٠ ]
في العدد المطلق وقال ١ أحد اثنان يقال أحد عشر وفي أول الأيام يقال يوم الأحد إلى أن قال: والمقصود هنا أن لفظ الأحد لم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله وحده، وإنما يستعمل في غير الله في النفي، قال أهل اللغة: تقول لا أحد في الدار، ولا تقل فيها أحد، ولهذا لم يجيء في القرآن إلا في غير الموجب كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، وكقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاء﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْه﴾ وفي الإضافة كقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم﴾ ﴿جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾، والله أعلم.
_________________
(١) ١ كذا في الأصل ولعله يقال.
[ ٣١ ]