جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:١٨]
وقال تعالى عن صاحب يس: ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٢ - ٢٥]
أقوال الناس في الشفاعة: وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان، ووسط.
فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب، كالنصارى، ومبتدعة هذه الأمة: أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن.
والخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبينا - ﷺ - في أهل الكبائر من أمته. بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه.
وأنكروه الشفاعة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا
[ ٢٦٧ ]
رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] ونحو ذلك.
وأما سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي - ﷺ -، من شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين والملائكة.
وقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة عنه، بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء. كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة، وما كان في معنى الصوم. وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأل، ولا تنفع الشفاعة إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]
وقد ثبت في الصحيح، أن سيد الشفعاء - ﷺ - إذا طلبت الشفاعة
[ ٢٦٨ ]
منه بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فيردونها إلى محمد - ﷺ -، العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- قال: «فأذهبُ إلى ربي، فإذا رأيتُه خررتُ له ساجدًا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها عليّ، لا أُحسنُها الآن فيقول لي: أي محمد، ارفع رأسك، وقل يُسمَع وسَلْ تعطَهْ، واشفع تُشفع، قال: فأقول: رب أمتي أمتي، فيحدّ لي حدًا فأدخلهم الجنة» [البخاري٧٤١٠، مسلم١٩٣]
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧] قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل الله هذه الآية، وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤلين يتقربون إلى الله ويردون رحمته، ويخافون عذابه. وقد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة - ﵁ - قال: يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال: «يا أبا هريرة، لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أَوْلى منك،
[ ٢٦٩ ]
لما رأيتُه من حرصِك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة. من قال لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله» [البخاري٩٩]
فكلما كان الرجل أتم إخلاصا لله، كان أحق بالشفاعة، وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين، يرجوه ويخافه، فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة. فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له، بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، وإما لخوفه منه، فيحتاج إلى أن يقبل شفاعته. والله تعالى غنِيّ عن العالمين وهو وحده سبحانه يدير العالمين كلهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع في الشفاعة. وهو يقبل شفاعته، كما يلهم الداعي الدعاء، ثم يجيب دعاءه فالأمر كله له.
فإذا كان العبد يرجو شفيعًا من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته.
وأفضل الخلق: محمد - ﷺ -، ثم إبراهيم صلى الله عليهما وسلم. وقد امتنع النبي - ﷺ -، أن يستغفر لعمه أبي طالب، بعد أن قال: «
[ ٢٧٠ ]
لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك» [البخاري٣٨٨٣، مسلم٢٤] وقد صلى على المنافقين ودعا لهم فقيل له: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] وقيل له أولًا: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ فقال: «لو أعلم أني لو زدتُ على السبعين يغفر لهم لزدت» فأنزل الله: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (المنافقون:٦) [البخاري١٣٦٦]
ولما استغفر إبراهيم - ﵇ - لأبيه، بعد وعده بقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١] قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤] والله سبحانه له حقوق لا يشركه فيها غيره، وللرسل حقوق
[ ٢٧١ ]
لا يشركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين بعضهم على بعض حقوق مشتركة.
ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: كنت ردف النبي - ﷺ - فقال لي: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده»؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقه عليهم: أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا، يا معاذ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم» [البخاري٢٨٥٦، مسلم٣٠]
فالله تعالى مستحق أن نعبده ولا نشرك به شيئا. وهذا أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب. قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]
ويدخل في ذلك: أن لا نخاف إلا إياه، ولا نتقي إلا إياه، كما
[ ٢٧٢ ]
قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده، وكذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]
فجعل الإيتاء لله وللرسول، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:٧] فالحلال ما حلله الرسول، والحرام ما حرمه الرسول، والدين ما شرعه الرسول.
وجعل التحسب بالله وحده، فقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ﴾ ولم يقل ورسوله. كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي حسبك وحسب من اتبعك: الله، فهو وحده كافيكم ومن ظن أن معناها: حسبك الله والمؤمنون، فقد غلط غلطًا عظيمًا من وجوه كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع.
[ ٢٧٣ ]
ثم قال: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩] فجعل الفضل لله، وذكر الرسول في الإيتاء، لأنه لا يباح إلا ما أباحه الرسول، فليس لأحد أن يأخذ ما تيسر له إن لم يكن مباحا في الشريعة. ثم قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩] فجعل الرغبة إلى الله وحده، دون ما سواه.
كما قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح:٧، ٨] فأمر بالرغبة إليه. ولم يأمر الله قط مخلوقًا أن يسأل مخلوقًا، وإن كان قد أباح في موضع من المواضع ذلك، لكنه لم يأمر به، بل الأفضل للعبد أن لا يسأل قط إلا الله.
كما ثبت في الصحيح في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» [البخاري٥٧٠٥، مسلم٢١٨] فجعل من صفاتهم أنهم لا يسترقون: أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم.
وقد قال - ﷺ - لابن عباس - ﵁ -: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله» [الترمذي٢٦٤٨وصححه الألباني] فهو الذي يُتَوكل عليه، ويُستعان به، ويُستغاث به، ويُخاف ويُرجى،
[ ٢٧٤ ]
ويُعبد، وتنيب القلوب إليه، لا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ منه إلا إليه، والقرآن كله يحقق هذا الأصل.
والرسول - ﷺ - يُطاع ويُحَب ويُرضى، ويُسلَّم إليه حكمه ويُعزَّر (١) ويُوَقَّر ويُتَّبَع، ويُؤمَن به وبما جاء به، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء:٦٤] وقال تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]
وفي الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله. ومن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» [البخاري١٦، مسلم٤٣] وقال - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده
_________________
(١) (*) التعزير: التعظيم والتوقير، وقيل: النصرة، وقيل: القتال معه بالسيف. والتوقير: الاحترام والإجلال والإعظام.
[ ٢٧٥ ]
ووالده والناس أجمعين». [البخاري١٤، مسلم٦٩] وقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، قال: فلَأَنت أحب إلي من نفسي. قال: «الآن يا عمر». [البخاري٦٦٣٢]
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهَ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي الرسول خاصة ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨، ٩] أي تسبحوا الله تعالى. فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، والتسبيح لله وحده.
وقد بعث الله محمدًا - ﷺ - بتحقيق التوحيد وتجريده ونفْي الشرك بكل وجه، حتى في الألفاظ. كقوله - ﷺ -: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» [أبو داود٤٩٨٠وصححه الألباني] وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: «أجعَلْتَني لله عَدْلًا؟ بل ما شاء الله وحده» [المسند٢٥٦١وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح]
[ ٢٧٦ ]
والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] فالصلاة لله وحده، والصدقة لله وحده، والصيام لله وحده، والحج لله وحده، وإلى بيت الله وحده.
وقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] وكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.
وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] قال: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا عليّ، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة.