فِي مَذَاهِب الكرامية
والقائلون بِأَنَّهُ بِمَشِيئَة
فِي ذَاته أَيْضا فهم نَوْعَانِ إِحْدَاهمَا جعلته مبدوءا بِهِ
نوعا حذار تسلسل الاعيان فيسد ذَاك عَلَيْهِم فِي زعمهم
إِثْبَات خَالق هَذِه الاكوان فلذاك قَالُوا إِنَّه ذُو أول
مَا للفناء عَلَيْهِ من سُلْطَان وَكَلَامه كفعاله وَكِلَاهُمَا
ذُو مبدء بل لَيْسَ ينتهيان
[ ١ / ٢٩٧ ]
.. قَالُوا وَلم ينصف خصوم جعجعوا
وَأتوا بتشنيع بِلَا برهَان قُلْنَا كَمَا قَالُوهُ فِي أَفعاله
بل بَيْننَا بون من الْفرْقَان بل نَحن أسعد مِنْهُم بِالْحَقِّ إِذْ
قُلْنَا هما بِاللَّه قائمتان وهم فَقَالُوا لم يقم بِاللَّه لَا فعل وَلَا قَول فتعطيلان
لفعاله ومقاله شَرّ وأبطل من حُلُول حوادث بِبَيَان
تعطيله عَن فعله وَكَلَامه شَرّ من التشنيع بالهذيان
هذي مقالات ابْن كرام وَمَا ردوا عَلَيْهِ قطّ بالبرهان
أَنى وَمَا قد قَالَ أقرب مِنْهُم لِلْعَقْلِ والاثار وَالْقُرْآن
لكِنهمْ جاؤوا لَهُ بجعاجع وفراقع وقعاقع بشنان
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي مَذْهَب الْقَائِلين بِأَنَّهُ تَعَالَى يتَكَلَّم بِمَشِيئَة وارادة فَذكر مقَالَة الكرامية بتَشْديد الرَّاء وهم اتِّبَاع أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن كرام أَبُو عبد الله السجسْتانِي الزَّاهِد شيخ الطَّائِفَة الكرامية مَاتَ سنة ٢٥٥ وَفِي (الْقَامُوس (وَمُحَمّد بن كرام كشداد امام الكرامية الْقَائِل بِأَن معبوده مُسْتَقر على الْعَرْش وَأَنه جَوْهَر تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كبييرا
مَذْهَب الكرامية ان كَلَام الله تَعَالَى حَادث قَائِم بِذَات الله بعد أَن لم يكن متكلما بِكَلَام بل مَا زَالَ عِنْدهم قَادِرًا على الْكَلَام وَهُوَ عِنْدهم لم يزل متكلما بِمَعْنى أَنه لم يزل قَادِرًا على الْكَلَام والا فوجود الْكَلَام
[ ١ / ٢٩٨ ]
عِنْدهم فِي الازل مُمْتَنع كوجود الافعال عِنْدهم وَعند من وافقهم من أهل الْكَلَام كالمعتزلة واتباعهم وهم يَقُولُونَ إِنَّه حُرُوف وأصوات حَادِثَة بِذَات الرب بقدرته ومشيئته وَلَا يَقُولُونَ ان الاصوات المسموعة والمداد الَّذِي فِي الْمُصحف قديم بل يَقُولُونَ ان ذَلِك مُحدث
قَوْله إِحْدَاهمَا جعلته مبدوءا بِهِ الى قَوْله
وَكَلَام كفعاله وَكِلَاهُمَا ذُو مبدء بل لَيْسَ ينتهيان
أَي ان الكرامية قَالَت ان كَلَام الله تَعَالَى لَهُ اول ولفعاله أول وَلَكِن لَا نِهَايَة لَهما عِنْدهم
