الوجه الأول: روى أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان
[ ٧١ ]
اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر» [أبو داود١١٣٤، وصححه الألباني]
فوجه الدلالة: أن العيدين الجاهليين لم يقرُّهما رسول الله - ﷺ - ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين»، والإبدال من الشيء، يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما، كقوله سبحانه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠] وقوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦]
فقوله - ﷺ -: «إن الله قد أبدلَكم بهما خيرًا منهما» يقتضي ترك الجمع بينهما لا سيما وقوله: «خيرًا منهما» يقتضي الاعتياض بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية.
وأيضًا - فقوله لهم: «إن الله قد أبدلكم»، لما سألهم عن اليومين فأجابوه: بأنهما يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية، دليل
[ ٧٢ ]
على أنه نهاهم عنهما اعتياضًا بيومي الإسلام، إذ لو لم يقصد النهي لم يكن ذكر هذا الإبدال مناسبًا، إذ أصل شرع اليومين الإسلاميين كانوا يعلمونه، ولم يكونوا ليتركوه لأجل يومي الجاهلية.
وفي قول أنس: ولهم يومان يلعبون فيهما وقول النبي - ﷺ -: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيرًا منهما» دليل على أن أنسًا - ﵁ - فهم من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أبدلكم بهما» تعويضًا باليومين المبدلين.
وأيضًا - فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على عهد رسول الله - ﷺ -، ولا عهد خلفائه ولو لم يكن قد نهى الناس عن اللعب فيهما، ونحوه مما كانوا يفعلونه لكانوا قد بقوا على العادة، إذ العادات لا تغيَّر إلا بمغيِّر يزيلها، ولاسيما وطباع النساء والصبيان، وكثير من الناس متشوفة إلى اليوم الذي يتخذونه عيدًا للبطالة واللعب، ولهذا قد يعجز كثير من الملوك والرؤساء عن نقل الناس عن عاداتهم في أعيادهم، لقوة مقتضيها من نفوسهم، وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، فلولا قوة المانع من رسول الله - ﷺ - لكانت باقية، ولو على وجه ضعيف، فعلم أن المانع القوي منه كان
[ ٧٣ ]
ثابتًا، وكل ما منع النبي منعًا قويًا كان محرمًا إذ لا يعني بالمحرم إلا هذا.
وهذا أمر بيِّن لا شبهة فيه؛ فإن مثل ذينك العيدين، لو عاد الناس إليهما بنوع مما كان يفعل فيهما - إن رخص فيه - كان مراغمة بينه وبين ما نهى عنه، فهو المطلوب.
والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها، أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإن الأمة قد حذروا مشابهة اليهود والنصارى، وأخبروا أن سيفعل قوم منهم هذا المحذور، بخلاف دين الجاهلية، فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر، عند اخترام أنفس المؤمنين عمومًا، ولو لم يكن أشد منه، فإنه مثله على ما لا يخفى، إذ الشر الذي له فاعل موجود، يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضى له قوي.
الوجه الثاني: عن ثابت بن الضحاك قال: «نذر رجل على عهد رسول الله - ﷺ -: أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله - ﷺ -: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟» قالوا: لا، قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا. قال رسول الله - ﷺ -: «أَوْفِ
[ ٧٤ ]
بنَذْرك، فإنه لا وفاءَ لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملكُ ابنُ آدم» [أبو داود٣٣١٣ وصححه الألباني]
فوجه الدلالة: أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعما: إما إبلا، وإما غنما، وإما كانت قضيتين، بمكان سماه، فسأله النبي - ﷺ -: هل كان بها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا، قال: فهل كان بها عيد من أعيادهم؟ قال: لا، فقال: أوف بنذرك، ثم قال: لا وفاء لنذر في معصية الله».وهذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم ومحل أوثانهم - معصية لله، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهيًا عنه، فكيف بالموافقة في نفس العيد بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم؟
يوضح ذلك: أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد: إما بعود السنة، أما بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك. فالعيد: يجمع أمورًا:
* منها: يوم عائد، كيوم الفطر، ويوم الجمعة.
* ومنها: اجتماع فيه.
* ومنها: أعمال تتبع ذلك: من العبادات والعادات، وقد
[ ٧٥ ]
يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا، وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا.
فالزمان كقوله - ﷺ - ليوم الجمعة: «إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين». [ابن ماجه١٠٩٧، وحسنه الألباني] والاجتماع والأعمال: كقول ابن عباس: شهدت العيد مع رسول الله - ﷺ -. [البخاري٩٦٢، مسلم٨٨٤] والمكان: كقوله - ﷺ -: «لا تجعلوا قبري عيدًا». [أبو داود٢٠٤٢، وصححه الألبانى]
وقد يكون لفظ: العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب، كقوله - ﷺ -: «دعْهُما يا أبا بكر فإن لكل قومٍ عيدًا وإن هذا عيدُنا» [البخاري٩٥٢، مسلم٨٩٢] فقول النبي - ﷺ -: «هل بها عيد من أعيادهم؟»، يريد اجتماعًا معتادًا من اجتماعاتهم التي كانت عيدًا، فلما قال: لا، قال له: «أَوْفِ بنذرك»، وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانًا لعيدهم مانع من الذبح بها - وإن نذر، كما أن كونها موضع أوثانهم كذلك، وإلا لما انتظَم الكلام، ولا حَسُنَ الاستفصال.
فإذا كان - ﷺ - قد نهى أن يُذبح في مكان كان الكفار يعملون فيه عيدًا وإن كان أولئك الكفار قد أسلموا وتركوا ذلك العيد،
[ ٧٦ ]
والسائل لا يتخذ المكان عيدًا، بل يذبح فيه فقط: فقد ظهر أن ذلك سَدٌّ للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم، خشية أن يكون الذبح هناك سببًا لإحياء أمر تلك البقعة، وذريعة إلى اتخاذها عيدًا، مع أن ذلك العيد إنما كان يكون - والله أعلم - سوقًا يتبايعون فيها، ويلعبون، كما قالت له الأنصار: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية. لم تكن أعياد الجاهلية عبادة لهم ولهذا فرق - ﷺ - بين كونها مكان وثن، وكونها مكان عيد. وهذا نهي شديد عن أن يفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان.
وأعياد الكفار: من الكتابِيِّين والأميين، في دين الإسلام، من جنس واحد، كما أن كفر الطائفتين سواء في التحريم، وإن كان بعضه أشد تحريمًا من بعض، ولا يختلف حكمهما في حق المسلم، لكن أهل الكتابين أُقِرُّوا على دينهم، مع ما فيه من أعيادهم، بشرط: أن لا يظهروها، ولا شيئًا من دينهم، وأولئك لم ُيقَرُّوا، بل أعياد الكتابيين - التي تتخذ دينا وعبادة - أعظم تحريمًا من عيد يتخذ لهوًا ولعبًا، لأن التعبد بما يسخطه الله ويكرهه أعظم من اقتضاء الشهوات بما حرمه، ولهذا كان الشرك أعظم إثمًا من الزنا.
[ ٧٧ ]
وإذا كان الشارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان خشية أن يتدنَّس المسلم بشيء من أمر الكفار - الذين قد يئس الشيطان أن يقيم أمرهم في جزيرة العرب - فالخشية من تدنسه بأوضار (١) الكتابيين الباقين أشد، والنهي عنه أوْكد، كيف وقد تقدم الخبر الصادق بسلوك طائفة من هذه الأمة سبيلهم؟.
الوجه الثالث من السنة: أن هذا الحديث وغيره، قد دل على أنه كان للناس في الجاهلية أعياد يجتمعون فيها، ومعلوم أنه بمبعث رسول الله - ﷺ -، محى الله ذلك عنه، فلم يبق شيء من ذلك.
ومعلوم أنه لولا نَهْيه ومنعه لما ترك الناس تلك الأعياد، لأن المقتضي لها قائم من جهة الطبيعة التي تحب ما يصنع في الأعياد، خصوصًا أعياد الباطل، من اللعب واللذات، ومن جهة العادة التي ألفت ما يعود من العيد، فإن العادة طبيعة ثانية، وإذا كان المقتضي قائمًا قويًا، فلولا المانع القوي، لما درست تلك الأعياد.
وهذا يوجب العلم اليقيني، بأن إمام المتقين - ﷺ - كان يمنع أمته منعًا قويًا عن أعياد الكفار، ويسعى في دروسها، وطمسها بكل
_________________
(١) (*) أوضار: أوساخ.
[ ٧٨ ]
سبيل، وليس في إقرار أهل الكتاب على دينهم، إبقاء لشيء من أعيادهم في حق أمته، كما أنه ليس في ذلك إبقاء في حق أمته، لما هم عليه في سائر أعمالهم، من سائر كفرهم ومعاصيهم، بل قد بالغ - ﷺ - في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات، وصفات الطاعات، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزًا ومانعًا عن سائر أمورهم، فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب الجحيم، كان أبعد عن أعمال أهل الجحيم.
فليس بعد حرصه على أمته ونصحه لهم غاية - بأبي هو وأمي - وكل ذلك من فضل الله عليه وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الوجه الرابع من السنة: في الصحيحين عن عائشة - ﵄ - قالت: دخل عليّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاوَلَتْ به الأنصار، يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر - ﵁ -:أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله - ﷺ -؟ وذلك يوم عيد فقال رسول الله - ﷺ -: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا»
[ ٧٩ ]
وفي رواية: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا وإن عيدنا هذا اليوم». وفي الصحيحين أيضًا - أنه قال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد»، وتلك الأيام أيام منى. [البخاري٩٨٧، ٣٩٣١، ٩٥٢، مسلم٨٩٢]
فالدلالة من وجوه: ١ - قوله: «إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا»، فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم، كما أن الله سبحانه لما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨] وقال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة٤٨] أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم، وذلك أن اللام تورث الاختصاص، فإذا كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، كانوا مختصين به فلا نشركهم فيه، كما لا نشركهم في قبلتهم وشرعتهم. وكذلك - أيضًا - على هذا: لا ندعهم يشركوننا في عيدنا.
٢ - قوله: «وهذا عيدنا» فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا، فليس لنا عيد سواه، وكذلك قوله: «وإن عيدنا هذا اليوم»، فإن التعريف باللام والإضافة يقتضي الاستغراق، فيقتضي أن يكون جنس عيدنا منحصرًا في جنس ذلك اليوم.
وكذا قوله: «وإن هذا اليوم». أي: جنس هذا اليوم، كما يقول
[ ٨٠ ]
القائل لما يعاينه من الصلاة: هذه صلاة المسلمين، ويقول لمخرج الناس إلى الصحراء وما يفعلونه من التكبير والصلاة ونحو ذلك: هذا عيد المسلمين ونحو ذلك.
ومن هذا الباب: حديث عقبة عامر ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يوم عرفة ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» [أبوداود٢٤١٩وصححه الألباني] فإنه دليل مفارقتنا لغيرنا في العيد، والتخصيص بهذه الأيام الخمسة؛ لأنه يجتمع فيها العيدًان: المكاني والزماني، ويطول زمنه، وبهذا يسمى العيد الكبير.
٣ - أنه رخص في لعب الجواري بالدف، وتغنيهن، معللًا بأن لكل قوم عيدًا، وأن هذا عيدنا، وذلك يقتضي: أن الرخصة معللة بكونه عيد المسلمين، وأنها لا تتعدى إلى أعياد الكفار، وأنه لا يرخص في اللعب في أعياد الكفار، كما يرخص فيه في أعياد المسلمين. فلا يجوز لنا أن نفعل في كل عيد للناس من اللعب ما نفعل في عيد المسلمين، وهذا فيه دلالة على النهي عن التشبه بهم في اللعب ونحوه.
[ ٨١ ]
الوجه الخامس من السنة: أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى، حتى أجلاهم عمر بن الخطاب - ﵁ - في خلافته، وكان اليهود بالمدينة كثيرًا في حياة رسول الله - ﷺ -، وكان قد هادَنهم حتى نقضوا العهد، طائفة بعد طائفة، وما زال بالمدينة يهود، وإن لم يكونوا كثيرًا، فإنه - ﷺ - مات ودرعه مرهونة عد يهودي، وكان في اليمن يهود كثير، والنصارى بنجران وغيرها، والفرس بالبحرين، ومن المعلوم: أن هؤلاء كانت لهم أعياد يتخذونها، ومن المعلوم - أيضًا - أن المقتضي لما يفعل في العيد - من الأكل والشرب، واللباس والزينة، واللعب والراحة، ونحو ذلك - قائم في النفوس كلها إذا لم يوجد مانع، خصوصًا في نفوس الصبيان والنساء، وأكثر الفارغين من الناس.
