لفساد ذَاك القَوْل بالبرهان فسل الْمُعَطل عَن ثَلَاث مسَائِل تقضي على التعطيل بِالْبُطْلَانِ
مَاذَا تَقول أَكَانَ يعرف ربه هَذَا الرَّسُول حَقِيقَة الْعرْفَان
أم لَا وَهل كَانَت نصيحة لنا كل النَّصِيحَة لَيْسَ بالخوان
[ ١ / ٥٠١ ]
.. أم لَا وَهل حَاز البلاغة كلهَا فاللفظ وَالْمعْنَى لَهُ طوعان
فَإِذا انْتَهَت هذي الثَّلَاثَة فِيهِ كَا مِلَّة مبرأة من النُّقْصَان
فلأي شَيْء عَاشَ فِينَا كَاتِما للنَّفْي والتعطيل فِي الازمان
بل مفصحا بالضد مِنْهُ حَقِيقَة ال إفصاح مُوضحَة بِكُل بَيَان
ولأي شَيْء لم يُصَرح بِالَّذِي صرحتم فِي رَبنَا الرَّحْمَن
ألعجزه عَن ذَاك أم تَقْصِيره فِي النصح أم لخفاء هَذَا الشان
حاشاه بل ذَا وصفكم يَا أمة التعطيل لَا الْمَبْعُوث بِالْقُرْآنِ
هَذَا هُوَ الدَّلِيل التَّاسِع عشر من أَدِلَّة علو الله تَعَالَى على خلقه وَحَاصِله أَن النَّاظِم سَأَلَ عَن ثَلَاث مسَائِل وَكلهَا مسلمة عِنْد المنازعين وَهُوَ أَن تسْأَل الْمُعَطل هَل تَقول إِن الرَّسُول ﷺ يعرف ربه فبالضرورة يَقُول نعم ثمَّ سَله هَل كَانَ فِي غَايَة النصح فَلَا بُد أَن يَقُول نعم ثمَّ سَله هَل حَاز البلاغة كلهَا فَلَا بُد ان يَقُول نعم فَإِذا أقرّ بِهَذِهِ الثَّلَاثَة فَقل لَهُ فلأي شَيْء عَاشَ مُنْذُ أرْسلهُ الله تَعَالَى الى أَن توفّي صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وَهُوَ يفصح بالاثبات وَيُعِيد فِيهِ فِي كل محْضر وَمجمع ولأي شَيْء كتم النَّفْي والتعطيل ولأي شَيْء لم يُصَرح بِمَا صرحتم بِهِ فِي رَبنَا تَعَالَى وَهل كَانَ عَاجِزا عَن أَن يَقُول استولى وَينزل أمره أَو ملك وَيَقُول (من الله) مَوضِع (أَيْن الله) فلازم قَوْلكُم عدم معرفَة الرَّسُول بربه اَوْ عدم النصح اَوْ عدم البلاغة وَهَذَا اللَّازِم من أفسد اللوازم وأبطلها فَيدل على فَسَاد لَازمه وبطلانه لَان فَسَاد اللَّازِم يدل على فَسَاد الْمَلْزُوم
[ ١ / ٥٠٢ ]
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ولأي شَيْء كَانَ يذكر ضد ذَا فِي كل مُجْتَمع وكل زمَان أتراه أصبح عَاجِزا عَن قَوْله استولى وَينزل أمره وَفُلَان
وَيَقُول أَيْن الله يَعْنِي من بِلَفْظ الاين هَل هَذَا من التِّبْيَان وَالله مَا قَالَ الائمة كل مَا قد قَالَه من غير مَا كتمان
لَكِن لَان عقول أهل زمانهم ضَاقَتْ بِحمْل دقائق الايمان
وغدت بصائرهم كخفاش أَتَى ضوء النَّهَار فَكف عَن طيران
حَتَّى اذا مَا اللَّيْل جَاءَ ظلامه ابصرته يسْعَى بِكُل مَكَان
وَكَذَا عقولكم لَو استشعرتم يَا قوم كالحشرات والفئران
أنست بايحاش الظلام وَمَا لَهَا بمطالع الانوار قطّ يدان
الخفاش مَعْرُوف تقدم تَعْرِيفه والحشرات قَالَ فِي (الْقَامُوس (الْهَوَام اَوْ الدَّوَابّ الصغار كالحشرة محركة فيهمَا انْتهى والفئران جمع فأر بِالْهَمْز وَهُوَ حَيَوَان مَعْرُوف يَعْنِي النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى أَن هَؤُلَاءِ المعطلة ضَاقَتْ عُقُولهمْ عَن حمل دقائق الايمان فصاروا كالحشرات والخفاش الَّتِي لَا تسْعَى الا بِاللَّيْلِ فان هَؤُلَاءِ المعطلة لم تحمل عُقُولهمْ مَا فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ مِمَّا وصف الرب تَعَالَى بِهِ نَفسه اَوْ وَصفه بِهِ رَسُوله ﷺ فَصَارَ ذَلِك لبصائر المعطلة كالنهار لابصار الخفاش والحشرات وَنَحْوهَا نَعُوذ بِاللَّه من عمى البصائر
[ ١ / ٥٠٣ ]
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى لَو كَانَ حَقًا مَا يَقُول معطل لعلوه وَصِفَاته الرَّحْمَن
لزمتكم شنع ثَلَاث فأرتؤوا أَو خلة مِنْهُنَّ أَو ثِنْتَانِ
تقديمهم فِي الْعلم أَو فِي نصحهمْ أَو فِي الْبَيَان أذاك ذُو إِمْكَان
إِن كَانَ مَا قد قُلْتُمْ حَقًا فقد ضل الورى بِالْوَحْي وَالْقُرْآن
إِذْ فيهمَا ضد الَّذِي قُلْتُمْ وَمَا ضدان فِي الْمَعْقُول يَجْتَمِعَانِ
بل كَانَ أولى أَن يعطل مِنْهُمَا ويحال فِي علم وَفِي عرفان
أما على جهم وجعد أَو على النظام أَو ذِي الْمَذْهَب اليونان وكذاك أَتبَاع لَهُم فقع الفلا
صم وبكم تابعو العميان وكذاك أفراخ القرامطة الالى
قد جاهزوا بعداوة الرَّحْمَن كالحاكمية والالى وألوهم
كَأبي سعيد ثمَّ آل سِنَان وَكَذَا ابْن سينا والنصير نصير أهل الشّرك والتكذيب والكفران
وكذاك أفراخ الْمَجُوس وشبههم والصائبين وكل ذِي بهتان
إخْوَان ابليس اللعين وجنده لَا مرْحَبًا بعساكر الشَّيْطَان
أَفَمَن حوالته على التَّنْزِيل وَالْوَحي الْمُبين ومحكم الْقُرْآن كمحير أضحت حوالته على
أَمْثَاله أم كَيفَ يستويان
[ ١ / ٥٠٤ ]
.. أم كَيفَ يشْعر تائه بمصابه
وَالْقلب قد جعلت لَهُ قفلان قفل من الْجَهْل الْمركب فَوْقه
قفل التعصب كَيفَ ينفتحان ومفاتح الاقفال فِي يَد من لَهُ التصريف سُبْحَانَ الْعَظِيم الشان
فَاسْأَلْهُ فتح القفل مُجْتَهدا على ال أَسْنَان ان الْفَتْح بَال بالأسنان
أَي إِن كَانَ حَقًا مَا تَقوله المعطلة لعلو الرب وَصِفَاته لزمتم ثَلَاث شناعات
وَقَوله فارتؤوا أَي اطْلُبُوا رَأيا تخلصون بِهِ من هَذِه الشنع لَان الْكتاب وَالسّنة ضد لما قَالُوهُ والضدان لَا يَجْتَمِعَانِ فَكَانَ الْكتاب وَالسّنة على هَذَا سَببا لاضلال النَّاس فَكَانَ ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم ويحالون فِي الْعلم والعرفان على جهم وجعد والنظام وحكماء اليونان والقرامطة وَنَحْوهم وَهَذَا معنى مَا ذكره شيخ الاسلام فِي مُقَدّمَة (الحموية (قَالَ فَلَو كَانَ الْحق فِيمَا يَقُول هَؤُلَاءِ السالبون النافون للصفات الثَّابِتَة فِي الْكتاب وَالسّنة من هَذِه الْعبارَات وَنَحْوهَا دون مَا يفهم من الْكتاب وَالسّنة إِمَّا نصا وَإِمَّا ظَاهرا فَكيف يجوز على الله ثمَّ على رَسُوله ثمَّ على خير الامة أَنهم يَتَكَلَّمُونَ دَائِما بِمَا هُوَ نَص أَو ظَاهر فِي خلاف الْحق ثمَّ الْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده أَن لَا يبوحوا بِهِ قطّ وَلَا يدلون عَلَيْهِ قطّ لَا نصا وَلَا ظَاهرا حَتَّى يَجِيء انباط الْفرس والروس وفروخ الْيَهُود والفلاسفة يبينون للامة العقيدة الصَّحِيحَة الَّتِي يجب على كل مُكَلّف اَوْ كل فَاضل ان يعتقدها لَئِن كَانَ مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ المتكلمون المتكلفون هُوَ الِاعْتِقَاد الْوَاجِب وهم مَعَ ذَلِك احيلوا فِي مَعْرفَته على مُجَرّد عُقُولهمْ وَأَن
