قد تقدم أن العيد يكون اسمًا لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس الاجتماع.
وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء.
أما الزمان فثلاثة أنواع: ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال.
النوع الأول من الأعياد الزمانية: يوم لم تعظمه الشريعة أصلًا، ولم يكن له ذكر في السلف، ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه: مثل أول خميس من رجب، وليلة تلك الجمعة، المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب. والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم، النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم، وعن هذه الصلاة المحدثة، وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة الأطعمة، وإظهار الزينة، ونحو ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من الأيام، وحتى لا يكون له مزية أصلًا. وكذلك يوم آخر في وسط رجب، يصلى فيه صلاة تسمى صلاة أم داود، فإن تعظيم هذا اليوم لا أصل له في الشريعة أصلًا.
[ ١٤٩ ]
النوع الثاني من الأعياد الزمانية: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك جعله موسمًا، ولا كان السلف يعظمونه، كثامن عشر ذي الحجة الذي خطب النبي - ﷺ - فيه بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، فإنه - ﷺ - خطب فيه خطبة وصَّى فيها باتباع كتاب الله، ووصى فيها بأهل بيته كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم - ﵁ -. [مسلم٢٤٠٨] فزاد بعض أهل الأهواء (١) في ذلك حتى زعموا أنه عهد إلى علي - ﵁ - بالخلافة بالنص الجَلِيّ، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلامًا وعملًا قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة - ﵃ - تمالؤوا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسقوا وكفروا، إلا نفرًا قليلًا. والعادة التي جبل الله عليها بني آدم، ثم ما كان القوم عليه من الأمانة والديانة، وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا ممتنع كتمانه.
وليس الغرض الكلام في مسألة الإمامة، وإنما الغرض أن اتخاذَ
_________________
(١) (*) الشيعة
[ ١٥٠ ]
هذا اليوم عيدًا محدثٌ لا أصل له، فلم يكن في السلف - لا من أهل البيت ولا من غيرهم - مَن اتخذ ذلك اليوم عيدًا، حتى يحدث فيه أعمالًا. إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع، لا الابتداع. وللنبي - ﷺ - خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة: مثل يوم بدر، وحنين، والخندق، وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين. ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا. وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى - ﵇ - أعيادًا، أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبِع. وإلا لم يُحْدَث في الدين ما ليس منه.