ثم من كانت له خبرة بالسيرة، علم يقينًا أن المسلمين على عهده - ﷺ - ما كانوا يشركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد الكافرين، بل ذلك اليوم عند رسول الله - ﷺ -، وسائر المسلمين يوم من الأيام لا يخصونه بشيء أصلًا إلا ما قد اختلف فيه من مخالفتهم فيه، كصومه.
[ ٨٢ ]
فلولا أن المسلمين كان دينهم الذي تلقوه عن نبيهم منع من ذلك وكف عنه، لوجب أن يوجد من بعضهم فِعْلُ بعضِ ذلك، لأن المقتضي إلى ذلك قائم، كما تدل عليه الطبيعة والعادة، فلولا المانع الشرعي لوجد مقتضاه، ثم على هذا جرى عمل المسلمين، على عهد الخلفاء الراشدين.
الوجه السادس من السنة: ما رواه أبو هريرة - ﵁ -، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدًا والنصارى بعد غد». [البخاري ٢٣٨، مسلم٨٥٥]
وفي لفظ صحيح: «بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له». [مسلم ٨٥٥] وعن أبي هريرة، وحذيفة - ﵄ - قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن
[ ٨٣ ]
الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم - وفي رواية - بينهم قبل الخلائق». [مسلم٨٥٦] وقد سمّى النبي - ﷺ - الجمعة: عيدًا في غير موضع ونهى عن إفراده بالصوم لما فيه من معنى العيد.
ثم إنه في هذا الحديث ذكر أن الجمعة لنا، كما أن السبت لليهود، والأحد للنصارى، واللام تقتضي الاختصاص، فإذا نحن شاركناهم في عيدهم يوم السبت، أو عيد يوم الأحد، خالفنا هذا الحديث، وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي، فكذلك في العيد الحَوْلي، إذ لا فرق، بل إذا كان هذا في عيد يعرف بالحساب العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي لا تعرف إلا بالحساب الرومي القبطي، أو الفارسي أو العبري، ونحو ذلك.
والمعنى والله أعلم: أي نحن الآخرون في الخلق، السابقون في الحساب والدخول إلى الجنة، كما قد جاء في الصحيح أن هذه الأمة أول من يدخل الجنة من الأمم، [مسلم٨٥٥] وأن محمدًا - ﷺ - أول من يفتح له باب الجنة، [مسلم١٩٧] وذلك لأنا أوتينا الكتاب من بعدهم، فهُدِينا لما اختلفوا فيه من العيد السابق للعيدين الآخرين،
[ ٨٤ ]
وصار عملنا الصالح قبل عملهم، فلما سبقناهم إلى الهدى والعمل الصالح، جعلنا سابقين لهم في ثواب العمل الصالح.
الوجه السابع من السنة: ما روى كريب مولى ابن عباس - ﵄ - قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي - ﷺ - إلى أم سلمة - ﵄ -، أسألها: أي الأيام كان النبي - ﷺ - أكثرها صيامًا؟ قالت: كان يصوم يوم السبت، ويوم الأحد، أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: إنهما يوما عيد للمشركين؛ فأنا أحبُّ أن أخالفَهم».رواه أحمد. [المسند٢٦٦٢٩، وقال محققه: إسناده صحيح]
وهذا نص في شرع مخالفتهم في عيدهم، وإن كان على طريق الاستحباب. وسنذكر حديث نهيه عن صوم يوم السبت، وتعليل ذلك أيضًا بمخالفتهم، ونذكر حكم صومه مفردًا عند العلماء، وأنهم متفقون على شرع مخالفتهم في عيدهم، وإنما اختلفوا: هل مخالفتهم يوم عيدهم بالصوم لمخالفة فعلهم فيه، أو بالإهمال حتى لا يقصد بصوم ولا بفطر، أو يفرق بين العيد العربي، والعيد العجمي؟ على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
[ ٨٥ ]