[ ١ / ٥٠٥ ]
يدفعوا بِمُقْتَضى قِيَاس عُقُولهمْ مَا د ل عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة نصا اَوْ ظَاهرا لقد كَانَ ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم وانفع على هَذَا التَّقْدِير بل كَانَ وجود الْكتاب وَالسّنة ضَرَرا مَحْضا فِي أصل الدّين فان حَقِيقَة الامر على مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ أَنكُمْ يَا معاشر الْعباد لَا تطلبون معرفَة الله وَمَا يسْتَحقّهُ من الصِّفَات نفيا واثباتا لَا من الْكتاب وَلَا من وَالسّنة وَلَا من طَرِيق سلف الامة وَلَكِن انْظُرُوا انتم فَمَا وجدتموه مُسْتَحقّا لَهُ من الصِّفَات فصفوة بِهِ سَوَاء كَانَ مَوْجُودا فِي الْكتاب وَالسّنة أَو لم يكن وَمَا لم تَجِدُوهُ مُسْتَحقّا لَهُ فِي عقولكم فَلَا تصفوه بِهِ ثمَّ هم هُنَا فريقان أَكْثَرهم يَقُولُونَ مَا لم تثبته عقولكم فانفوه وَمِنْهُم من يَقُول بل توقفوا فِيهِ وَمَا نَفَاهُ قِيَاس عقولكم الَّذِي انتم فِيهِ مُخْتَلفُونَ ومضطربون اخْتِلَافا اكثر من جَمِيع اخْتِلَاف (النَّاس) على وَجه الارض فانفوه واليه عِنْد التَّنَازُع فَارْجِعُوا فانه الْحق الَّذِي تعبدتكم بِهِ وَمَا كَانَ مَذْكُورا فِي الْكتاب وَالسّنة مِمَّا يُخَالف مقاييس عقولكم اَوْ يثبت مَا لم تُدْرِكهُ عقولكم على طَريقَة أَكْثَرهم فاعلموا أَنِّي أمتحنتكم بتنزيله لَا لِتَأْخُذُوا الْهدى مِنْهُ لَكِن ليجتهدوا فِي تَخْرِيجه على شواذ اللُّغَة وَوَحْشِي الالفاظ وغرائب الْكَلَام اَوْ ان تسكتوا عَنهُ مفوضين علمه الى الله مَعَ طي دلَالَته على شَيْء من الصِّفَات وَهَذَا حَقِيقَة الامر على رَأْي هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمين وَهَذَا كَلَام رَأَيْته قد صرح بِمَعْنَاهُ طَائِفَة مِنْهُم وَهُوَ لَازم لجماعتهم لُزُوما لَا محيد عَنهُ ومضمونه أَن كتاب الله لَا يَهْتَدِي بِهِ فِي معرفَة الله وَأَن الرَّسُول مَعْزُول عَن التَّعْلِيم والاخبار بِصِفَات من أرْسلهُ وَأَن النَّاس عِنْد التَّنَازُع لَا يردون مَا تنازعوا فِيهِ الى الله وَالرَّسُول بل الى مثل مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة اَوْ الى مثل من يتحاكم اليه من لَا يُؤمن بالانبياء كالبراهمة
[ ١ / ٥٠٦ ]
والفلاسفة وهم الْمُشْركُونَ وَالْمَجُوس وَبَعض الصابئين وان كَانَ هَذَا الرَّد لَا يزِيد الامر الا شدَّة وَلَا يرْتَفع الْخلاف بِهِ اذ لكل فريق طواغيت يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا اليهم وَقد أمروا ان يكفروا بهم
وَقَوله فقع الفلا قَالَ فِي (الْقَامُوس (الفقع وَيكسر الْبَيْضَاء الرخوة من الكمأة جمع كعنبة وَيُقَال للذيل هُوَ أذلّ من فقع بقرقرة لانه لَا يمْتَنع على من اجتناه أَو لانه يُوطأ بالارجل
قَوْله أفراخ قَالَ فِي (الْقَامُوس (الفرخ ولد الطَّائِر وكل صَغِير من الْحَيَوَان والنبات جمع أفرخ وافراخ وفراخ وفروخ وأفرخة وفرخان وَالرجل الذَّلِيل المطرود انْتهى
قَوْله والحاكمية هم شيعَة الْحَاكِم العبيدي المعتقدون فِيهِ الالهية وَهُوَ ابو عَليّ مَنْصُور بن نزار الْعَزِيز بِاللَّه ابْن معد الْمعز لدين الله العبيدي لاتباعه فِيهِ من الاعتقادات الخبيثة مَا تصم عَنهُ الاذان وَيَقْضِي على معتقده بالزور والبهتان وَقد ذكر طرفا من ذَلِك الْحَافِظ الذَّهَبِيّ والحافظ ابْن كثير فِي (تاريخهما (وَغَيرهمَا والامام أَبُو شامة فِي كتاب (الروضتين فِي أَخْبَار الدولتين (وَأَبُو سعيد هُوَ الْحسن بن بهْرَام القرمطي رَئِيس القرامطة قَالَ الشَّيْخ عز الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الاثير الْجَزرِي فِي تَارِيخه الْكَبِير الْمُسَمّى ب (الْكَامِل (قَالَ فِي هَذِه السّنة يَعْنِي سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ تحرّك قوم بسواد الْكُوفَة يعْرفُونَ بالقرامطة ثمَّ بسط القَوْل فِي ابْتِدَاء امرهم وَحَاصِله أَن رجلا اظهر الْعِبَادَة والزهد والتقشف وَكَانَ يسف الخوص وَيَأْكُل من كَسبه كَانَ يَدْعُو النَّاس الى امام من اهل الْبَيْت ﵃ واقام على ذَلِك مُدَّة فَاسْتَجَاب لَهُ خلق كثير وَجَرت لَهُ أَحْوَال اوجبت لَهُ حسن الِاعْتِقَاد فِيهِ وانتشر
[ ١ / ٥٠٧ ]
ذكرهم بسواد الْكُوفَة ثمَّ قَالَ ابْن الاثير بعد هَذَا فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِي هَذِه السّنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بِأبي سعيد الجنابي بِالْبَحْرَيْنِ وَاجْتمعَ إِلَيْهِ نَاس كثير من الاعراب والقرامطة وَقَوي أمره فَقتل من حوله من أهل تِلْكَ الْقرى وَكَانَ أَبُو سعيد الْمَذْكُور يَبِيع النَّاس الطَّعَام ويحسب لَهُم بيعهم ثمَّ عظم أَمرهم وقربوا من نواحي الْبَصْرَة فَجهز اليهم الْخَلِيفَة المقتدر بِاللَّه جَيْشًا فَقَاتلهُمْ مقدمه الْعَبَّاس بن عَمْرو الغنوي فتواقعوا وقْعَة شَدِيدَة وَانْهَزَمَ أَصْحَاب الْعَبَّاس واسر الْعَبَّاس وَكَانَ ذَلِك فِي آخر شعْبَان من سنة سبع وَثَمَانِينَ فِيمَا بَين الْبَصْرَة والبحرين وَقتل ابو سعيد الاسرى وَأَحْرَقَهُمْ واستبقى الْعَبَّاس ثمَّ أطلقهُ بعد أَيَّام وَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى صَاحبك وعرفه مَا رَأَيْت فَدخل بَغْدَاد فِي شهر رَمَضَان من السّنة وَحضر بَين يَدي المقتدر فَخلع عَلَيْهِ ثمَّ إِن القراقطة دخلُوا بِلَاد الشَّام فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَجَرت بَين الطَّائِفَتَيْنِ وقعات يطول شرحها ثمَّ قتل ابو سعيد الْمَذْكُور فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة فتله خَادِم لَهُ فِي الْحمام وَقَامَ مقَامه وَلَده ابو طَاهِر سُلَيْمَان بن ابي سعيد وَلما قتل ابوه ابو سعيد كَانَ قد استولى على هجر والقطيف والطائف وَسَائِر بِلَاد الْبَحْرين وَفِي سنة احدى عشرَة وثلاثمائة فِي شهر ربيع الآخر مِنْهَا قصد