ما يحدثه بعض الناس - إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى - ﵇ -، وإما محبة للنبي - ﷺ -، وتعظيمًا. والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع - من اتخاذ مولد النبي - ﷺ - عيدًا. مع اختلاف الناس في مولده. فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي
[ ١٥١ ]
له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا لكان السلف - ﵃ - أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بُعِث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.
وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حراصًا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حسن القصد، والاجتهاد الذي يرجى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول - ﷺ -، عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلّي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة. وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها.
واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير، لاشتماله على أنواع من
[ ١٥٢ ]
المشروع، وفيه أيضًا شر، من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل خيرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من أنواع المشروع وشرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين. وهذا قد ابتلى به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة.
فعليك هنا بأدبين: أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنًا وظاهرًا، في خاصتك وخاصة من يطيعك. وأعرف المعروف وأَنْكِر المنكر.
الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة من الخير، فعوِّض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله أو إلى خير منه.
النوع الثالث من الأعياد الزمانية: ما هو معظَّم في الشريعة، كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومَي العيدين، والعشر الأواخر من شهر رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، وليلة الجمعة
[ ١٥٣ ]
ويومها، والعشر الأول من المحرم، ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة. فهذا الضَّرب قد يحدث فيه ما يُعتقَد أن له فضيلة، وتوابع ذلك ما يصير منكرًا يُنهى عنه: مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء (١)، في يوم عاشوراء، من التعطش، والتحَزّن والتجمع، وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله - ﷺ -، ولا أحد من السلف، لا من أهل بيت رسول الله - ﷺ -، ولا من غيرهم، لكن لما أكرم الله فيه سبط نبيه، أحد سيدي شباب أهل الجنة، وطائفة من أهل بيته، بأيدي الفجرة الذين أهانهم الله، وكانت هذه مصيبة عند المسلمين، يجب أن تُتَلقَّى بما يُتَلقَّى به المصائب، من الاسترجاع المشروع، فأحدث بعض أهل البدع، في مثل هذا اليوم خلاف ما أمر الله به عند المصائب، وضموا إلى ذلك من الكذب والوقيعة في الصحابة، البُرَآء من فتنة الحسين - ﵁ -، وغيرها، أمورًا أخرى، مما يكرهها الله ورسوله. وأما اتخاذ أمثال أيام المصائب مآتم فهذا ليس في دين المسلمين، بل هو إلى دين الجاهلية أقرب.
ثم فَوّتُوا بذلك ما في صوم هذا اليوم من الفضل، وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة، لا أصل لها، مثل:
_________________
(١) (*) الشيعة.
[ ١٥٤ ]
فضل الاغتسال فيه، أو التكحل، أو المصافحة وهذه الأشياء ونحوها، من الأمور المبتدعة، كلها مكروهة. وإنما المستحب صومه.
وقد رُوي في التوسيع على العيال في آثار معروفة، أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قال: «بلَغَنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنَتِه» رواه عنه ابن عيينة. وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله. والأشبه أن هذا وُضِعَ لما ظهرت العصبية بين الناصبة، والرافضة، فإن هؤلاء اتخذوا يوم عاشوراء مأتمًا، فوضع أولئك فيه آثارًا تقتضي التوسع فيه، واتخاذه عيدًا، وكلاهما باطل. وهؤلاء فيهم بدع وضلال، وأولئك فيهم بدع وضلال وإن كانت الشيعة أكثر كذبًا وأسوأ حالًا.
لكن لا يجوز لأحد أن يغير شيئًا من الشريعة لأجل أحد، وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء، وتوسيع النفقات فيه، هو من البدع المحدثة المقابلة للرافضة. وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه من الاغتسال، والاكتحال وغير ذلك. وليس فيها ما يصح. وقد يكون سبب الغلو في تعظيمه من بعض المنتسبة لمقابلة الروافض، فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق
[ ١٥٥ ]
عن الصراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا. فينبغي أن يجتنب جميع هذه المحدثات.
ما أحدثه بعض الناس من البدع في شهر رجب:
ومن هذا الباب: شهر رجب - فإنه أحد الأشهر الحرم - واتخاذه موسمًا بحيث يفرد بالصوم، مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة - ﵃ -. وروى ابن ماجةأن النبي - ﷺ - «نهى عن صوم رجب». وليس بالقوي. [ابن ماجه١٧٤٣وقال الألباني: ضعيف جدًا] وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله؟ أو أن لا يقرن به شهرًا آخر؟ فيه للأصحاب وجهان.