النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير وإنما يُسْتَخرج به من البخيل» [البخاري٦٦٩٣، ٦٦٩٤، مسلم٢٦٣٩] فإذا كان نذر الطاعات المعلقة بشرط لا فائدة فيه، ولا يأتي بخير، فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع؟.
أسباب إجابة الدعاء عند القبور وغيرها: وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه، وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة في حق الداعي.
فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيُسْقَوْن، ويُنصرون ويُعانون، ويُرزقون، مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها. وقد قال الله تعالى: ﴿كُلًاّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، ليس هذا موضع تفصيلها. وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة.
[ ١٨٠ ]
النوع الثاني من الأمكنة: ما له خصيصة لكن لا يقتضي اتخاذه عيدًا، ولا الصلاة ونحوها من العبادات عنده: فمن هذه الأمكنة: قبور الأنبياء والصالحين، وقد جاء عن النبي - ﷺ -، والسلف، النهي عن اتخاذها عيدًا، عموما وخصوصًا. وبينوا معنى العيد.
فأما العموم: فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». [أبو داود٢٠٤٢وصححه الألباني]
ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله - ﷺ - أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم إنه قَرَن ذلك بقوله - ﷺ -: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا» أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم. ثم إنه - ﷺ - أعقب النهي عن اتخاذه عيدًا بقوله: «صَلُّوا علي فإن صلاتَكم تبلغُني حيثما كنتم» يشير بذلك - ﷺ - إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة
[ ١٨١ ]
بكم إلى اتخاذه عيدًا.
والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه كثيرة. مثل ما روى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» - ﷺ -. وهذا الحديث على شرط مسلم. [أبو داود٢٠٤١وحسنه الألباني] ومثل ما روى أبو داود أيضًا عن أوس بن أوس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي»، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمْتَ؟ فقال: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء». [أبو داود١٠٤٧وصححه الألباني] [أرم أي صار رميمًا، أي عظمًا باليًا]
وفي النسائي وغيرِه عنه - ﷺ - أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يُبَلَّغوني عن أمتي السلام» [النسائي١٢٨١وصححه الألباني] إلى أحاديث أُخَر في هذا الباب متعددة.
والعيد إذا جعل اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وانتيابه (١) للعبادة عنده، أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام
_________________
(١) (*) انتيابه: إتيانه مرة بعد مرة.
[ ١٨٢ ]
ومنى ومزدلفة وعرفة، جعلها الله عيدًا، مثابة للناس، يجتمعون فيها، وينتابونها، للدعاء والذكر والنسك، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها. فلما جاء الإسلام محى الله ذلك كله.
وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي يجوز أن تكون قبورًا لهم، بتقدير كونها قبورًا لهم. بل وسائر القبور أيضًا داخلة في هذا. فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة، إذ هو بيت المسلم الميت، فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يُوطُأ ولا يُداس، ولا يُتَّكَأ عليه عندنا، وعند جمهور العلماء، ولا يجاور بما يؤذي الأموات، من الأقوال والأفعال الخبيثة، ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه، والدعاء له، وكلما كان الميت أفضل، كان حقه أوكد.
قال بريدة بن الحصيب ﵁: «كان رسول الله - ﷺ - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، أن يقول قائلهم: السلام على أهل الديار وفي لفظ: السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية» [مسلم٩٧٥]
وروى أيضًا عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم
[ ١٨٣ ]
لاحقون». [مسلم٢٤٩] وروى أيضًا عن عائشة - ﵄ - في حديث طويل عن النبي - ﷺ - قال: «إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم» قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». [مسلم٩٧٤]
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسْأل» [أبو داود٣٢٢١وصححه الألباني] وقد روي حديث صححه ابن عبد البر أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد ﵇». [ضعفه الألباني]
فهذا ونحوه مما كان النبي - ﷺ - يفعله، ويأمر به أمته عند قبور المسلمين، عقب الدفن، وعند زيارتهم، والمرور بهم، إنما هو تحية للميت، كما يُحَيَّى الحيُّ، ودعاء له كما يُدعَى له، إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعده، وفي ضمن الدعاء للميت، دعاء الحي لنفسه،
[ ١٨٤ ]
ولسائر المسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلي، ولسائر المسلمين، وتخصيص الميت بالدعاء له، فهذا كله، وما كان مثله، من سنة رسول الله - ﷺ -، وما كان عليه السابقون الأولون، هو المشروع للمسلمين في ذلك. وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي - ﷺ -، وغيره.
وروى ابن بطة في الإبانة، بإسناد صحيح، عن معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون، قال: سأل رجل نافعًا فقال: هل كان ابن عمر يسلم على القبر، فقال: نعم، لقد رأيتُه مائة أو أكثر من مائة مرة، كان يأتي القبر، فيقوم عنده فيقول: «السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبِي» وفي رواية أخرى، ذكرها الإمام أحمد محتجًا بها: «ثم ينصرف».
وزيارة القبور جائزة في الجملة، حتى قبور الكفار، فإن في صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «زار النبي - ﷺ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت». [مسلم٩٧٦]
وفي صحيح مسلم عن بريدة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «نهيتكم
[ ١٨٥ ]
عن زيارة القبور فزوروها». [مسلم٩٧٧] فقد أذن النبي - ﷺ - في زيارتها بعد النهي، وعلل ذلك بأنها تذكر الموت، وأذن إذنًا عامًا، في زيارة قبر المسلم والكافر.
والسبب الذي ورد عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر، والعلة - وهي تذكر الموت والآخرة - موجودة في ذلك كله. وقد كان - ﷺ - يأتي قبور أهل البقيع والشهداء للدعاء لهم والاستغفار، فهذا المعنى يختص بالمسلمين دون الكافرين. فهذه الزيارة - وهي زيارة القبور، لتذكر الآخرة، أو لتحيتهم والدعاء لهم - هو الذي جاءت به السنة، كما تقدم.