ابو طَاهِر وَعَسْكَره الْبَصْرَة وملكها بِغَيْر قتال بل صعدوا إِلَيْهَا بلَيْل بسلالم الشّعْر فَلَمَّا حصلوا بهَا وأحسوا بهم ثَارُوا اليهم فَقتلُوا مُتَوَلِّي الْبَلَد وَوَضَعُوا السَّيْف فِي النَّاس فَهَرَبُوا مِنْهُم وَأقَام ابو طَاهِر سَبْعَة عشر يَوْمًا يحمل مِنْهُم الاموال ثمَّ عَاد الى بَلَده وَلم يزَالُوا يعيثون فِي الْبِلَاد ويكثرون فِيهَا الْفساد من الْقَتْل والسبي والنهب والحريق الى سنة سبع عشرَة وثلاثمائة فحج النَّاس فِيهَا وسلموا فِي طريقهم
[ ١ / ٥٠٨ ]
ثمَّ وافاهم ابو طَاهِر القرمطي بِمَكَّة يَوْم التَّرويَة فنهبوا أَمْوَال الْحَاج وقتلوهم حَتَّى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي الْبَيْت نَفسه وَقلع الْحجر الاسود وانفذه الى هجر فَخرج اليه أَمِير مَكَّة فِي جمَاعَة من الاشراف فقاتلوهم فَقَتلهُمْ أَجْمَعِينَ وَقلع بَاب الْكَعْبَة وأصعد رجلا ليقلع الْمِيزَاب فَسقط فَمَاتَ فَطرح الْقَتْلَى فِي بِئْر زَمْزَم وَدفن البَاقِينَ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام من غير كفن وَلَا غسل وَلَا صَلَاة على أحد مِنْهُم وَأخذ كسْوَة الْبَيْت فَقَسمهَا فِي اصحابه وَنهب دور أهل مَكَّة ثمَّ ذكر ابْن الاثير فِي سنة سِتِّينَ وثلاثمائة ان القرامطة وصلوا الى دمشق فملكوها وَقتلُوا جَعْفَر بن فلاح نَائِب المصريين ثمَّ بلغ عَسْكَر القرامطة الى عين شمس وَهِي على بَاب الْقَاهِرَة وظهروا عَلَيْهِم ثمَّ انتصر أهل مصر عَلَيْهِم فَرَجَعُوا عَنْهُم انْتهى قَالَ ابْن خلكان وعَلى الْجُمْلَة فَالَّذِي فَعَلُوهُ فِي الاسلام لم يَفْعَله أحد قبلهم وَلَا بعدهمْ من الْمُسلمين وملكوا كثيرا من بِلَاد الْعرَاق والحجاز وبلاد الشرق وبلاد الشَّام الى بَاب مصر وَلما أخذُوا الْحجر تَرَكُوهُ عِنْدهم فِي هجر وَقتل أَبُو طَاهِر الْمَذْكُور فِي سنة اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثلثمائة والقرمطي بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْمِيم وَبعدهَا طاء مُهْملَة والقرمطة فِي اللُّغَة تقَارب الشَّيْء بعضه من بعض يُقَال خطّ مقرمط ومشي مقرمط اذا كَانَ كَذَلِك وَكَانَ أَبُو سعيد الْمَذْكُور قَصِيرا مُجْتَمع الْخلق اسمر كريه المنظر فَلذَلِك قيل لَهُ قرمطي وَقد ذكر القَاضِي ابو بكر البا قلاني فصلا طَويلا من أَحْوَالهم فِي كتاب (كشف اسرار الباطنية (وَأما الجنابي فَإِنَّهُ بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد النُّون وَبعد الالف بَاء مُوَحدَة وَهَذِه النِّسْبَة الى جَنَابَة وَهِي بَلْدَة من اعمال فَارس مُتَّصِلَة بِالْبَحْرَيْنِ عِنْد سيراف والقرامطة مِنْهَا فنسبوا اليها انْتهى كَلَام ابْن خلكان رَحمَه الله تَعَالَى
[ ١ / ٥٠٩ ]
قَوْله ثمَّ آل سِنَان هُوَ الْبَصْرِيّ الَّذِي كَانَ بحصون الاسماعيلية بِالشَّام وَكَانَ يَقُول قد رفعت عَنْهُم الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالْحج وَالزَّكَاة
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى