ومن هذا الباب: ليلة النصف من شعبان، فقد روى في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة (١) وأن من
_________________
(١) (*) قال ث: «إن الله لَيَطَّلِع في ليلة النصف من شعبان، شعبان، لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن» (رواه ابن ماجه١٣٩٠وحسنه الألباني).وقال ث: «إن الله يطَّلِع على عباده ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه» (رواه الطبراني وحسنه الألباني) وليس في الأحاديث ما يشير إلى إحيائها بالصلاة والعبادة ولا الاحتفال بها كما يفعله البعض.
[ ١٥٦ ]
السلف من كان يخصها بالصلاة فيها.
وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة. ومن العلماء: من السلف، من أهل المدينة، وغيرهم من الخلف، من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها، كحديث: «إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب». [ابن ماجه١٣٨٩وضعفه الألباني] وقال: لا فرق بينها وبين غيرها.
لكن الذي عليه كثير من أهل العلم، أو أكثرهم - من أصحابنا وغيرهم - على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد، لتعدد الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن. وإن كان قد وُضع فيها أشياء أخر.
فأما صوم يوم النصف مفردًا فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسمًا تصنع فيه الأطعمة، وتظهر فيه الزينة، هو من المواسم المحدثة المبتدعة، التي لا أصل لها.
وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف، من الاجتماع العام للصلاة الألفية، في المساجد الجامعة، ومساجد الأحياء والدروب والأسواق. فإن هذا الاجتماع - لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد،
[ ١٥٧ ]
وقدر من القراءة لم يشرع - مكروه. فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وما كان هكذا لا يجوز استحباب صلاة بناءً عليه، وإذا لم يُستحب فالعمل المقتضي لاستحبابها مكروه، ولو سوغ أن كل ليلة لها نوع فضل، تخص بصلاة مبتدعة يجتمع لها، لكان يفعل مثل هذه الصلاة، أو أزيد أو أنقص، ليلتي العيدين، وليلة عرفة، كما أن بعض أهل البلاد يقيمون مثلها أول ليلة من رجب. وكما بلغني أنه كان في بعض القرى يصلون بعد المغرب صلاة مثل المغرب في جماعة، يسمونها صلاة بر الوالدين. وكما كان بعض الناس يصلي كل ليلة في جماعة صلاة الجنازة على من مات من المسلمين في جميع الأرض، ونحو ذلك من الصلوات الجماعية التي لم تشرع.
وعليك أن تعلم: أنه إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين، وجوز التطوع في جماعة، لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة، ففرق بين البابَيْن، وذلك أن الاجتماع لصلاة تطوع، أو استماع قرآن، أو ذكر الله، ونحو ذلك، إذا كان يفعل أحيانًا، فهذا حسن. فقد صح عن النبي - ﷺ -: «أنه صلى التطوع في جماعة
[ ١٥٨ ]
أحيانًا». [البخاري٧٢٧، مسلم٣٣، ٦٥٨ - ٦٦٠] وخرج على أصحابه وفيهم من يقرأ وهم يستمعون، فجلس معهم يستمع.» (١) وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا اجتمعوا أمروا واحدًا يقرأ وهم يستمعون. وقد ورد في القوم الذين يجلسون يتدارسون كتاب الله ويتلونه، وفي القوم الذين يذكرون الله من الآثار ما هو معروف مثل قوله - ﷺ -: «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة، وحفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» [مسلم٢٦٩٩] وورد أيضًا «في الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم». [البخاري٦٤٠٨]
فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأسابيع أو الشهور أو الأعوام، غير الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك يضاهي الاجتماع للصلوات الخمس، وللجمعة، وللعيدين وللحج. وذلك هو
_________________
(١) روى ابن أبي حاتم عن يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه قال: « وكان أبي ممن صحب النبي ث أن النبيثأتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر النبي ثقارئًا فقرأ » وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
[ ١٥٩ ]
المبتدع المحدَث.
ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة، فإن ذلك يضاهي المشروع. وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد، وغيره من الأئمة فروى أبو بكر الخلال، في كتاب الأدب، عن إسحاق بن منصور الكوسج، أنه قال لأبي عبد الله: تكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: ما أكرهه للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد، إلا أن يكثروا.
قال إسحاق بن راهويه كما قال. وإنما معنى أن لا يكثروا: أن لا يتخذوها عادة حتى يكثروا. هذا كلام إسحاق.
وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال أبو أمية الطرسوسي: سألت أحمد بن حنبل عن القوم يجتمعون ويقرأ لهم القارئ قراءة حزينة فيبكون، وربما أطفئوا السراج. فقال لي أحمد: إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس.
وروى الخلال عن الأوزاعي: أنه سئل عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلا فيقص عليهم. قال: إذا كان ذلك يوما بعد الأيام
[ ١٦٠ ]
فليس به بأس.
فقيد أحمد الاجتماع على الدعاء بما إذا لم يتخذ عادة.
وأصل هذا: أن العبادات المشروعة، التي تتكرر بتكرر الأوقات، حتى تصير سننا ومواسم، قد شرع الله منها ما فيه كفاية العباد، فإذا أُحدث اجتماع زائد على هذه الاجتماعات معتاد، كان ذلك مضاهاة لما شرعه الله وسنه. وفيه من الفساد ما تقدم التنبيه على بعضه، بخلاف ما يفعله الرجل وحده، أو الجماعة المخصوصة أحيانًا، ولهذا كره الصحابة إفراد صوم رجب، لما شُبِّه برمضان.
فكما أن تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع، من غير أن يتخذ جماعة عامة متكررة، تشبه المشروع من الجمعة، والعيدين والصلوات الخمس، فكذلك تطوع القراءة والذكر والدعاء، جماعة (١) وفرادى، يفرق بين الكثير الظاهر منه، والقليل الخفي، والمعتاد وغير المعتاد، وكذلك كل ما كان مشروع الجنس، لكن البدعة اتخاذه عادة لازمة، حتى يصير كأنه واجب.
_________________
(١) (*) ليس فيما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ولا ما نقله عن الإمام أحمد ولا في أحاديث النبي ث أن الذين يجتمعون على الذكر يرددون بصوت واحد أو يرددون بصوت جماعي وراء شخص معين، وهو ما يسمى بالذكر الجماعي، فإنه بدعة كما قال العلماء. [انظر كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي (١/ ٤٤)]
[ ١٦١ ]
وأما ما يُفعل في هذه المواسم مما جنسه منهي عنه في الشرع، فهذا لا يُحتاج إلى ذكره. لأن ذلك لا يحتاج أن يدخل في هذا الباب مثل: رفع الأصوات في المساجد، واختلاط الرجال والنساء، أو كثرة إيقاد المصابيح زيادة على الحاجة، أو إيذاء المصلين أو غيرهم بقول أو فعل، فإن قبح هذا ظاهر لكل مسلم. وإنما هذا من جنس سائر الأقوال المحرمة في المساجد، سواء حرمت في المسجد وغيره، كالفواحش والفحش، أو صِينَ عنها المسجد: كالبيع وإنشاد الضالة، وإقامة الحدود ونحو ذلك.