قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ أمسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله﴾
ذكر بعض الْمُفَسّرين فِي أشبه الْأَقْوَال أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ تَقول﴾ تَنْبِيه من الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ على وَجه العتاب فِي قَوْله لزيد ﴿أمسك عَلَيْك زَوجك﴾ وَأَقُول إِنَّه تَنْبِيه لنَبيه ﷺ ليتهيأ لفهم الْخطاب من غير عتاب وَهُوَ الْأَظْهر وَالْأولَى
[ ٥٣ ]
وبذا تناصرت الْآيَات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِذْ ابتلى إِبْرَاهِيم ربه بِكَلِمَات﴾ وَقَوله ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآي
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿أنعم الله عَلَيْهِ﴾ فَفِي هَذَا الْخَبَر معْجزَة للرسول ﷺ وكرامة لزيد لَكِنَّهَا من أعز الكرامات وَأَشْرَفهَا
فَأَما المعجزة فَهِيَ من بَاب إخْبَاره ﷺ بالغيوب فَتَقَع كَمَا أخبر عَنْهَا وَذَلِكَ أَن الإنعام هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي أَن وهبه الله تَعَالَى إِيمَانًا لَا يُفَارِقهُ إِلَى الْمَمَات إِذْ لَو كَانَ فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى أَن يسلبه إِيَّاه عِنْد الْوَفَاة لم يسمه نعْمَة فَإِن ثَمَرَة الْإِيمَان إِنَّمَا تجتنى فِي الْآخِرَة وإيمان زائل لَا ثَمَرَة لَهُ فِي الْآخِرَة وَلَا يُسمى نعْمَة بل هُوَ نقمة كَإِيمَانِ بلعم بن باعورا وَغَيره من المخذولين المبدلين نَعُوذ بِاللَّه من بغتات سخطه
فَخرج من فحوى ذكر هَذِه النِّعْمَة أَن زيدا يَمُوت مُؤمنا فَكَانَ ذَلِك وَزِيَادَة أَنه مَاتَ أَمِيرا شَهِيدا مقدما بَين الصفين فِي يَوْم مُؤْتَة كَانَ قد قدمه رَسُول الله ﷺ على الْجَيْش فِي حَدِيث يطول ذكره ثمَّ قتل شَهِيدا فَنزل الْوَحْي على رَسُول الله ﷺ فَصَعدَ الْمِنْبَر
[ ٥٤ ]
فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ (أَخذ الرَّايَة زيد فأصيب) إِلَى قَوْله لقد رفعوا لي فِي الْجنَّة على أسرة من ذهب الحَدِيث
فَهَذِهِ معْجزَة صحت لَهُ ﷺ من بَاب الْإِخْبَار بالغيوب فَوَقَعت بِمحضر الأشهاد كَمَا أخبر عَنْهَا وكما وَقع نقيضها فِي قصَّة أبي لَهب حَيْثُ أخبرهُ ربه فِي قُرْآن يُتْلَى أَنه من أهل النَّار وَمَات كَافِرًا فَكَانَ ذَلِك
وَأما كَرَامَة زيد فبإعلام الله لَهُ فِي ضمن الْآيَة بسلامة الْعَاقِبَة كَمَا ذَكرْنَاهُ
وَأما تصور العتاب إِن صَحَّ فِي قَوْله ﴿أمسك عَلَيْك زَوجك﴾ فقد يَقع من بَاب ترك الأولى من الْمُبَاحَات كَمَا تقدم وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أمره بزواجها أَو أخبرهُ بِهِ حَيْثُ قَالَ لَهُ فِي آخر الْآيَة ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك الْأَمر عِنْد فراغنا من شرح الْآيَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما سَبَب قَوْله لَهُ أمْسكهَا فَهُوَ أَن زيدا جَاءَهُ يتشكى لَهُ بهَا فَقَالَ يَا رَسُول الله زَيْنَب تسبني وتستعلي عَليّ وتعيرني وتفخر عَليّ بِشَرَفِهَا إِلَى غير ذَلِك وَأُرِيد أَن أطلقها
فقد رُبمَا كَانَ الأولى أَن يَقُول لَهُ ﷺ مثلا أَنْت وشأنك أَو مَا يقرب من هَذَا من الْأَقْوَال أَو يسكت عَنهُ فَلَا يَأْمُرهُ وَلَا ينهاه لكَونه ﷺ قد أمره الله تَعَالَى بتزويجها أَو أخبر بذلك فَقَالَ لَهُ أمْسكهَا وَالْأَظْهَر أَنه قصد ﵇ بِهَذِهِ القولة خوف القالة من السُّفَهَاء أَن يَقُولُوا
[ ٥٥ ]
مَا قَالُوهُ فيهلكوا بأذيته فَتَصِح عَلَيْهِم اللَّعْنَة فِي الدَّاريْنِ وَالْعَذَاب الْأَلِيم بِدَلِيل الْكتاب قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾
وَأَيْضًا أَنه لما سمع أَن الله تَعَالَى عَاتب دَاوُود ﷺ فِي قَوْله ﴿أكفلنيها﴾ قَالَ هُوَ أمْسكهَا وَسقط العتاب
وَأما قَوْله ﴿وَاتَّقِ الله﴾ يَعْنِي فِي ذكرهَا بالقبح لغيبها فِي قَوْله تَقول لي كَذَا وَتفعل بِي كَذَا وَهِي غَائِبَة فَنَهَاهُ عَن الْغَيْبَة الْمنْهِي عَنْهَا شرعا بِدَلِيل أَن قَول زيد أطلقها كَلَام مُبَاح لَيْسَ فِيهِ حظر وَلَا كَرَاهَة فِي الشَّرْع
وَأما قَول الله ﷿ لنَبيه ﷺ ﴿وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه﴾ يَعْنِي من تَزْوِيجهَا الَّذِي أَمرتك بِهِ أَو أعلمتك بِهِ
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وتخشى النَّاس﴾ أَي تخشى من قَول النَّاس على حذف حرف الْجَرّ كَأَنَّهُ يَقُول تخشى من النَّاس أَن يَقُولُوا فِيك فيأثموا ويهلكوا وَالله أَحَق أَن تخشاه
أَي تخشى مِنْهُ على النَّاس وَلِلنَّاسِ حَتَّى يَقع مرادي فِيك وَفِي النَّاس إِذْ لَيْسَ احتياطك يُغني عَنْهُم من الله شَيْئا فَلَا عَلَيْك مِمَّن قَالَ وَلَا مِمَّن أَثم فَأَنا أعلم بِمَا يَقُولُونَ وَبِمَا أجازيهم كَمَا قَالَ تَعَالَى لَهُ لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء و(لَيْسَ عَلَيْك هدَاهُم) و﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ إِلَى غير ذَلِك
[ ٥٦ ]
وَأما أَن يكون الرَّسُول ﷺ يخْشَى النَّاس من غير مُرَاعَاة لهَذَا الْقدر وَمَا أشبهه فحاشا وكلا وَكَيف وَقد قَالَ تَعَالَى بعد هَذِه الْآيَة ﴿الَّذين يبلغون رسالات الله ويخشونه وَلَا يَخْشونَ أحدا إِلَّا الله﴾ فقد زكى الله تَعَالَى أنبياؤه بإنهم أفردوه بالخشية فَلَو كَانَ الرَّسُول ﷺ يخْشَى النَّاس لأجل النَّاس لتناقض الْخَبَر والتناقض فِي خبر الله وَرَسُوله محَال
وَأما مَا خَافَ أَن يَقُوله النَّاس فيهلكوا فَهُوَ على خَمْسَة أوجه
أَحدهَا مَا جرت بِهِ عادات الجهلة المتكبرين على الموَالِي فَيَقُولُونَ كَيفَ يسوغ لَهُ أَن يعمد إِلَى كَرِيمَة من كرائمه وَأقرب النَّاس إِلَيْهِ نسبا فيزوجها لعَبْدِهِ
وَالثَّانِي وَهُوَ أَشد عَلَيْهِم فِي الْإِنْكَار أَن يَقُولُوا كَيفَ رَضِي أَن يَتَزَوَّجهَا بعد عَبده
الثَّالِث أَن يَقُولُوا إِنَّمَا حمله على ذَلِك حبه لَهَا وشغفه بهَا
الرَّابِع قلَّة المراعاة لأمر الله وَعدم التَّسْلِيم لحكمه إِذْ لَو كَانُوا يذعنون لأحكام الله تَعَالَى ويسلمون لَهُ لم ينكروا شَيْئا مِمَّا فعله نَبِيّهم ﷺ
الْخَامِس وَهُوَ أصل لكل رذيلة وَهُوَ مُرَاعَاة التحسين والتقبيح وردهما إِلَى الْعُقُول القاصرة وَمَا جرت بِهِ الْعَادَات وَهُوَ دَاء عضال نغلت بِهِ قُلُوب الجهلة الضَّالّين ففندوا حكم الله تَعَالَى واعترضوا لفعاله فِي خلقه
[ ٥٧ ]
وَكَانَ أول من سنّ هَذِه الداهية الدهياء إِبْلِيس حَيْثُ قَالَ ﴿أأسجد لمن خلقت طينا﴾ و﴿قَالَ لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون﴾ و﴿أَنا خير مِنْهُ﴾ و﴿أرأيتك هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ﴾ إِلَى غير ذَلِك من أَقْوَاله السخيفة فَانْظُر رَحِمك الله إِلَى أهل هَذِه الْمذَاهب الخسيسة بِمن اقتدوا فِيهَا وعَلى من عولوا فِي اقتدائهم قَاتلهم الله أَنى يؤفكون
وَمِمَّا قيل فِي معنى قَوْله ﴿وتخشى النَّاس﴾ أَنه يخْشَى النَّاس أَن يَقُولُوا كَيفَ يحرم علينا أَزوَاج الْبَنِينَ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يتَزَوَّج زوج ابْنه فلأجل هَذِه الْأَقْوَال كَانَت خَشيته ﷺ على النَّاس إِذْ لَيْسَ مِنْهَا وَاحِدَة إِلَّا وَهِي تحمل إِلَى سِجِّين فَإِنَّهَا كلهَا مُعَارضَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾
وَقَوله تَعَالَى حَيْثُ أقسم بِذَاتِهِ المعظمة فَقَالَ ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾
فَمن أجل هَذِه الْآي وأمثالها خشِي رَسُول الله ﷺ
[ ٥٨ ]
أَن يَقع فِيهِ النَّاس وَقد وَقَعُوا فِيمَا ذَكرْنَاهُ وَفِيمَا هُوَ أَشد مِنْهُ
قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ الوطر هُنَا النِّكَاح
وَاعْلَم رَحِمك الله أَن فِي هَذِه الْآيَة فَوَائِد جمة مِنْهَا أَن الله تَعَالَى جعل فِيهَا لزيد صيتًا وشرفا خصّه بِهِ عَن جملَة الصَّحَابَة ﵃ وَذَلِكَ أَنه لم يذكر فِي الْكتاب مِنْهُم أحدا باسمه الْعلم إِلَّا زيدا وَسبب ذَلِك وَالله أعلم أَن النَّبِي ﷺ كَانَ قد تبناه قبل ذَلِك فَكَانَ يدعى بِابْن رَسُول الله حَتَّى نزل عَلَيْهِ ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أقسط عِنْد الله﴾
فَسُمي بعد ذَلِك زيد بن حَارِثَة فَعوضهُ الله تَعَالَى بِأَن سَمَّاهُ فِي كِتَابه باسمه الْعلم
وَهَذِه القولة لَيست لي وَلَا يبلغ نَظَرِي إِلَى هَذَا الْقدر وَإِنَّمَا ذكرهَا الإِمَام أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي بعض تواليفه وَلَا أعلم هَل هِيَ لَهُ أَو لغيره وَلِأَن من غاص عَلَيْهَا لغواص من بَاب الْإِشَارَة
وَقد يحْتَمل أَن تخرج من بَاب الْفِقْه وَهُوَ أَن يكون تَسْمِيَة زيد بالعلمية ليتبين فِي الْآيَة ثُبُوت هَذَا الحكم ووقوعه فِي أَبنَاء التبني إِذْ لَو قَالَ تَعَالَى فَلَمَّا قضى بَعْلهَا لم يعلم من البعل من مُقْتَضى الْآيَة
وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى سنّ لرَسُوله ﷺ هَذِه السّنة على
[ ٥٩ ]
رغم أنف المتكبرين فَمن لَام بعد هَذِه السّنة أحدا فِي أَن يُزَوّج مثلا بنته لعَبْدِهِ أَو يتَزَوَّج امْرَأَة عَبده من بعده فليفغر فوه بفهر يكسر قواضمه وخواضمه ويطرح فِي أمه الهاوية إِذْ لَيْسَ بعد رَسُول الله ﷺ شَارِع وَلَا فَوق شرفه شرف
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى لرَسُوله ﷺ ﴿زَوَّجْنَاكهَا﴾
فأضاف تَعَالَى تَزْوِيجهَا لنَبيه إِلَى نَفسه وَمَا أضَاف الله تَعَالَى لنَفسِهِ شَيْئا إِلَّا وَشرف ذَلِك الشَّيْء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿روحي﴾ و﴿بَيْتِي﴾ و﴿جنتي﴾ و﴿عَذَابي﴾ و﴿نَاقَة الله﴾ و﴿نَار الله﴾ وَالْكل مَخْلُوق ومربوب وَلَكِن الله اخْتصَّ بالشرف الإضافي هَذِه الْمَخْلُوقَات
وَفِي هَذَا التَّزْوِيج شرف لرَسُول الله ﷺ من كَون تَزْوِيج النَّاس أجمع من عِنْدهم وباختيارهم واجتهادهم وَهَذَا التَّزْوِيج بِأَمْر الله على الْخُصُوص واختياره وإكرامه لنَبيه ﷺ
وَمِنْهَا تشريف لِزَيْنَب زوجه وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى مَا اخْتَارَهَا لنَبيه ﷺ حَتَّى علم حصانتها ودينها وورعها وَحفظ أدبها لمراعاة خلْطَة سيد الْمُرْسلين وَلها أَيْضا على سَائِر نِسَائِهِ فِي هَذَا التَّزْوِيج مزية وَإِن كن كُلهنَّ
[ ٦٠ ]
مطهرات محفوظات وَقد ذكرت هِيَ ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَت لَهُ يَا رَسُول الله أما إِنِّي لأدل عَلَيْك بِثَلَاث لَا يدل بهَا عَلَيْك وَاحِدَة من نِسَائِك
فَقَالَ وَمَا هِيَ
فَقَالَت إِحْدَاهَا أَنِّي أقرب إِلَيْك نسبا من جَمِيع نِسَائِك لِأَن جدي وَجدك وَاحِد
وَالثَّانيَِة أَن الله تَعَالَى زَوجنِي إياك
وَالثَّالِثَة أَن كَانَ السفير بيني وَبَيْنك جِبْرِيل ﵇
فيا لَهَا من حرَّة فَلَقَد فخرت وصدقت مَعَ أَنَّهَا أغفلت رَابِعا يُؤَكد ثُبُوت هَذِه الثَّلَاثَة وَهُوَ كَون قصَّتهَا مسطرة فِي قُرْآن يُتْلَى إِلَى الْأَبَد
إِذْ لَو كَانَت من خبر الْوَاحِد لاختلجتها الظنون
ثمَّ قَالَ تَعَالَى لكيلا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم إِذا قضوا مِنْهُنَّ وطرا وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا
علل الله ﷿ هَذَا التَّزْوِيج ليعلم النَّاس أَن من تبنى أحدا ثمَّ تزوج امْرَأَته من بعده فَلَا حرج عَلَيْهِ فَإِن من تبناه لَيْسَ كابنه الَّذِي لصلبه
قَالَ تَعَالَى فِي تَحْرِيم أَزوَاج الْأَبْنَاء للصلب ﴿وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا جعل أدعياءكم أبناءكم﴾ فَرفع الْحَرج بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي التبني ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾
[ ٦١ ]
الْأَمر هُنَا يحْتَمل الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَإِن كَانَ الله أمره بتزويجها فَيكون وَكَأن الْمَأْمُور بِهِ مَفْعُولا أَي وَاقعا فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى وَيُسمى الْمَأْمُور بِهِ أَمر الْمُنَاسبَة بَين الْأَمر والمأمور فَإِن الْأَمر من الله تَعَالَى يَسْتَحِيل أَن يكون مَفْعُولا لكَونه يرجع لكَلَامه الأزلي وَإِن كَانَ أَمر بِمَعْنى المُرَاد على سَبِيل الْمجَاز فَيكون وَكَأن مَا أخْبرك الله تَعَالَى بِهِ من المُرَاد وَاقعا إِذْ مَا أَرَادَ الله تَعَالَى وُقُوعه فَلَا بُد من وُقُوعه فَتَأمل رَحِمك الله هَذِه الْقِصَّة العجيبة فَإِنَّهَا تَتَضَمَّن خمس عشرَة فَائِدَة مِنْهَا فِي جَانب الرَّسُول ﷺ سِتَّة
إِحْدَاهمَا المعجزة فِي إخْبَاره بالغيوب فَوَقَعت كَمَا أخبر عَنْهَا
الثَّانِيَة تواضعه ﷺ أَن زوج كريمته بِعَبْدِهِ
الثَّالِثَة انقياده لأمر الله فِي تَزْوِيجهَا بِعَبْدِهِ
الرَّابِعَة إِثْبَات هَذَا التَّزْوِيج سنة
الْخَامِسَة قمع المتكبرين وإرغام أنوفهم فِي هَذِه السّنة
السَّادِسَة فِي الرَّد على من قَالَ بتحسين الْعقل وتقبيحه
وَالَّتِي من جَانب زيد أَربع
إِحْدَاهَا بِشَارَة رَسُول الله ﷺ لَهُ بسلامة عاقبته
الثَّانِيَة مَوته شَهِيدا بَين الصفين
الثَّالِثَة مَا أخبر عَنهُ ﷺ أَنه فِي الْجنَّة
الرَّابِعَة تَسْمِيَته فِي الْكتاب بالعلمية على الْخُصُوص
وَالَّتِي فِي حق زَيْنَب ﵂ خمس
[ ٦٢ ]
إِحْدَاهَا أَن الله تَعَالَى رضيها لنَبيه ﷺ أَهلا
الثَّانِيَة أَن صيرها أم الْمُؤمنِينَ
الثَّالِثَة أَن كَانَ خطيبها جِبْرِيل ﵇
الرَّابِعَة أَن كَانَ وَليهَا رب الْعَالمين
الْخَامِسَة أَن كَانَت قصَّتهَا قُرْآنًا يُتْلَى
فَهَذِهِ خمس عشر فَائِدَة صحت فِي هَذِه الْقِصَّة شَامِلَة لرَسُول الله ﷺ ولأمته سوى مَا أغفله الخاطر
والجهلة يخبطون عشواء الدجون
فَهَذَا مَا من الله تَعَالَى بِهِ من ثَمَرَات النّظر فِي هَذِه الْقَصَص الْأَرْبَع فِي حق السَّادة القادة صلوَات الله عَلَيْهِم
ونسأل الله تَعَالَى مَعَ هَذَا التحفظ على مناصبهم السّنيَّة ومناقبهم الرضية الْعَفو عَمَّا وَقع فِيهَا من الْخَطَأ والخطل بحوله وَطوله
[ ٦٣ ]