والبدع منهي عنها في الجملة، ولو لم يفعلها الكفار، فإذا اجتمع الوصفان صارا علتين مستقلتين في القبح والنهي.
الأعياد
إذا تقرر هذا الأصل في مشابهتهم فنقول: موافقتهم في أعيادهم لا تجوز من طريقين:
الطريق الأول: هو ما تقدم من أن هذا موافقة لأهل الكتاب فيما ليس في ديننا، ولا عادة سلفنا، فيكون فيه مفسدة موافقتهم، وفي تركه مصلحة مخالفتهم، حتى لو كان موافقتهم في ذلك أمرًا اتفاقيًا، ليس مأخوذًا عنهم لكان المشروع لنا مخالفتهم، لما في مخالفتهم من المصلحة، فمن وافقهم فوّت على نفسه هذه المصلحة، وإن لم يكن قد أتى بمفسده، فكيف إذا جمعهما؟
ومن جهة أنه من البدع المحدثة، وهذه الطريق لا ريب أنها تدل على كراهة التشبه بهم في ذلك، فإن أقل أحوال التشبه بهم: أن يكون مكروهًا، وكذلك أقل أحوال البدع: أن تكون مكروهة (١)،
_________________
(١) قال الإمام الشاطبى /: «وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهة في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهة التنزيه فقط، وإنما هذا اصطلاح المتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبيلين، فيطلقون لفظ الكراهة على كراهية التنزيه فقط، ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع، وأشباه ذلك. وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحًا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام. ويتحامون العبارة خوفًا مما في الآية من قوله تعالى ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ (النحل: ١١٦) وحكى مالك عمن تقدم هذا المعنى، فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها: أكره هذا، ولا أحب هذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك، فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزية؟» [الاعتصام (٢//٣٩٧،٣٩٨)]
[ ٦٨ ]
ويدل كثير منها على تحريم التشبه بهم في العيد، مثل قوله - ﷺ -: «من تشبه بقوم فهو منهم» [أبو داود ٤٠٣١،وقال الألباني: حسن صحيح] فإن موجب هذا: تحريم التشبه بهم مطلقًا.
وكذلك قوله: «خالفوا المشركين» [البخاري٥٨٩٣، مسلم٢٥٩] ونحو ذلك، ومثل ما ذكرنا من دلالة الكتاب والسنة على تحريم سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأعيادهم من سبيلهم، إلى غير ذلك من الدلائل.
فمن انعطف (١) على ما تقدم من الدلائل العامة: نصًا وإجماعًا وقياسًا، تبين له دخول هذه المسألة، في كثير مما تقدم من الدلائل، وتبين له أن هذا من جنس أعمالهم، التي هي دينهم، أو شعار دينهم الباطل، وأن هذا محرم كله بخلاف ما لم يكن من خصائص دينهم، ولا شعارًا له، مثل نزع النعلين في الصلاة فإنه جائز، كما أن لبسهما
_________________
(١) (*) انعطف: رجع ومال.
[ ٦٩ ]