وَقَوله حذار تسلسل الاعيان أَي أَن الكرامية قَالُوا هَذَا القَوْل خوفًا من لُزُوم التسلسل وَذَلِكَ لانهم شاركوا الْجَهْمِية والمعتزلة والاشاعرة وَغَيرهم فِي الِاسْتِدْلَال على حُدُوث الْعَالم بِدَلِيل الاعراض الْمَشْهُور بَين الْمُتَكَلِّمين ومبنى الدَّلِيل على منع التسلسل قَالُوا فَلَو كَانَ الْبَارِي تَعَالَى متكلما فِي الازل بِكَلَام لَا أول لَهُ وفاعلا لافعال لَا أول لَهَا لزمنا القَوْل بالتسلسل فَبَطل دليلنا الَّذِي استدللنا بِهِ على حُدُوث الْعَالم
وَقَوله قَالُوا وَلم ينصف خصوم جعجعوا الخ أَي قَالَت الكرامية لمن خالفهم من الْمُتَكَلِّمين الَّذين شنعوا عَلَيْهِم فِي مَسْأَلَة الْكَلَام انا قُلْنَا معشر الكرامية كَمَا قُلْتُمْ فِي أَفعاله تَعَالَى فان لَهَا أَولا عنْدكُمْ فَلْيَكُن كَلَامه كَذَلِك وَأَنْتُم قُلْتُمْ كَلَام الله وأفعاله غير قَائِمَة بِهِ وَهَذَا شَيْء غير مَعْقُول اذ لَا يُسمى متكلما إِلَّا من قَامَ بِهِ الْكَلَام وَلَا فَاعِلا الا من قَامَ بِهِ الْفِعْل وَأَنْتُم قُلْتُمْ هُوَ قَائِل بقول لَا يقوم بِهِ وفاعل بِفعل لَا يقوم
[ ١ / ٢٩٩ ]
بِهِ فَهَذَا تَعْطِيل لفعاله ومقاله وَهُوَ شَرّ من القَوْل بحلول الْحَوَادِث وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم
هذي مقالات ابْن كرام وَمَا ردوا عَلَيْهِ قطّ بالبرهان
وَقد قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ فِي (الاربعين (ان مَسْأَلَة حُلُول الْحَوَادِث تلْزم عَامَّة الطوائف وَذكر فِي (الاربعين (أَنَّهَا تلْزم أَصْحَابه الاشاعرة أَيْضا فَقَالَ ان الكرامية يجوزون ذَلِك وينكره سَائِر الطّواف وَقيل اكثر الْعُقَلَاء يَقُولُونَ بِهِ وان انكروه بِاللِّسَانِ فان أَبَا عَليّ وَأَبا هَاشم من الْمُعْتَزلَة وأتباعهما قَالُوا انه يُرِيد بارادة حَادِثَة وَيكرهُ بِكَرَاهَة حَادِثَة لَا فِي مَحل الا أَن صفة المريدية والكارهية محدثة واذا حصل المرئي والمسموع حدث فِي ذَاته تَعَالَى صفة السامعية والمبصرية لكِنهمْ انما يطلقون لفظ التجدد دون الْحَادِث وابو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ يثبت فِي ذَاته علوما متجددة بِحَسب تجدّد المعلومات والاشعرية يثبتون نسخ الحكم مفسرين ذَلِك بِرَفْعِهِ اَوْ انتهائه والارتفاع والانتهاء عدم بعد الْوُجُود وَيَقُولُونَ انه عَالم بِعلم وَاحِد يتَعَلَّق قبل وُقُوع الْمَعْلُوم بِأَنَّهُ سيقع وَبعده يَزُول ذَلِك الْمُتَعَلّق وَيتَعَلَّق بِأَنَّهُ وَقع وَيَقُولُونَ بِأَن قدرته تتَعَلَّق بايجاد الْمعِين واذا وجد انْقَطع ذَلِك التَّعَلُّق لِامْتِنَاع ايجاد الْمَوْجُود وَكَذَلِكَ تعلق الارادة بترجيح الْمعِين وَأَيْضًا الْمَعْدُوم لَا يكون مرئيا وَلَا مسموعا وَعند الْوُجُود يصير مرئيا مسموعا فَهَذِهِ التعلقات حَادِثَة فان الْتزم جَاهِل كَون الْمَعْدُوم مرئيا مسموعا قُلْنَا الله تَعَالَى يرى الْمَعْدُوم مَعْدُوما لَا مَوْجُودا وَعند وجوده يرَاهُ مَوْجُودا لَا مَعْدُوما لَان رُؤْيَة الْمَوْجُود مَعْدُوما اَوْ بِالْعَكْسِ غلط وانه يُوجب مَا ذكرنَا والفلاسفة مَعَ بعدهمْ
[ ١ / ٣٠٠ ]
عَن هَذَا يَقُولُونَ بِأَن الاضافات وَهِي الْقبلية والبعيدة والمعية مَوْجُودَة فِي الاعيان فَيكون الله مَعَ كل حَادث وَذَلِكَ الْوَصْف الاضافي حدث ذَاته وابو البركات من الْمُتَأَخِّرين مِنْهُم صرح فِي (الْمُعْتَبر (بارادات محدثة وعلوم محدثة فِي ذَاته تَعَالَى زاعما بِأَنَّهُ لَا يُمكن الِاعْتِرَاف بِكَوْنِهِ الها لهَذَا الْعَالم الا مَعَ هَذَا القَوْل ثمَّ قَالَ الاجلال من هَذَا الاجلال والتنزيه من هَذَا التَّنْزِيه وَاجِب
قَالَ الرَّازِيّ وَاعْلَم أَن الصّفة اما حَقِيقَة عَارِية عَن الاضافة كالسواد وَالْبَيَاض اَوْ حَقِيقَة يلْزمهَا إِضَافَة كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة فانه يلْزمهَا تعلق بالمعلوم والمقدور وَهُوَ اضافة مَخْصُوصَة بَينهمَا واما إضافية مَحْضَة ككون الشَّيْء قبل غَيره وَبعده وَيَمِينه ويساره فان تغير هَذِه الاشياء لَا يُوجب تغيرا فِي الذَّات وَلَا فِي صفة حَقِيقِيَّة مِنْهَا فَنَقُول تغير الإضافات لَا محيص عَنهُ واما تغير الصِّفَات الْحَقِيقِيَّة فالكرامية يثبتونه وَغَيرهم ينكرونه فَظهر الْفرق بَين مَذْهَب الكرامية لَا يُسمى ذَلِك صفة وَلَا نقُول ان ذَلِك تغير فِي الصِّفَات الْحَقِيقِيَّة انْتهى
وَنقل السَّيِّد الشريف فِي (شرح المواقف (قَالَ وَقَالَت الكرامية الْعُقَلَاء يوفقوننا فِي قيام الصّفة الْحَادِثَة بِذَاتِهِ ﷾ وان انكروا علينا بِاللِّسَانِ فان الجبائية قَالُوا بارادة وكراهية حادثتين لَا فِي مَحل لَكِن المريدية والكارهية (قَالُوا) حادثتان فِي ذَاته تَعَالَى وَكَذَا السامعية والمبصرية تحدث بحدوث المسموع والمبصر وَأَبُو الْحُسَيْن يثبت علوما متجددة والاشعرية يثبتون النّسخ وَهُوَ اما رفع الحكم الْقَائِم بِذَاتِهِ اَوْ انتهاؤه وهما عدم بعد الْوُجُود فيكونان حادثين انْتهى
قَوْله لكِنهمْ جاؤوا لَهُ بجعاجع الخ الجعجعة صَوت الرَّحَى
[ ١ / ٣٠١ ]
والقعاقع تتَابع أصوات الرَّعْد فرقع الاصابع نقضهَا فتقرقعت وافرنقعت قَالَه فِي (الْقَامُوس (
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى