فَإِن قيل وَلَعَلَّ نبوتهم تثبت من الْكتاب فِي قَوْله تَعَالَى حِين عدد الْأَنْبِيَاء ﵈ قَالَ ﴿وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط﴾
والأسباط إخْوَة يُوسُف واحدهم سبط
قُلْنَا لَيْسَ كَمَا قلت فَإِن الأسباط فِي بني يَعْقُوب كالقبائل فِي بني
[ ١٤١ ]
إِسْمَاعِيل واحدهم سبط وهم اثْنَا عشر سبطا لاثني عشر ولدا ليعقوب ﵈ وَإِنَّمَا سموا هَؤُلَاءِ أسباطا وَهَؤُلَاء قبائل ليفصل بَين ولد إِسْمَاعِيل وَولد يَعْقُوب تَسْمِيَة هَكَذَا نَص عَلَيْهِ أهل اللُّغَة
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا معنى دُخُولهمْ فِي الْعدَد مَعَ الْأَنْبِيَاء وَلَيْسوا بِأَنْبِيَاء
وَالْجَوَاب أَن الْقُرْآن مَقْصُود بالإيجاز الَّذِي هُوَ مخ البلاغة وَكَانَت النُّبُوَّة تترى فِي بني إِسْرَائِيل وَكَانَ أثلهم من أَوْلَاد يَعْقُوب وَهُوَ إِسْرَائِيل فَلَمَّا عدد الله تَعَالَى من كَانَ قبل من الْأَنْبِيَاء على التَّفْصِيل أوجز فَقَالَ والأسباط يَعْنِي أَنْبيَاء الأسباط على حذف الْمُضَاف وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه ثمَّ خصص بعد ذَلِك عظماءهم بِالذكر فَقَالَ ﴿وَعِيسَى وَأَيوب وَيُونُس وَهَارُون وَسليمَان وآتينا دَاوُد زبورا﴾ فَبَدَأَ بالتفصيل وَختم بالتفصيل فتضمن الطرفان الْوَاسِطَة وَصَحَّ التشريف لمن خصص بِالذكر فِي الْآحَاد
وَهَذَا التَّخْصِيص ينظر لقَوْله تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾ وهما من الْمَلَائِكَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ وهما من الْفَاكِهَة
وَكَذَلِكَ ذكر مُعظم الْأَصْنَاف الَّتِي كَانَت النُّبُوَّة تترى فيهم ثمَّ خصص عظماءهم بِالذكر تَشْرِيفًا لَهُم صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ومصداق هَذَا التَّفْسِير أَن ذكر الأسباط انما وضع تَسْمِيَة عوضا من الْقَبَائِل كَمَا تقدم فَلَو كَانُوا كلهم أَنْبيَاء كَمَا زعم الجهلة لَكَانَ كل من انتسل من
[ ١٤٢ ]
بني يَعْقُوب ﵇ نَبيا وَقد قَالَ تَعَالَى (وقطعناهم فِي الأَرْض أمما مِنْهُم الصالحون وَمِنْهُم دون ذَلِك) وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن ذريتهما محسن وظالم لنَفسِهِ مُبين﴾ وَقَالَ ﴿وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطا أمما﴾ فسماهم أسباطا وأمما وَلم يسمهم أَوْلَادًا وَلَا أَبنَاء
فَإِن قيل فقد جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (الْحُسَيْن سبط من الأسباط) فَمَعْنَاه أَنه يقوم فِي الْعِبَادَة وَالْقِيَام بِحَق الله تَعَالَى مقَام سبط كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله﴾ وَقَالَ ﷺ فِي قس (إِنِّي لأرجو أَن يحْشر أمة وَحده) هَكَذَا حَكَاهُ الْهَرَوِيّ فِي كتاب الغربيين
فَإِن قيل ولعلهم سموا أسباطا وهم أَوْلَاد تجوزا واتساعا كَمَا سمى النَّبِي ﷺ الْحُسَيْن سبطا حَيْثُ قَالَ (الْحُسَيْن سبط من الأسباط) وَهُوَ ولد
قُلْنَا هَذَا التَّجَوُّز إِنَّمَا صَحَّ فِي الْحُسَيْن ﵁ لسبق الْمعرفَة ببنوته من وَجه آخر فَلَو أخبر تَعَالَى أَن يهوذا سبط من الأسباط ثمَّ عدده فِي جملَة الْأَنْبِيَاء بِلَفْظ السبط لصحت نبوته وَهَذَا لم يَقع فَلَا حجَّة للخصم فِي هَذِه القولة وَلَو صَحَّ لما صحت نبوته إِلَّا بعد التَّوْبَة والإنابة وَاشْتِرَاط الْعِصْمَة فِي حَال الوهلات كَمَا زعم الْخصم
[ ١٤٣ ]
وَأما غير هَؤُلَاءِ من أهل النّظر فتوهموا نبوتهم من قَوْله تَعَالَى مخبرا عَن يَعْقُوب ﵇ حَيْثُ قَالَ ﴿وَيتم نعْمَته عَلَيْك وعَلى آل يَعْقُوب كَمَا أتمهَا على أَبَوَيْك من قبل إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق﴾
وَهُوَ لم يمت إِلَى قريب فِي اللِّسَان لِأَن الْآل أقرب فِي اللِّسَان للبنوة من الأسباط لَكِن الْآل تحْتَمل الْبَنِينَ وتحتمل التبع قَالَ تَعَالَى ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ أَي تبعه وَفِي السّنة (اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آله وأزواجه وَذريته) فَذكر الْآل ثمَّ ذكر الذُّرِّيَّة فَلَو كَانَ الْآل من الذُّرِّيَّة لم يَصح الْعَطف
فَإِن قيل وَلَعَلَّ ذكر الذُّرِّيَّة بعد ذكر الْآل تَخْصِيص التشريف كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل﴾
قُلْنَا إِذا بقيت لَعَلَّ فقد تطرق الِاحْتِمَال واطرد الْإِشْكَال والنبوة لَا تثبت بِالِاحْتِمَالِ وَيحْتَمل أَن يكون التَّمام على الْآل بِمَا دون النُّبُوَّة من الْولَايَة والصدقية وَإِذا دخلت هَذِه الِاحْتِمَالَات لم يَصح الْقطع على نبوتهم فِي هَذِه الْآيَة وَمَعَ تَسْلِيم هَذِه التقديرات جدلا فَلَا تصح نبوتهم عِنْد مواقعة الْأَفْعَال الَّتِي ذكر تَعَالَى عَنْهُم أصلا فَإِنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى أَن يجوز على أَنْبيَاء الله ﷿ كل مَا فَعَلُوهُ لصِحَّة التَّسَاوِي الَّذِي قدمْنَاهُ فَهَذَا رحمكم الله هُوَ الْحق الَّذِي يرغب فِيهِ وَلَا يرغب عَنهُ
وَبعد هَذَا التتبع فَلَا يبْقى لقَائِل مستروح إِلَى ثُبُوت بنوتهم إِلَّا من
[ ١٤٤ ]
هَذِه الْوُجُوه الْمُتَقَدّمَة وَهِي مظنونة وَلَا سَبِيل إِلَى الْقطع فِي وَاحِد مِنْهَا فَالله الله أَيهَا المسترشد المحتاط على دينه إِن لم تكن من أهل النّظر القويم على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فَمَا كل سَوْدَاء تَمْرَة وَلَا كل بَيْضَاء شحمة
واجتهد فِيمَن تَأْخُذ عَنهُ دينك وجنب الْجُهَّال مرّة وجنب وعاظنا ومريدينا فِي هَذَا الزَّمَان المنكوب المنكوس ألف ألف مرّة فَإِنَّهُم أضرّ على دينك من الأفاعي الصفر لَا سِيمَا فِي هَذَا العويلم المتهافت الدعي فِي الْإِرَادَة بالنوافج ومغالطة البله الأغمار من النِّسَاء وفحول النِّسَاء فَإِنَّهُم انتهكوا حُرْمَة الْأَنْبِيَاء ﵈ حَتَّى تشبهوا بهم وَرُبمَا أربوا عَلَيْهِم بادعاء الإلهية بالفيض وَالْإِشْرَاق الَّذِي ادَّعَتْهُ القرامطة حَتَّى يلقى أحدهم امْرَأَة أَو غُلَاما فَيَقُول لَهُ (رَأَيْت الله فِيك) إِلَى غير ذَلِك من أُمُور هِيَ أشنع وأبشع من أَن تذكر أَو تسخم بهَا الأوراق
وَالَّذِي ورط هَؤُلَاءِ الأرجاس فِي هَذِه الرذائل عدم الزاجر وَقلة الْغيرَة فِي الدّين فَانْظُر عَمَّن تَأْخُذ دينك وَكَيف تَأْخُذهُ وَقد نَصَحْتُك وَالسَّلَام
[ ١٤٥ ]
وَقد نجز التَّنْبِيه على التَّنْزِيه بمعونة الله تَعَالَى
ونسأل الله الَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة أَن يعْفُو عَنَّا فِيمَا وَقع فِيهِ من الْخَطَأ والخطل بمنه ولطفه والختم بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيم على الْأَنْبِيَاء عُمُوما وعَلى نَبينَا خُصُوصا وعَلى آله وآلهم وَسلم تَسْلِيمًا
[ ١٤٦ ]